تنظيم الدولة: محاولات التمدد بعد الانحسار

 

منذ بداية 2018، بدا أن القوى الدولية قد توافقت على أن يكون هذا العام هو عام نهاية تنظيم داعش في سوريا، إذ أعلن حلف نظام الأسد وروسيا وإيران نصره عليه مبكراً، مؤكداً أن القضاء على جيوبه الأخيرة مسألة وقت، فيما أعلن الأمريكيون أن التنظيم في مراحله الأخيرة، ونفذوا العملية تلو الأخرى للقضاء عليه في شمال الفرات. لكن التنظيم لا يزال ينفذ العمليات في الشرق السوري والبادية، ويبدو أن لديه استراتيجية بقاء طويلة الأمد.

بعد أشهر من العمليات العسكرية من قبل قسد المدعومة من التحالف في شمال شرق سوريا على ضفة الفرات الشمالية من الرقة إلى دير الزور، وعمليات نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين في البادية وعلى الضفة الجنوبية للفرات، تقوقع التنظيم في أربعة مناطق جغرافية محدودة في الشرق السوري والبادية تتوزع كما يلي:

- شمال نهر الفرات في ريف دير الزور الشرقي، وعلى مساحة تمتد على 600 كم مربع، من أطراف مدينة هجين حتى قرية الباغوز على الحدود العراقية السورية، حيث تدور الآن اشتباكات بين التنظيم وقسد بدعم من طيران التحالف والجيش العراقي.

- في ريف الحسكة الجنوبي والجنوبي الشرقي قرب الحدود العراقية، في محيط قرى الدشيشة وتويمين وتل الشاير، حيث أطلقت قسد أيضاً مؤخراً عملية عسكرية للسيطرة عليها بدعم من طيران ومدفعية التحالف والجيش العراقي، تسببت بعدد من المجازر بحق المدنيين هناك.

- البادية السورية جنوب نهر الفرات وصولاً إلى الحدود العراقية السورية، وخاصة جيوب التنظيم في المحطة الثانية وقرية حميمة ومحيطهما، التي يشن التنظيم انطلاقاً منها هجمات متفرقة على مواقع سيطرة النظام والمليشيات الإيرانية.

- بادية السويداء، التي كانت يتمركز في مناطقها الوعرة عددٌ من عناصر التنظيم، انضمّ إليهم العناصر الذين خرجوا من أحياء دمشق الجنوبية بعد الاتفاق مع نظام الأسد على خروجهم الى البادية، لتبدأ بعد ذلك معارك بينهم وبين قوات النظام خلال الأيام الأخيرة.

بالإضافة إلى هذه المناطق، يسيطر داعش على مناطق في حوض اليرموك جنوب غرب محافظة درعا، كما أنه أعلن مؤخراً عبر اغتيالات وإعدامات قام بتنفيذها عن تواجد خلايا نشطة له في ريف إدلب. وإذا كان تواجد التنظيم في درعا وإدلب يخضع لاعتبارات مختلفة عن تواجده في الشرق السوري، فإن هذا كله يشير إلى أن إغلاق ملف داعش في سوريا قد لا يكون وشيكاً كما حاولت القوى الدولية وحلفاؤها المحليون الإيحاء.

الاستراتيجية الأخيرة التي يتبعها التنظيم في الشرق السوري، والتي بدت واضحة من خلال عملياته الأخيرة، تتمثل في محاولته السيطرة على مدينة البوكمال على الحدود العراقية السورية، وجعلها مقراً أساسياً له، ومن ثم الانطلاق بهجمات لتوسيع مناطق سيطرته مجدداً.

ينطلق التنظيم من مواقعه المحيطة بمدينة البوكمال ويحاول حصارها ثم إسقاطها، وهذا بدا واضحاً في الهجوم الذي شنّه التنظيم مطلع حزيران الجاري بشكل مباغت على القرى الواقعة غرب مدينة البوكمال وعلى مسافة 25 كم على الخط الممتد من قرية الغبرة مروراً بالسيال وحسرات والرمادي والجلاء والمجاودة وصولاً إلى الصالحية، موقعاً خسائر كبيرة في صفوف قوات النظام والمليشيات الإيرانية.

الهدف من هذا الهجوم الذي انطلق من قواعد التنظيم في البادية جنوب نهر الفرات كان حصار مدينة البوكمال من الجهة الغربية وقطع طرق الإمداد القادمة من مدينة دير الزور ومطارها العسكري عنها، وكذلك الوصول إلى نهر الفرات وبالتالي وصل مناطق سيطرته على ضفتي النهر. كما أن التنظيم وسّعَ هجومه لقطع طرق الإمداد في مناطق متقدمة، حيث هاجم مواقع النظام بالقرب من مدينة موحسن (20 كم شرق ديرا لزور) لتخفيف الضغط عن قواته في البادية.

نجح التنظيم في الرابع من حزيران بالوصول إلى ضفة نهر الفرات الجنوبية في قرية حسرات بعد سيطرته عليها، وبالتالي وصل مناطق سيطرته في مدينة الشعفة وهجين شمال النهر مع عناصره جنوب النهر، وفتح ممر مائي بينها، فيما تشهد منطقة هذا المعبر معارك كر وفرّ تجعل سيطرة التنظيم فيها غير مستقرة.

يبدو واضحاً أن التنظيم يسعى إلى بقاء طويل الأمد جنوب نهر الفرات وفي البادية السورية، ويرتبط ذلك بعد عوامل أبرزها جغرافية المنطقة، إذ على عكس طبيعة المدن والقرى المكتظة شمال النهر، التي تعيق تنقل عناصره وتسمح لقسد والتحالف بملاحقتهم، تتمتع الجهة المقابلة بمساحات شاسعة ومناطق جبلية وهضاب تسهّل حركة العناصر واختباءهم ونقل عتادهم، كذلك فإن نظام الأسد وحلفاءه يجدون صعوبة بالغة في إحكام السيطرة على تلك المساحة الواسعة، في ظلّ النقص العددي في صفوفهم، وعدم الجدية الروسية في المساهمة بالجهد العسكري في مناطق الريف الشرقي والبادية السورية.

جميع هذه الظروف تجعل من بقاء التنظيم في جنوب النهر أسهل من بقائه في شماله، في الوقت الذي يبدو واضحاً أن الأميركيين وحلفاءهم شمال النهر يغضون الطرف عن عمليات عبور عناصر التنظيم إلى الجهة المقابلة حيث يسيطر النظام وداعموه، ويعمدون إلى حصارهم والضغط عليهم لدفعهم إلى عبور النهر، وبالتالي استخدامهم بصورة غير مباشرة للضغط على الإيرانيين، وضمان عدم استقرار طويل الأمد لهم في المنطقة.

يهاجم التنظيم مدينة البوكمال بشكل متكرر خلال الأيام الماضية من محورين؛ الأول من مناطق تواجده شمال شرق نهر الفرات في قرى الباغوز والسوسة، محاولاً عبور النهر إلى المدينة. والمحور الثاني من البادية السورية جنوب المدينة، حيث سيطر التنظيم على عدد من النقاط، التي استعادها النظام لاحقاً، ولا تزال المعارك فيها وفي محيطها مستمرة.

أيضاً هاجم عناصر التنظيم قرى الحمدان والسكرية على حدود مدينة البوكمال الغربية بهدف عزلها، ويستمرون في هجمات متفرقة في أنحاء البادية من أجل تخفيف الضغط عن عناصرهم في محيط مدينة البوكمال، ومن بينها الهجمات التي شنَّها التنظيم مؤخراً في بادية السويداء، والتي أدّت إلى مقتل عدد من عناصر النظام.

يعتمد نجاح استراتيجية التنظيم في السيطرة على مدينة البوكمال على أمرين هامين، الأول قدرته على الصمود من خلال عدد مقاتليه وعتادهم ودعمهم اللوجستي، وهو ما يبدو حتى الآن أن التنظيم قد استعد له بشكل جيد. والثاني مشاركة الجيش العراقي على الطرف الآخر من الحدود، وتقديمه الدعم لعناصر جيش النظام، بالإضافة إلى مدى جدية الدعم الروسي وفاعليته.

الأيام القادمة ستحدد شكل المواجهات ومآلاتها، وفي حال استمرار مسار المعارك على ما هو عليه، فإن الأرجح هو انتقال عناصر التنظيم بشكل كامل إلى الضفة الجنوبية، وبالتالي سيطرة قسد والتحالف على منطقة الجزيرة بشكل كامل، وهو ما سيعني في حال حدوثه بداية مرحلة جديدة من الصراع في الشرق السوري.