تمارين قبل لقاء المموّلين

 

ترك لنا الكاتب الألماني جورج بوشنر واحدة من أكثر المسرحيات أهمية وتأثيراً في تاريخ المسرح العالمي، وهي مسرحية موت دانتون (1835). اكتسبت هذه المسرحية أهميتها من استعادتها المواقف السياسية والإنسانية التي دافع عنها جورج دانتون، والتي تجسدت بمحاولته لوقف إرهاب الثورة الفرنسية 1789 ضد الملكيين، ووقف إرهاب الفضيلة باسم الدين والأخلاق، والدفاع عن حرية التعبير والحياة لجميع فئات الشعب. هذا الجدل حول حق الحرية والعدالة هو ما يُضفي روح المعاصرة على مسرحية موت دانتون، والتي تناقش قضايا قد تتقاطع في جوهرها مع قضايا سياسية نخوضها اليوم. وربما هذا ما دفع المخرج المسرحي إياس (يلعب دوره كنان حميدان)، أن يعيد تقديم هذه المسرحية على المسرح الألماني مع فرقته المكونة من الدراماتورج رهف (تلعب دورها أمل عمران) والممثلين ستيف (محمد ديبو) ورضا (محمد آل رشي).

تتعثر خطة المخرج إياس بسبب صعوبات وعقبات مهنية وشخصية واجهت الفرقة المسرحية، ويتحول العرض من عرض لمسرحية موت داونتون إلى عرض عن صناعة المسرح، وعما يحدث في البْروڤات من حساسيات بين أعضاء الفرقة، والهموم الشخصية والمخاوف الذاتية للأعضاء، بالإضافة إلى الأسئلة الجوهرية التي تُطرَح أثناء البْروڤات، ومصدرها الأساسي تعقيدات العمل المسرحي بالنسبة لفرقة مسرحية سورية تحاول إنتاج عرض في ألمانيا.

عودة دانتون من كتابة الكاتب المسرحي مضر الحجي، وإخراج عمر العريان، وإنتاج «تجمع مقلوبة»، الذي يضم مجموعة من صانعي وصانعات مسرح من سوريا، ويقدم أعمالاً مسرحية باللغة العربية، تناقش القضايا السياسية والاجتماعية التي يواجهها المجتمع السوري المهاجر بعد الثورات والتحولات السياسية.

يشتبك عرض عودة دانتون فعلاً مع الجدل القائم حول الحريات والحقوق الإنسانية في السياق السوري، وذلك من خلال استعادة مقاطع من مسرحية موت دانتون، يؤديها ستيف الذي يلعب دور دانتون، ورضا الذي يلعب دور روبسبيير. جوهر الخلاف بين قائدي الثورة الفرنسية داونتون وروبسبير أن الأخير يرى «سلاح الثورة هو الرعب، وقوة الجمهورية هي الفضيلة»، أما بالنسبة لدانتون فحكم الفضيلة باطل ومزيف وضد الطبيعة الإنسانية والحرية البشرية، والفضيلة لا تعطي أحداً الحق بأن يحبس الآخرين في القبور أو يصبح «شرطي السماء». بيد أن الخلاف حول الحريات والمواقف السياسية لا ينحصر ضمن المقاطع المأخوذة من موت دانتون فحسب، فالعرض يقدم مستوى آخر وهو البْروڤات المسرحية التي يتدرب فيها الممثلان. تعرض لنا البْروڤات المسرحية مشاهد من مسرحية أخرى؛ مسرحية عن تفاصيل الحياة اليومية لأعضاء الفرقة: رضا وستيف ورهف وإياس، الذين يحلمون بصناعة المسرح وممارسة المهنة، بالرغم من الصعوبات المعيشية والشخصية والسياسية التي يضطرون لمواجهتها يومياً.

تساعد بنية «المسرح داخل مسرح» في تقديم مقطع عرضي يشرّح تعقيدات العمل المسرحي بالنسبة للمهاجرين واللاجئين في دول اللجوء، وما معنى أن تصنع مسرحاً في دول جديدة، وأمام جمهور جديد لا تتشارك معه السياق الاجتماعي والسياسي. يواجه أعضاء الفرقة أسئلة في صميم العمل المسرحي، سواء تلك التي ترتبط بالهموم السياسية والاجتماعية التي يحملونها من بلدانهم، أو المشاكل الخاصة التي سببها انتقالهم إلى مكان وسياق مختلفين، أو تلك التي ترتبط مباشرةً بصيرورة العمل و الخيارات والحلول الفنية والتقنية. بالنسبة للمخرج إياس، جميع المشاكل يمكن حلّها من خلال خطة عمل مكثفة وصارمة ينصاع لها جميع أعضاء الفرقة، ريثما يتم الحصول على التمويل، ليتضح فيما بعد أن مشكلة التمويل ليست العقبة الوحيدة، فهناك مشاكل أخرى تتعلق بإدارة الفرقة وآلية صنع القرار بين أعضائها، بالإضافة لتجاهل الحساسيات جندرية والمهنية بين المخرج إياس والدراماتورج رهف، والأهم من ذلك أن جميع أعضاء الفرقة، من يُتوقَّع منهم القيام بعملهم، ليسوا بخير. منهم من تخلى لسنوات عن مهنة التمثيل، ومنهم من قد تدفعه الحاجة المادية للمساومة على مبادئ سياسية وأخلاقية، ومنهم من يفقد تدريجياً أحلامه بصناعة المسرح مجدداً. 

هذه العقبات جميعها لم تعد خلف الكواليس في عرض عودة دانتون، وليست حبيسة البْروڤات بعد الآن، بل هي مكوّن أساسي من صناعة هذه المسرحية، ولم يعد بالإمكان تجاهلها، ولا تجاهل الجذر السياسي والاجتماعي الذي تنبع منه، وبسببها ينشطر صنّاع وصانعات المسرح إلى نصفين، الأول على الخشبة وأمام الجمهور، يدّعي التماسك والصلابة؛ في حين أن النصف الآخر يحارب أسئلته ووحدته وهمومه في الأحاديث الخاصة والبْروڤات المتشنجة.

أما العقبة الأخطر، والتي تهدد خطة إياس لإنجاح البْروڤات، هي سؤال بسيط تطرحه الدراماتورج رهف في مفاصل عدة من المسرحية، و يتلخص بكلمة «لماذا». لماذا نقدم موت دانتون الآن؟ الجواب الأول الذي يتبادر إلى أذهاننا هو التشابه بين صراع الحريات مع السلطات الدينية في المسرحية والسياق الراهن، لكن هذا الجواب غير كافٍ وغير مقنع بالنسبة للدراماتورج، التي تلعب دور البوصلة في هذه الفرقة، وهي من تحاول تسوية الخلافات، وإيجاد الحلول والبحث عن أجوبة منطقية متسقة إلى حد ما.

تكشف أسئلة الدراماتورج رهف وملاحظاتها الملحّة عن سبب رغبة إياس بالعودة للإرث المسرحي الألماني، وتحاول أن تستخرج منه جواباً صريحاً وواضحاً، ليتضح تدريجياً السبب وراء هذا الخيار الفني، وهو تقديم عرض جذّاب للممولين والمخرجين، بغض النظر عما إذا كان هذا الخيار الفني يعبر فعلاً عن رغبة أعضاء الفرقة. سؤال لماذا نعود لدانتون من أجل أن نحكي قصتنا، ما الذي يريده الممول منّا، ولماذا يجب أن نستجيب، ولماذا وُزِّعت الأدوار بهذا الشكل، ولماذا نقدم مسرح بلغة لا يفهمها غالبية الجمهور الألماني… كل هذه الأسئلة تسائل صلاحية الخيار الفني لإياس، وتضعه بمواجهة حرجة مع مخاوفه التي تتجسّد في مشهد متقن كتابةً وإخراجاً وأداءً، وهو مشهد حوار المخرج إياس مع المقصلة؛ المقصلة التي تحمل معاني رمزية مكثفة، تعبر عن مخاوف إياس وما يهدد عمله وأحلامه وصحته النفسية. من الممكن لهذه المقصلة أن تكون الممول أو الدراماتورج، أو ببساطة واحدة من الكوابيس التي تطارد المخرج، وتطارد ادعاءاته بامتلاك مقولة سياسية أو يقين من نتائج الخطة، في حين أنه فقد الثقة كلياً بما يفعل؛ فقد الثقة بالمقولة السياسية وجدواها، وهو أكثر هشاشة مما يتوقع الجمهور.

تُعرض مسرحية عودة دانتون افتراضياً في إطار مهرجان شباك 2021 بنسخته الافتراضية، وهي متاحة حتى يوم 17 من الشهر الحالي. وبالرغم من أن الشاشة تفصل بيننا وبين الخشبة، لكن أسئلة صناعة المسرح بين أعضاء الفرقة، وأجواء البْروڤات الحاضرة في كل تفاصيل العرض، تساعدنا في استعادة الإحساس بالمسرح من خلال مشاركة أعضاء الفرقة لحظات الغضب والتشنج، وكذلك لحظات الرقص والتدخين، ومن خلال دعوتنا للتفرج على تفاصيل حياة وعمل أعضاء فرقة مسرحية مهاجرة في مرحلة البْروڤات، ومشاركتهم الشك والتوتر تجاه جدوى ما ينوون فعله وتقديمه على الخشبة وللجمهور.