ثلاثة مستويات للنظر في مستقبل إدلب

 

يضع الحديث عن مصير إدلب والمناطق المحيطة بها أكثر من ثلاثة ملايين سوري على المحكّ، فالمنطقة تضم كل المُهجّرين الرافضين لإجراء أي تسوية مع النظام السوري، بالإضافة إلى أهالي المنطقة الذين يتخوفون من الأعمال الانتقامية التي ينفذها النظام في كل المناطق التي يحتلها من جديد. ولم تساهم التحركات الدبلوماسية الدولية والإقليمية بإزاحة ولو جزء من هذه الضغوط التي تقع أساساً على كاهل هؤلاء السوريين، وذلك نتيجة الطبيعة القلقة للاتفاقات في سوريا، فحتى الدول الكبرى كالولايات المتحدة لم تقم بحفظ الخطوط الحمراء التي رسمتها، كما جرى مؤخراً في جنوب سوريا.

إذن ما الذي يمنع من أن يكون مصير إدلب مماثلاً؟ في الحقيقة، الإجابة على هذا السؤال ليست ببساطة أن نقول إنه من الممكن أن يكون هذا السيناريو منتظراً أو حتى مُرجّحاً.

حتى اللحظة هناك عدة مستويات للنظر إلى الوضع في إدلب؛ المستوى الأول إقليميٌ يرى في إدلب القطعة الأخيرة التي تقع تحت سيطرة فصائل سورية معارضة بشكل مباشر ودون وصاية أجنبية مباشرة، كما أن هذه المنطقة، التي تسيطر على أجزاء واسعة منها هيئة تحرير الشام، وهي التشكيل الجهادي الأخير الذي أظهر تماسكاً حتى اللحظة، تقع على الطريق الدولي الممتد من تركيا حتى الأردن، والذي وإن كان يرتبط بتحويلات أخرى لا تمرّ من المنطقة مثل أوتوستراد السعن جنوب حلب، إلا أن السيطرة عليه تتجاوز الهدف الاقتصادي بوصفها مؤشراً على مدى إمساك موسكو بالأوضاع في سوريا. على أرض الواقع قد تكون أنقرة هي المستفيد الأكبر اقتصادياً من عودة هذا الطريق، الذي سيسهّل ويختصر حركة التجارة بينها وبين دول الخليج وعموم الشرق الأوسط.

المستوى الثاني الواجب النظر إليه لاستقراء الوضع في إدلب هو العلاقة بين التشكيلات المحلية والكبرى في المنطقة، فعلى الرغم من إعلان كبرى التشكيلات التي تضم الجبهة الوطنية للتحرير (تضم عدة تشكيلات كبيرة كفيلق الشام وجيش النصر وجيش إدلب الحر وعدد من الفصائل المحلية) وجبهة تحرير سوريا (تضم حركة أحرار الشام وحركة نور الدين الزنكي وعدد من الفصائل) بالإضافة إلى ألوية صقور الشام، توحدها تحت مسمى الجبهة الوطنية للتحرير بعد ضغوط تركية، إلا أن هذا التشكيل لا يملك في الحقيقة مقومات بناء قوة صلبة قادرة على مواجهة التطورات الأخيرة بشكل فعّال حتى اللحظة، كما أنه ظهر إلى الوجود بعد ضغط تركي وفشل في مفاوضات تشكيله لعدة أيام، فضلاً عن أن الفاعلية القتالية لعناصر هذه التشكيلات قد تكون أقل بكثير من الأعداد المعلن عنها في الإعلام. بالمقابل، فإن هذا التشكيل الجديد لا يملك في الحقيقة مفاتيح مواجهة هيئة تحرير الشام، التي إن قررت عدم حلّ نفسها فإنها ستضع أنقرة أمام خيارين؛ المواجهة المباشرة معها عبر تشكيل الجبهة الوطنية للتحرير، أو الانسحاب من المنطقة وتسليمها للروس إذا ما استمرّ الضغط الروسي بالطريقة ذاتها التي رأيناها في اجتماعات سوتشي المستكملة لمسار أستانا، التي وإن لم تخرج بتصريحات واضحة عن قرار موسكو حول إدلب سواء كان عسكرياً أو سياسياً، إلا أن التلميحات حول إعطاء مهلة لتركيا للتصرف، سترفع من شدة الضغوط على المنطقة التي تدفع تعقيدات علاقات فصائلها الداخلية الوضع فيها إلى نقطة حرجة جداً.

المستوى الأخير لهذه المعادلة القاتلة المحيطة بإدلب، يقع في المجال الدولي، الذي يلعب في هوامش صغيرة جداً على غير العادة، فعلى الرغم من التهديد المحتمل الذي تحمله بذور الصدام في إدلب على وضع الاتحاد الأوروبي، لم نشهد تحركات فعلية من الدول الفاعلة في الاتحاد كفرنسا وألمانيا للحدّ من التهديدات الروسية، فعملية عسكرية روسيّة على إدلب ستدفع بمئات الآلاف من المدنيين إلى الحدود مع تركيا، ذلك لأن الذين هُجّروا من مناطقهم لتجنب العيش بموجب تسوية مع النظام لن يرضوا بها في إدلب، وهذا الرقم يشمل مئات الآلاف، ذلك دون الحديث عن السكان الأصليين لمحافظة إدلب، الذين دخلوا في صدام حدّي مع النظام يجعل من تفضيلهم للعيش ضمن تسوية معه أمراً غير متوقع على الأقل بالنسبة لكتلة وازنة منهم.

نتيجةُ ذلك ستكون عبور اللاجئين للحدود مع تركيا، ومن ثم نحو الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيحمل نتائج خطيرة على الاتحاد نفسه، وخاصة بعد تصاعد شعبية الأحزاب اليمينية خلال الفترة الماضية. وعلى الرغم من هذه الاحتمالات، لا يبدو أن الأوربيين معنيون حقاً بتحقيق أي استقرار شمال غرب سوريا، بل على العكس من ذلك فإن المساعدات الفرنسية التي أُرسلت عبر موسكو إلى الغوطة، ظهرت وكأنها مكافئة لنظام بشار الأسد على احتلاله درعا من جديد.

تجميع هذه المستويات الثلاثة قد يعطي مؤشراً على مستقبل إدلب، وعلى الرغم من عدم وجود أدلة قطعية تقود إلى ترجيح أحد الاحتمالات، إلا أن استمرار التراجع الدولي وعدم حلّ الخلافات الداخلية ضمن إدلب، قد يدفع إلى خيار عسكري ربما يكون أكبر من مجرد سيطرة جزئية على مدن ومناطق كسهل الغاب وجسر الشغور وجبل التركمان.