تكتك: الخبر على ثلاث عجلات

 


رداً على التعتيم الإعلامي وقطع شبكة الإنترنت في العراق، أصدر نشطاء وصحفيون عراقيون صحيفة من ثماني صفحات في أربع أوراق لنشر أخبار الحراك العراقي، حملت اسم «تكتك»، وصدر العدد الأول منها في الرابع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وهي تصدر عدة مرات في الأسبوع ويتم توزيعها في ساحة التحرير، ساحة الاحتجاج الرئيسية في وسط العاصمة بغداد.

تُدار الصحيفة من قبل فريق تحرير من الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، يتم تنسيقها وطباعتها في مطابع محلية بشكل سري، يصل عدد النسخ إلى ثلاث آلاف نسخة من كل عدد ويتم توزيعها مجاناً، وقد صدرت حتى الآن تسعة أعداد منها ويتم العمل على العدد العاشر، الذي سيرى النور قريباً.

تعقد رئاسة تحرير المجلة اجتماعها في إحدى خيم التظاهرات في ساحة التحرير، حيث تتم كتابة النصوص ومناقشتها وتحريرها، ثم إرسال المقالات إلى المطبعة لتتم أعمال التصميم والطباعة. ويهدف القائمون عليها لأن تكون صوتاً للثوار والمتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بحقوقهم ورافضين للفساد والفقر؛ أن تكون صحيفة الحراك العراقي.

يتولى الصحفي والشاعر العراقي أحمد عبد الحسين إدارة تحرير الجريدة، وكان قد عمل سابقًا في وكالات أنباء مثل القرطاسيين، ونشر عدة دواوين شعرية، ويعمل حالياً في مجلة بين النهرين، ويرأس تحرير مجلة براءات الفصلية المتخصصة بالشعر.

تمت تسمية الصحيفة تيمناً بالـ «تك تك»، الذي أصبح مؤخراً أيقونة للحراك الثوري في العراق، وهو مركبة شعبية تمشي على ثلاث عجلات، نالت شهرتها خلال موجة الاحتجاجات العراقية الراهنة، إذ أن صغر حجمها يسمح لها بالتنقل بين الأحياء الصغيرة والشوارع الضيقة، وبسبب شجاعة سائقيها، أصبحت «التكاتك» سيارات إسعاف تنقل المصابين إلى المراكز الطبية. يصف محررو الصحيفة في عددها الأول  هذه المركبة بأنها «عربة الفقراء التي أصبحت أيقونة الثورة».

في مقابلة له مع الجمهورية، يقول نور الدين حسين علي، المتحدث باسم صفحة الخوة النظيفة المعروفة بين الشباب العراقي على فيسبوك، إن عربات التك تك كانت تشكل في العراق خلال العام الماضي مصدر إزعاج للسائقين، واتهمها البعض بارتكاب مخالفات مرورية وعدم احترام أنظمة السير، لكن التك تك استعاد خلال الحراك مجده، لأنه الوسيلة الأسرع لإسعاف الجرحى، لا سيما بعد استهداف المسعفين من قبل القناصة، الأمر الذي جعل من سائقي «التكاتك» رمزاً للثورة، ودفع الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي لإطلاق وسم (هاشتاغ) #ثورة_التكتك، وقد تداول ناشطون على الشبكة العنكبوتية صوراً ومقاطع فيديو لأعمال وصفت بـ «البطولية» لسائقي التك تك.

في حديثه للجمهورية، يقول مدير تحرير الصحيفة أحمد عبد الحسين إن تكتك «جاءت رداً على قطع الحكومة للإنترنت لأيام متواصلة». وقد ولدت فكرة الصحيفة في ساحة التحرير، وباشر أحمد عبد الحسين وزملاؤه بتنفيذها دون تأخير كمحاولة لكسر التعتيم الإعلامي، وعن ذلك يقول عبد الحسين للجمهورية: «كان لا بد أن يكون هناك وسيلةٌ لإبقاء الجميع على اطلاع، وأن يكون هناك مساحةٌ يتمكن فيها الثوار من التعبير عن أنفسهم، ومن هنا جاءت فكرة الصحيفة، التي لاقت قبولاً محلياً واسعاً واهتماماً عالمياً».

تحتوي الصحيفة على مقالات لنشطاء وصحفيين محليين، وعلى ترجمات لتقارير وسائل الإعلام الدولية حول العراق والأحداث الرئيسية المتعلقة بالاحتجاجات، كما تنشر مطالب المتظاهرين وتحتوي زوايا ثقافية وتولي الناحية الجمالية والأدبية اهتماماً.

صدر العدد الأول من تكتك تحت عنوان «الشباب يعلنون قيامة العراق»، متضمناً مقالات منها «خارطة طريق لإنقاذ العراق»، التي تلخصت في عشر نقاط رئيسة أبرزها الدعوة إلى تغيير الحكومة والدستور، وقد ذكرت الصحيفة أن خارطة الطريق هذه تقترح «خطوات أساسية تنقذ بلدنا، وتخلّصنا من فساد الطبقة السياسية التي حكمتنا، وفي حال قبولها من أوساط أبناء شعبنا العراقي، فسندافع عنها في ساحات الاعتصام حتى تحقيق النصر».

وقد جاءت افتتاحية العدد الأول بقلم «أبو التكتك»، تحت عنوان «المستحيل ليس عراقياً»، وأبو التكتك هو اسم مستعار لأحد الصحفيين الذين يفضلون عدم ذكر اسمهم بحسب مدير تحرير الصحيفة. كما احتوت الصفحة السادسة من العدد الأول قصيدة بعنوان «لماذا نخاف؟»، فيما احتوت الصفحة الأخيرة صورة لصفاء السراي، الناشط العراقي البالغ من العمر 26 عاماً، الذي أصيب بقنبلة مسيلة للدموع أثناء مشاركته في الاحتجاجات التي اجتاحت شوارع بغداد يوم 29 تشرين الأول الماضي، وتوفي متأثراً بإصابته بعد ساعتين.

يعزو الصحفي أحمد الشيخ ماجد، أحد محرري تكتك وكتاب أعمدتها، نجاح الصحيفة إلى أنها قد لامست حاجة الشعب الملحة إلى التمثيل، وسدت فجوة المعلومات التي خلفتها وسائل الإعلام العراقية؛ يقول ماجد للجمهورية إنه «لا توجد تغطية إعلامية حقيقية لحركة الاحتجاج في الصحافة العراقية، ولا يوجد وسيلة إعلام واحدة تمثل المتظاهرين وتتكلم باسمهم».

تحاول صحيفة تكتك كسب ثقة حركة الاحتجاج الواسعة التي تضم عراقيين من مختلف فئات الشعب وطبقاته، وقد كانت أصداؤها بحسب أحمد عبد الحسين وفريق التحرير إيجابية، إذ «يتم توزيع كل النسخ فور طباعتها، ويستلمها القرّاء بمزيج من التعطش للمعلومة، والنوستالجيا لفكرة توزيع المنشورات الثورية».

وبحسب الصحفي أحمد الشيخ ماجد، فقد أعادت الصحيفة ألق الصحافة المطبوعة بعد أن فقدت جزءاً كبيراً منه لصالح وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات المرئية؛ «وهكذا أعادت الثورة المجد لـ التك تك، وأعادت صحيفة تكتك الألق للصحافة المطبوعة».

يقول نور الدين الحسين إن نوعاً من عدم الثقة بالصحافة والإعلام الرسمي يسود بين أوساط المتظاهرين؛ «لدى الشارع العراقي شعور أن الصحافة العراقية والحكومة متآمران ضد الشعب، ويريدان للحراك أن يخمد»، وهنا كانت صحيفة تكتك وسيلة إعلام مختلفة عن السائد، ومختلفة عن سيل أحاديث السلطة ومزاعمها حول الفتنة التي يتم الإعداد لها من الخارج، وحول الأموال القادمة من السفارات وحالات التحرش والاغتصاب في الساحات والخطط الخارجية التي تريد تقويض السلطة في العراق. «حتى الصحفيون الذين يحظون باحترام الشارع مجبرون على فرض رقابة على أنفسهم بسبب الترهيب الأمني وحوادث الخطف للصحفيين والناشطين، خصوصاً بعد أن تعرضت عدة وسائل إعلام لهجوم من قبل مسلحين مجهولين بعد الموجة الأولى من الاحتجاجات»، يحكي نور الدين للجمهورية.

وبحسب جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، فإن شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي هو الشهر الأسوأ بما يخص حرية الصحافة في البلد منذ العام 2003، وقالت الجمعية أيضتً إنها سجلت 89 انتهاكاً بحق الصحفيين في عدة محافظات، منها ثلاثة وثلاثون تهديداً بالقتل، وثمانية حالات اعتقال دون أمر قضائي، بينما تعرض ثمانية وعشرون صحفياً للهجوم ومُنعوا من تغطية الاحتجاجات.

رغم الرقابة الأمنية وحالات التصفية والقتل والاختطاف، لم يتوقف الشارع العراقي عن ابتكار طرق لكسر التعتيم الإعلامي وإيصال صوته إلى العالم، منها صحيفة تكتك، التي يقول فريق تحريرها إن طباعتها ستستمر حتى تحقيق مطالب الثورة العراقية. ويأمل الفريق في إصدار عدد من الصحيفة بشكل يومي، إذ أن التكاليف منخفضة، حيث يعمل الكتّاب بشكل مجاني، وقد تم التعاون مع مطبعة تطبعها بأسعار رمزية. وبحسب مدير التحرير أحمد عبد الحسين، فقد موّلَ الناشطون جميع أعداد الصحيفة حتى الآن بأنفسهم، وهنا ترى إدارة تحرير الصحيفة أنها ردٌّ عملي على الشائعات التي تدّعي أن الاحتجاجات يتم تمويلها من الخارج، من الولايات المتحدة الأميركية ودول النفط.

إضافة إلى جهود فريق التحرير في الساحة، تحاول مجموعة من العراقيين في الخارج دعم الصحيفة إلكترونياً، وتعرّف المجموعة عن نفسها للجمهورية بأنها مجموعة من الشباب العراقي الذي ينسّق مع الداخل، والذي تبرع بتحويل أعداد الصحيفة إلى نسخ إلكترونية وترجمتها إلى الإنكليزية. ما زالت المجموعة في مرحلة التنظيم وبناء الموقع الالكتروني اللازم؛ على صفحتهم على فيسبوك وضعوا رابطاً للموقع الذي ما يزال في الفترة التجريبية، وسيتم تحميل أعداد الصحيفة عليه تباعاً في المستقبل.

ولم يقتصر إلهام عربة «التك تك» الصحفي على بغداد، بل تجاوزها إلى مدينة الناصرية، حيث أصدر الناشطون في محافظة ذي قار جريدة ستوتة الأسبوعية، التي هي «ابنة عم صحيفة تكتك اللزم»، حتى أن كلمة ستوتة هي إحدى الأسماء المحلية لعربة التك تك نفسها، التي باتت مصدر إلهام وفخر للثائرين في العراق.