تفكير مع حنّه آرنت

 

قادني الاهتمام بعمل حنّه آرنت (1906-1975) إلى الإحالة إلى جوانب من تفكيرها في سياق تناول القضية السورية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وإلى تفاعل مباشر مع طروحاتها في ثلاث مواد: حنّه آرنت في سورية؛ أرض المباد؛ أصوات الغائبين. يعمل هذه النص الرابع والأخير على الإجابة على السؤال عمّا يعطي المفكرة الألمانية الأميركية اليهودية أهميةً خاصة في نظر كاتب سوري لاجئ خارج بلده. والأمر يُختَصَرُ في شيئين: يتصل أولهما بمن كانت، فيما يتصل الآخر بما فَعَلَت. 

من هي؟

قبل كل شي نتكلم على امرأة. الأبطال الفكريون لمعظم من هم من جيلي، ولي من بينهم، رجالٌ أساساً. هذا شرط يعم المثقفين الرجال في المجال العربي، ولعله كان شرطاً عالمياً شاملاً قبل جيلين أو ثلاثة. هناك عنصر «فحولة» في الكتابة والفكر لدينا، يَشدُّ المتطلعين لدخول الحقل إلى أسماء مكرسة مهيبة، إلى معلمين وأساتذة، وليس إلى معلمات وأستاذات، كُنَّ قليلات على كل حال. في تاريخنا الثقافي الأقدم، هناك نساء شاعرات بعدد قليل، لكن ليس هناك نساء خَلَّفنَ أعمالاً كتابية. تماهي رجال بنساء لم يكن تجربة متاحة كي تكون مرغوبة أو غير مرغوبة. عربياً، يبدو الفكر والنظرية مجالاً ذكورياً، لا يكاد يكون ثمة مكان للنساء فيه. الوضع متغير منذ سبعينات القرن العشرين، ولعله في سبيله إلى مزيد من التغير في الشرط الشتاتي الراهن. أعمل على أن أكون جزءاً من هذا التغير، وأتطلّعُ إلى أن يكون الاهتمام بعمل حنّه آرنت مساهمة فيه، وتحاوراً مع الأنثوي فينا، أفراداً ومجموعات ومجتمعاً. 

آرنت نفسها لم تكن نِسوية، وضمير الغائب العاقل غير الشخصي في عملها هو هو وليس هي. لكنها قالت إنها خلافاً للرجال لا تهتم بالتأثير، وأن ما تريده هو أن تَفهَم. هذا اتجاه مرغوب لتطور علاقتنا بتفكيرنا في تصوري. ينبغي القول بعد ذلك أنها مؤثرة جداً، وأن أعمالها تُقرأ اليوم وتُناقَش أكثر مما كانت وقت رحيلها أو حتى قبل عقد أو عقدين من اليوم.  

في المقام الثاني كانت آرنت لاجئة مرتين، في فرنسا لثماني سنوات، ثم في أميركا حتى وفاتها عام 1975. من جهتي هذا سبب شخصي لدرجة من حسّ المشاركة. ومثلما كان لجوء آرنت جزءاً من لجوء كبير ومن محنة كبيرة طالت اليهود الألمان والأوربيين، لِلجوء السوري أيضاً صفة عامة، وهو أحد أوجه محنة كبيرة، مستمرة. 

ونتكلم في المقام الثالث على يهودية، تنحدر من أسرة كانت ألمانية الثقافة، لكن معاداة الأقلية اليهودية كانت تنشط في ألمانيا في سنوات شباب آرنت، قبل أن تنفجر في عداء مسعور، وتصير أحد أركان الحكم النازي، وتسفر عن ملايين الضحايا. آرنت إيجابية حيال الميراث اليهودي، وكانت ترى أنه حين يهاجم المرء كيهودي عليه أن يدافع عن نفسه كيهودي. وهذا يتوافق مع حسها القوي بالكرامة، كرامتها الشخصية وكرامة جماعتها، فضلاً عن توافقها مع الميل العام لما يحدث فعلاً لمن يتعرضون للتمييز: يتمسكون أكثر بما يُميَّز ضدهم بسببه. اليهودية دين، لكنها كذلك هوية وانتماء، يحرص عليهما كثيرون من غير المتدينين، وينسبون إليهما حساً متميزاً بالعدالة، ويحدث أن يستند بعضهم إلى هذا الحس لمناهضة إسرائيل. يستحسن أن نعرف أكثر عن هذا الجانب بدل إغلاق النفوس والأذهان دونه، إغلاق تواتر أن تركنا عُزّلاً حيال ما ننغلق دونه، حتى إذا حدث أن انفتحَ الباب المغلق لسبب ما انبهرت عيوننا، ولم نعد نر غير ما كنا نُنكِر. قد يكون إغلاق مماثل وراء حذف الباب الخاص بـ«معاداة السامية» من ترجمة أنطوان أبو زيد لكتاب أسس التوتاليتارية (ومعه الباب الخاص بالامبريالية)، والاقتصار على الباب الأخير، التوتاليتارية، وهذا حتى دون تنبيه قارئ العربية إلى ذلك. 

اليوم، «نحن اللاجئون» يهودٌ بصورة ما، ويحدث أن نكون يهودَ اليهود حتى، لا يقتصر الأمر على الفلسطينيين من بيننا. السوريون المتناثرون في العالم، الذين يرون كيان بلدهم يتآكل، ولا يوعَدون بشيء بعد كل ما خسروا، في وضع مناسب لفهم الشرط اليهودي قبل إسرائيل، وللتعلّم منه1.  

في المقام الرابع، وفضلاً عما تقدم، هناك حضور كبير للتجربة الشخصية، الغنية في عمل آرنت التي كانت منغرسة في تراث الفكر الغربي، وواسعة الاطلاع عليه. التجربة أعطت معرفتها الكتبية مضموناً حياً، والمعرفة الكتبية وفرت للتجربة أدوات عمل ومنظورات يُتعارَك معها ويُشتغَل عليها ويُضاف إليها. 

أي تجربة؟ عاشت حنّه آرنت زمن ما بين الحربين العالميتين كامرأة شابة تدرس الفلسفة، لكنها اضطرت للهرب إلى فرنسا عام 1933 إثر تولي النازيين السلطة في ألمانيا، وذلك بعد اعتقال وجيز استفادت فيه من تواطؤ المحقق معها. في فرنسا عملت اللاجئة الألمانية مع غيرها اللاجئين اليهود، وتعاونت مع منظمات صهيونية، حتى اضطرت للهرب من جديد إلى أميركا عام 1941. هناك صارت مفكرة مشهورة، خاصة بعد صدور كتابها أصول التوتاليتارية، المفهوم الذي يوحد النازية الألمانية والشيوعية الستالينية السوفييتية في مقولة واحدة. جادل في ذلك كثيرون، لكن الكتاب بالغُ الأهمية مع ذلك، وهو اشتباك شديد الأصالة بالفكر مع ظواهر زمنها الحارقة. أعمالها اللاحقة عن الثورة، وعن العنف، وعملها الأساسي: الشرط الإنساني، ثم أعمالها المتأخرة عن حياة الفكر، وتغطيتها الفذة لمحاكمة أدولف آيخمان في القدس، تضعها في موقع متقدم بين مثقفي القرن العشرين. أعمال آرنت هي زمنها مُفَكرٌ فيه، على نحو يجعل من عالمها الفكري فكر العالم، صورة بالغة التميز والغنى عن العالم الذي عاشته خلال أكثر من أربعين سنة بين ثلاثينات القرن العشرين ووفاتها أواسط السبعينات، وإن لم يكن محتماً أن تستبعد هذه الصورة غيرها. 

وبقدر ما ننشغل بقضايا العنف والإبادة والتعذيب، والثورة، والسياسة والحرية، والحقيقة والزمن، والشر- وكيف لنا ألا ننشغل بهذه القضايا- فإن مثال حنّه آرنت أصلح لمساعدة التفكير من غيرها. جانب من «تعقيد» الوضع السوري ومن عدم فهمه عالمياً، وسورياً، متولد في رأيي عن صلاحية محدودة لعتاد التفكير المتاح والموروث لمقاربة أوضاع قصوى وبالغة الجدة و«الإبداعية»، كأوضاعنا خلال ما يقترب من عقد. أعتقد أن الفشل الثابت لقطاعات واسعة من اليسار في العالم في قول شيء مفيد عن سورية، يعود إلى عدم ملاءمة العتاد الفكري المتاح لمقاربة أوضاع الإبادة والتطهير العرقي وما يشبهها. هذا فشل نسقي ومتكرر.

ماذا فعلت؟

في فكر حنّه آرنت الخصب، بالمقابل، ما يبدو تأسيسياً وعظيم الأهمية في حفز التفكير في أوضاعنا المعاصرة، وبالتحديد ما يتصل بالعلاقة بين التفكير والضمير. عمل آرنت ينفرد، بحدود ما أعرف، بإظهار ترابط الضمير والتفكير، أو بإقامة الحس الأخلاقي على عملية التفكير، بحيث يقترن غياب الحياة الأخلاقية بغياب الحياة الفكرية، التي تقوم بدورها جوهرياً على التعدد. التفكير حوار مع النفس بحسب آرنت، فكأن الواحد منا اثنان، لا يكف أولنا عن محاورة ثانيه. وبما أن المرء لا يريد أن يستضيف في نفسه مجرماً يحاوره ويتبادل معه المشورة، على ما قالت مُستنِدَةً إلى أفلاطون، وبما أنه يريد محاوراً محترماً يثق به ويحبه، فإن قيامه بفعل التفكير- الحوار يحميه من فعل الشر. 

عند آرنت التفكير فعل مُولِّدٌ للضمير، وليس فعل تَعقُّل مجرد، على ما هو مستقر في ثقافتنا المعاصرة، وما هو أصل لواحدة من أسوأ خصائص حداثتنا في تقديري، أعني التمركز حول المعرفة والعقل، والضمور الكلي للشاغل الأخلاقي. 

قد يكون من جذور ذلك ارتباط المعرفة بالاعتراف في بيئاتنا الاجتماعية والسياسية المعاصرة، وهذا مُعزَّز بواحدية سياسية متشددة أو أكثر تشدداً خلال جيلين، تتعارض مع التوسع المرغوب في التعارف والثقة، وبالتالي الحوار والتفكير، وكل ذلك في مجتمعات لم تتشكل في دول وطنية مستقلة إلا قبل ثلاثة أجيال. يجنح الاعتراف في مثل شروطنا إلى أن ينحصر في دوائر الثقة الشخصية أو القرابة الاعتقادية. من نعترف بهم هم من نأخذ ما يقولون بعين الاعتبار، لكنهم هم بالذات من يقولون مثل قولنا تقريباً فلا نكاد نتعلم جديداً من اعتبار ما يقولون. بالمقابل، لا نعترف بمن لا يشاركوننا الاعتقاد، بينما هم بالذات من يُحتمَلُ أن يكون ما يقولونه طريفاً وموسِّعاً لآفاقنا. بعبارة أخرى، حيث يكون تحصيل معرفة من الغير ممكناً، فإن هذه المعرفة محدودة لا تضيف شيئاً مهماً. وبالعكس، حيث تكون المعرفة غير محدودة مبدئياً، وحيث يُحتمَل أن تكون جديدة كلياً علينا، فإننا لا نعترف بأصحابها فلا نتعلم منهم ولا نأخذ ما يقولون في اعتبارنا. 

إذا كنت لا أعترف بك، فسأقاوم أن أفكر بما تقول أو تفعل أو تكون، ولن تكون مُحاوِراً ضمنياً في حواري الداخلي، تفكيري، بل قد أنكر حقك في الوجود، وليس حقك في القول والفعل فقط. تظهر المعرفة هنا كعلاقة سلطة حين ترتبط بالاعتراف: من يُعترَف به يُعرَف، ومن لا يُعرَف فلأنه لم يُعترَف به. تظهر أيضاً كاعتقاد وشراكات اعتقادية حصرية لا تكف عن إعادة إنتاج نفسها وتسييج نفسها ضد غيرها. والاعتقاد اقتصادي، يقتصد في الجهد والتوتر النفسي، أكثر من التفكير المقترن حتماً بقدر من التحير وعدم اليقين. نعتقد كي لا نفكر، كي نرتاح من التفكير.

وبقدر ما تجنح الاعتقادات لأن تكون حصرية (تستبعد غيرها) وكُلّية (تحيط بكل ما هو مهم)، فإنها تحول دون وضع النفس في موضع الآخرين، والنظر إلى النفس بعيون الغير أو من موقع الغير. فالموقف الاعتقادي مقاوم لمعرفة لا تتوافق مع العقيدة. وتنعكس مقاومة المعرفة على تفكير المعتقِد في الشأن المعني بأن يكون جزئياً، لا يرى شيئاً إلا بأن يتعامى عن شيء أو أشياء أخرى، يُغيِّبها صوناً لأمن العقيدة. أي أن مُحاور المُعتقِد مخادع أو غشاش، وأنه يتواطأ مع مخادع أو غشاش على حماية سلامة عقيدته. أو هو بالأحرى شاهد زور، يشهد للمعتقِد دوماً بصحة ما يقول. ويصير المرء شاهد زور غير أمين هو نفسه كلما أطال صحبة شهود الزور.     

في المحصلة يتوافق غياب التفكير كاستضافة للغير في النفس، أو كتدرّب على الخروج من النفس والنظر إليها من موقع غيرنا، مع إلغاء الغير. وفي ذلك ما يُسهِّلُ من أمر التعامل مع الغير كغريب لا نلتزم حياله بشيء، ولعله لا بأس في إساءة معاملته أو استعباده أو قتله. فإذا كان الضمير يتكون من أفعال الخروج من النفس وتمثل الغير، فإن تقويض وجود الغير أو تغييبه سياسياً أو كتم صوته وحرمانه من الكلام، يخرجه من دائرة مسؤوليتنا الأخلاقية ويقلل من حساسيتنا تجاه ما يصيبه، فيحول عبر ذلك دون تكون الضمير. 

الوجود النشط والناطق للغير جوهريٌ كي يكون لنا ضمير، وهو حاجة أخلاقية فوق كونه حاجة معرفية وحاجة سياسية. ومن هذا الباب فإن التعدد، أي وجود غيرٍ متغاير، هو ضمان للتفكير وللضمير ولتجددهما، كما للسياسة. حنه آرنت أولت مكانة عليا للتعدد في تفكيرها من هذا المدخل. 

لدينا في سورية، والمجال العربي، من التجربة ما يكفي لإظهار اقتران إلغاء التعدد بكثير من التوحش والشر. «الدولة» التي تفتقر إلى أدنى تعدد في داخلها وتطرد التعدد من المجتمع، التي لا تمنع محكوميها من التفكير إلا بمنع نفسها كذلك، تجعل من نفسها بهذا المنع المزدوج أداة قتل رهيبة. وفي تجربتنا المعاصرة تشكيلات دينية تمارس الشيء نفسه، تنفي التعدد فيها وفيما حولها وفي العالم، فتُسهِّلُ لنفسها التوحش. الآلية العاملة في الحالين هي إقامة عوالم مصمتة أصغر فأصغر، نعيش فيها وحدنا أو مع مخادعين غشاشين مثلنا، ولا نشعر بغيرنا. سورية صارت أصغر خلال عقود الحكم الأسدي، عبر التخلص المتكرر من التعدد الحقيقي والمؤثر، أعني تعدد الأطراف التي يمكن أن تدخل في نقاش عام وتحوز شرعية مبدئية مساوية لشرعية غيرها. ولقد جنحنا كمجتمع خلال العقود الماضية إلى أن نصير مجتمعَ لا اعتراف، لا يعترف الجميع بالجميع فيه، وبالتالي لا مجتمع: جُزُر بشرية بدون التزامات متبادلة ولا شعور مشترك، بدون تعاطف أو ثقة أو تضامن في الشدائد. 

ما تظهره هذه المناقشة أن الضمير علاقة، وأن شرطه هو الوجود النشط للغير في عالمنا، وأن أي فرد، أو جماعة، أو دولة، أو دين، أو ثقافة، لا يطور ضميراً حياً متجدداً إلا بقدر ما يدخل في علاقة مع الغير، يعترف بالغير ويَعرِفه ويفكر فيه، ويستطيع أن يضع نفسه محله. الإنسانية هي ما يعطينا إياه الآخرون وما نعطيه لهم، وليست شيئاً يحوزونه أو نحوزه بمعزل عن بعضنا. الإنسانية ليست خاصية للفرد البشري أو الجماعة المعزولة، هي خاصية محتملة للاجتماع، وللمجموع البشري. 

هذا شأنٌ راهنٌ جداً لدينا. التفكير والضمير مسألتا تعدد، أي مسألتان سياسيتان. حنّه آرنت تساعد كثيراً في ذلك.

عمل آرنت لا يُختَصَر في العلاقة بين التفكير والضمير، بل وقد لا يظهر هذا الجانب في تناول عملها من قبل دارسين آخرين، لكنه يبدو عظيم الأهمية في لحظتنا الراهنة. قيمة الحرية وفكرة الذاتية وثورة الذاتيات التي قد تكون من أهم ما تَولَّدَ عن «الربيع العربي» تقتضي اشتغالاً على الضمير، وعلى مثال الفرد الأخلاقي.

تفكير مع

يقول ينس هانسن، وهو أستاذ مشارك للحضارة العربية والتاريخ الشرق أوسطي والمتوسطي في جامعة تورنتو، إن آرنت مؤلفة يطيب التفكير معها (a good author to think with). بالفعل. لقد فكرت في زمنها تفكيراً منفتحاً على تجارب قصوى، التوتاليتارية ومعسكرات الإبادة بخاصة، وأدركت «بداءة» تلك التجارب أو صفتها غير المسبوقة. في مواجهة غير المسبوق مارست «تفكيراً دون درابزين» (thinking without banisters) على ما عبرت هي نفسها. والمهم بحسب هانسن (في محادثة شخصية) ليس الاتفاق أو الاختلاف معها، بل أن نفكر دون كفالة مسبقة لصواب تفكيرنا، أي دون اندراج في تقليد مسبق. حدث أن ذهبت آرنت بعيداً في تفكيرها المستقل، فقالت كلاماً مُجادَلاً به في بعض الشؤون، ومنها اعتراضها على فرض اختلاط الأعراق، في المدارس الأميركية، بقوة الدولة ضد مناهضة قطاعات محافظة من المجتمع الأبيض. أو رأيها غير الإيجابي حيال النِسوية. أو تَشكُّكها في علم الاجتماع استناداً إلى تجربة معسكرات الاعتقال. حيال ذلك المرء يُغرى بالقول: لا بأس بتفكير دون درابزين، لكن ربما يُصغَى بانتباه أكثر إلى الأصوات المكتومة، الغائبة، وإلى تنويع محاورينا.    

مع ذلك التفكير مع آرنت مثمر من حيث أنها تُعنى بمشكلات وقضايا، وتطور مفاهيم ومقاربات، يغتني المرء من التفاعل معها والنقاش فيها. تَقارُبُ الشروط التاريخية التي عاشتها بين وصول النازيين إلى الحكم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (وبعد) مع الشروط السورية خلال سنوات هذا العقد، يدعو بقوة إلى «التفكير مع» مؤلفة الشرط الإنساني

قد يضاف إلى ما تقدم أنه ليس بين أعمال آرنت الأساسية ما لم يكن إشكالياً، أثار عليها خصوماً متنوعين، ووصل إلى القطيعة معها والتشهير بها في العديد من الحالات، بخاصة بعد آيخمان في القدس. لكن أصول التوتاليتارية وفي الثورة أعمال إشكالية بدورها. وبينما قد يفترض المرء أن مهمة المؤلف أن يكون عمله إشكالياً، فإن قول ذلك أسهل بكثير من تجريبه.

بحكم منبتها اليهودي ومركزية الحقبة النازية في تفكيرها، ومنها الهولوكوست، حنّه آرنت شرقأوسطية مثلنا بصورة ما. كانت ناقدة للصهيونية، لكن شعرت غالباً بضرب من القرب من إسرائيل، ونقدها لها نقد معني بقوة بالمصير اليهودي. ولعل جذور هذا الموقف تمتد في شيئين: منبتها اليهودي وتجارب جيلها الفظيعة، وقد عززت بين يهود كثيرين فكرة الحاجة إلى قوة يهودية مسلحة؛ ثم غربيتها الشديدة، وقد وضعتها في موقع النفور حتى من اليهود الشرقيين. يبدو أنها مثل مفكرين غربيين كثيرين، رأت الغرب قوة التحضر والعقلنة الوحيدة في العالم. تَعدُّدُ آرنت، ليس تعدداً متعدداً، وهو يقف حصراً في مواجهة الواحديات التوتاليتارية. لكن الحوار مع النفس الذي تنافح عنه لا يسمح بحضور غائبين مختلفين. كان هذا مما حاولت مقالة أصوات الغائبين قوله.  

على أن آرنت أخذت على الصهيونية إهمال المسألة العربية، وحقيقة أن أكثرية سكان فلسطين في زمانها عرب، وليسوا يهوداً، هذا بينما نص برنامج الصهيونيين في عام 1942 أن اليهود سيعطون حقوقَ أقليّة للأكثرية العربية. كان من اقتباساتها المفضلة، بحسب رتشارد بيرنشتاين: «القضايا الرابحة تُرضي الآلهة، لكن القضايا الخاسرة ترضي كاتو» (وهذا سياسي روماني من القرن الثاني قبل الميلاد)2. وهي ارتضت لنفسها موقع المنبوذ الخارج على الإجماع، في هذا الشأن كما في شؤون كثيرة.  

حنّه آرنت في النهاية مثقفة شديدة الأصالة، معقدة التفكير ومتعددته، ولا يُشتق تفكيرها من مقدمة واحدة أو مقدمات قليلة، فلا يتشكل في مذهب، ولا يسمح بالتماهي. وهي من هذا الباب أيضاً مثقفة يطيب التفكير معها، وليس اتِّباعها. التفكير مع يتقابل ضدياً مع أشكال الطاعة الفكرية من اعتناق لمذهب ودعوة إليه، ومن باب أولى مع الاعتقاد المُشكِّل لجماعة. وهو لذلك الشكلُ الأكثرُ تعافياً للتفاعل مع أي وارد فكري.

  • 1. بعد إسرائيل قضية أخرى. إسرائيل النووية هي الحل النهائي للحل النهائي النازي، تستبطن أقصويّته وطاقته الإبادية. Never again تشير إلى هذه النهائية، وإلى الموت كَممكن، وربما كضرورة، لتجنب الموت. موت من؟ الجواب غير خاف.
  • 2. Richrd J. Bernstein: Why Read Hannah Arendt Now, Polity Press, 2018, ص 39. بالمناسبة يعتقد بيرنشتاين أن آرنت كانت مع وطن لليهود في فلسطين وليس مع دولة- أمة. الوطن هو مكان للعيش وازدهار الثقافة، يعيش اليهود فيه مع العرب في جماعة مشتركة تقوم على المساواة في الحقوق. ص 42