تلك الطائرات، هذه الأنقاض

 

تُرينا مشاهد المشاركة الثورية السورية في مظاهرات ووقفات التضامن مع الفلسطينيين في مختلف مدن الشتات، والتعبيرات الأكثر شيوعاً لمتضامنين سوريين في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، لغة وصياغة جديدة، تضع العقد الأخير السوري في مركز آلية اتخاذ الموقف المتضامن مع الفلسطينيين أمام الآلة الوحشية الإسرائيلية: هذه أنقاض تشبه أنقاضنا؛ طيران يشبه طيران قاتلينا؛ اعتذاريون سفيهون للجزّار أشباه لمسوّغي الإجرام الأسدي، بمتوازياتهم وحذلقاتهم واتهاماتهم المضادة. نعرف مشاهد الإسعاف، نعرف لهفة مُحرِّكي الأنقاض وخنقتهم، نعرف وجوه الأطفال المدمّاة، نعرف أخبار استشهاد الأحباب والأصحاب. نعرف كل ذلك بشكل لحمي، نعرف من هو مستباح لأننا مستباحون، ونعرف تمييز شكل القاتل لأن ثمة قاتلاً يجثم على صدورنا. مشاهد صبايا وشباب يحملون علم الثورة، ويُثبتون وجودهم في ساحات التضامن مع الفلسطينيين في مدن وعواصم الشتات المشترك، تدعو للتفكير في منابع هذا التضامن، ودعائم تمرّديّته، ومعاني شكله للذات وللآخرين.

تضامن ينهل من الثورة على النظام وخطابه

ثمة رطانة شائعة، انتهازية جيوسياسياً ومتخفّفة قِيَمياً، تذمّ المواقف السياسية الإيجابية من القضية الفلسطينية بوصفها نتيجة «رواسب تربية النظام» وبأنها «غير مُنتِجة سياسياً» أو «متحالفة موضوعياً مع الممانعة». وإذ ليس الردّ على هذا المنطق المتواتر قصد هذه السطور، تجدر الإشارة إلى أن مشاهد الحِراك الثوري السوري الداعم للحق الفلسطيني لا تُرينا أي رواسب لـ«تربية النظام»، بل بالعكس تماماً: مركزية المُعاش السوري في صياغة الموقف مما يجري في عموم فلسطين تعني تبلور الثورة على هذا النظام كمنطلق أخلاقي للفعل السياسي، وكآلية تعاطف وتماهي وتضامن مختلفة عمّا عُهِد في تاريخ التعاطي السوري مع القضية الفلسطينية.

ما نراه من تضامن ثوري سوري مع الفلسطينيين لا يطوي فقط النظام والممانعة ورطانتهما عن فلسطين مجرَّدة، لا ناس فيها، وهو طيّ مرغوب وضروري وعظيم؛ بل يتجاوز أيضاً تأطير الموقف كـ«مسألة وطنية» سوريّة مع إسرائيل، بخصوص الجولان السوري المحتل وبخصوص فلسطين نفسها. هذه مسألة تحفر عميقاً في تاريخ وواقع ومستقبل سوريا، بغض النظر عمن يحكمها، وذاك موقف تنبغي صياغته من وجهة نظر مُعارِضة جذرية، غير منشغلة بمناكفة النظام الأسدي وحلفائه الإقليميين والدوليين وفضح كذبهم وتناقضاتهم.

تمرّد على الواقعية الجيوسياسية 

ثمة صورة اختزالية، تعرّف عن نفسها بالواقعية، تدّعي أن القضيتين السورية والفلسطينية تقعان على طرفي نقيض جيوسياسي. إذ ينضوي النظام الأسدي ضمن «محور المقاومة» تحت السيادة الإيرانية، ويواجه ثورة دعمها خصوم هذا المحور الإقليمي. هذه الصورة - ولها روّاد في أوساط المعارضين السوريين، يسعون لتسخيف الموقف المعادي لإسرائيل وللتحالف معها كطريق للتخلص من النظام - تتغذى من مواقف متدرجة في السوء للفصائل والتيارات السياسية الفلسطينية من القضية السورية، أكانت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، أم حماس والجهاد الإسلامي. جاء دعم هذه الفصائل والتيارات للنظام الأسدي - قولاً أو فعلاً، في اللحظة الأولى أو بعد حين - وفق المنطق الانتهازي ذاته، إن نتيجة التبعية المباشرة للنظام الأسدي، أو حرصاً على العلاقة مع إيران، أو تبعاً لتوليفات أيديولوجية سقيمة، أو لأسباب لا يفهمها حتى أنصار هذه الحركات أنفسهم. لا تخدم الصورة السينيكية أي فهم منطقي للواقع، فحتى لو حاول المرء أن ينقاد وراء روّادها في منظورهم لما هو «واقعي»، فهي تفشل في تفسير الماضي والحاضر الإجرامي للنظام الأسدي مع الفلسطينيين في لبنان وسوريا، على سبيل المثال. لكن فشلها الأكبر يكمن في عجزها عن تفسير اندفاع نفس الأنظمة العربية المتحمسة لبناء تحالفات مع إسرائيل - ومع نتنياهو بالذات - نحو كسر عزلة النظام الأسدي الدبلوماسية، وحتى دعمه مالياً لولا أن عقوبات «قيصر» تقف عثرة في وجههم.

لا تكمن أهمية الموقف الثوري السوري المتضامن مع الفلسطينيين في أنه يقدم تحليلاً أكثر سداداً من القراءات السينيكية للواقع الجيوسياسي، بل بالذات لأنه يتمرد على معادلات الجيوسياسة المجرَّدة. لسنا ضد السينيكية لأنها غير دقيقة تحليلياً فحسب، بل أساساً لأنها غير صحيحة قيمياً: لا حيرة بين قاصِفِين ومقصوفين يقبعون تحت الأنقاض، وأي اعتبار من أي نوع يأتي بعد هذه اللا-حيرة. قد يتوفر مهرب لفظي في التركيز على نقد حماس وذمّ سلوكها - والنقد والذم مشروعان بلا شك - لكنه مهرب قصير المدى، يشبه تذاكي اعتذاريّي النظام الذين ليس بوسعهم تقديم موقف حاسم ضد الإجرام الأسدي، فيلجأون لذمّ الفصائل المناوئة له. ليس الأمر نُواساً بين متناقضَين صفريَّين، والمُعاش السوري يقدّم خبرة جبارة في تركيب المواقف «المعقّدة»، على فرض أن القضية الفلسطينية معقّدة أصلاً، وعلى فرض أن «السهولة» شرط واجب على أي قضيّة تتطلب التضامن.

صورة لذات متحررة

صور التضامن الثوري السوري مع فلسطين استُخدمت في نقاشات عديدة خلال الأيام الماضية، خصوصاً في الأوساط المتمسّكة بالإطار الرمزي لليسار ومناهضة الإمبريالية، للتدليل على زيف اتهامات «العمالة» التي كيلت بحق الثورة السورية باسم القضية الفلسطينية. وقد يكون لهذه السجالات أهمية في أوساط معينة، لكن الأهمية الأكبر لصور أعلام الثورة في قلب ساحات التضامن مع الفلسطينيين في عواصم ومدن الشتات المشترك ليست في ما يراه آخرون، فلسطينيون أو عرب أو غربيون أو غيرهم، بل في ما نراه نحن، السوريين الجذريين ضد النظام الأسدي، حين ننظر في مرآة مواقفنا. 

من الممكن للمُعاش السوري الفظيع، ممزوجاً بالإحساس بالخذلان وشرط الهزيمة المديد، أن يصير عامل انحباس في الذات وتقوقعاً على مظلوميتها، وعجزاً عن التماهي أو تفهّم الآخرين، واستنكاراً لأي تفاعل مع مصائب أخرى خارج إطار المقارنة الرابحة سلفاً. قد يحدث هذا الانحباس والتقوقع، بل إن حدوثه في ظرفنا الحالي مرجَّح في أوساط سورية متنوعة. قد يكون إحساساً عابراً لعلّ أغلبنا مرّ به في لحظة ما مع هذه القضية أو تلك (مع القضية الفلسطينية بالذات، كون الأقربين أولى بالمعروف)، أو قد يصير ضرباً من الأيديولوجيا السينيكية-النرجسية، تفسّر الذات والعالم وفق تفوُّق مظلوميتها، وتقود أصحابها لشرعنة مواقف من ضرب «الواقعية» المُشار إليه أعلاه. إن قدرة سوريات وسوريين كثر على تجاوز ذلك، وعلى جعْل مُعاشهم الرهيب طاقة تَماهٍ وتضامن، دون ترك «تعقيدات» من أي نوع تقف عثرة في وجه ذلك، هو دليل على نضج معرفي وسياسي يبشِّر بقدرة على إنتاج معانٍ سامية من معاناة فظيعة، وعلى صياغة خطاب وفاعلية سياسية منها.

ما زالت هذه الفاعلية موسمية ومحصورة في إطار ردّ الفعل، لكنها - وقد وُجدت - تدعو للعمل على لملمتها وبلورتها في ذات سورية متحررة، يصوغها جيل ما بعد ثورة 2011.