ثلاثية روي أندرسون: صرخة هادئة في وجه الحضارة

 

غاب المخرج السويدي روي أندرسون عن شاشات السينما لمدة ربع قرن، ليعود مع مطلع القرن في أول جزء من ثلاثية ساخرة متهكمة، وضعت الوجود الإنساني تحت سطوة الكوميديا السوداء، وجعلت من عيوبه ثيمات مشتركة بين أجزاء ثلاثيةٍ غير مترابطة، ثلاثية بعنوان «أن تكون إنساناً».

قدّمَ أندرسون على مدى أربعة عشر عاماً ثلاثية بدأت عام 2000 مع فيلم «أغنيات من الطابق الثاني»، ثم فيلم «أنت أيها العيش» في عام 2007، وانتهت عام 2014 مع فيلم «حمامة وقفت على الغصن تتأملُ الوجود»، ليجذب بذلك أنظار نقاد ومحبي السينما، وخصوصاً بعد قطيعة طويلة مع السينما جاءت في أعقاب فشل فيلمه «Giliap» عام 1975، والنقد اللاذع الذي تلقاه بسببه.

كانت بوادر نهاية انقطاعه عن العمل السينمائي قد جاءت عام 1992 مع إنجازه فيلماً قصيراً مدته سبع دقائق بعنوان «world of glory»، كان أشبه باستهلال للسينما التي سيقدمها لاحقاً في ثلاثيته، وقدّمَ فيه نقداً لاذعاً للوجود البشري والمجتمعات المعاصرة، وبالتحديد مجتمعات دول العالم الأول، خالقاً أسئلة متعددة لدى المشاهد.

ما يتلقاه المشاهد في سينما أندرسون ليس قصة محبوكة، وليس شخصيات تملك خصوصية في ملامحها، ولا حتى صراعاً ملموساً واضح الجوانب، بل يجد المتلقي نفسه أمام سينما مغايرة ذهنياً تماماً، تعرض اسكيتشات أقرب للتجريد، سواء عن طريق المشهد والصورة أو عن طريق النص. هذه المقاطع المنفصلة تتوحد في جملة من التساؤلات حول إشكالية «أن تكون إنساناً»، كما يراها أندرسون.

يسلّطُ أندرسون الضوء على إشكاليات إنسانية، تحتَ عنوانٍ فج وتهكمي في آن معاً، أن تتواجد كإنسان، وأن تتعامل مع هذه الكينونة التي خُلِقتَ على شاكلتها بِلا قرار أو إرادة. يطرحُ روي إشكاليات الإنسانية المتعددة بشكل ثانوي أمامَ المشكلة الأساسية، وهي التواجد بحد ذاته، التواجد كإنسان ضعيف يحكمه هاجس الموت الملازم له، التواجد في المجتمعات المعاصرة حيث فقدان القيمة والانتماء وسيطرة اللامبالاة وقتل وسائل التواصل الإنساني وأهمها الحوار، هذا التواجد الركيك كما يعرضه روي، هو منبعٌ للسخرية من الوجود والقدر، والإنسان بينهما.

يحاكي روي هشاشة مجتمعات الوفرة الكاملة، المجتمعات التي تحكمها قواعد الجشع والسلطة والتوسع والمنافسة، ويعرض أناساً مهزومين أمام الحياة مهما كانت صفتهم وموقعهم الاجتماعي، يعرض الإذلال والاحتقار والعنف، ويتلمّس الوحدة والعزلة والتفكك. يحكي روي قصة الإنسانية في أوج تطورها، وقد تحولت إلى وحش يلتهم نفسه منهزماً.

إنسان أندرسون

لا شيء أشق وأصعب من أن تكون إنساناً، وهذا الحمل الصعب هو ما تجسده شخصيات الثلاثية، وهي شخصيات كبيرة العدد غير واضحة المعالم تعكس الطبيعة الاكتئابية للإنسان المعاصر. بملامح شاحبة وحركات بطيئة والقليل من الكلام، تشكّلُ هذه الشخصيات صورة قاتمة وسوداوية عن لا جدوى الحياة.

شخصيات الثلاثية تسوقها الحاجة والغريزة، خالية من الإحساس، تعيش في عالم لا روحاني ابتعد أفراده عن الطبيعة، حتى باتوا يشبهون قطع الأثاث والآلات. يعيشون في عزلة مفرطة، ورغم الحاجة الملحة للتواصل، إلا أن هواجس ومخاوف وأولويات الحياة المادية تخفي تلك الحاجة.

تحتاج الشخصيات للقيام بفعل، فكلُّها شخصيات غير فاعلة، والحوار شكل من أشكال الفعل، وهي تتوق له، لكنها لا تستطيع ممارسته لأنها منغلقة على نفسها ولا تسمع. شخصيات غير حالمة، فاقدةٌ الشغف والدهشة، محكومةٌ بمسلمات حديثة من صناعة بشرية، كقواعد السلطة والتقسيمات الاجتماعية والحكم الجمعي.

فقدان الشغف والإحساس وموت التواصل الإنساني، أمورٌ تجعل من شخصيات أندرسون أشبه بجثث حية تترقب موتها الجسدي، أجسادٌ فارغة تمارس ما تبقى من القسوة لديها بحق الآخر، أجسادٌ كهلة حتى وإن كانت في عمر الشباب.

علاقة أنا والآخر لدى أندرسون يشوبها الإنكار والنفور والهجر، العلاقة بين الأفراد في أبسط أشكالها، العلاقة الحوارية، هي علاقة نفعية قائمة على تلبية رغبة الكلام والسمع، وحتى هذه العلاقة الحوارية تترفّع عنها شخصياته، لنصبح في عالم مات فيه الحوار الذي يخلق الإحساس بالأمان، عالم يشوبه القلق.

يكرر روي أندرسون في ثلاثيته عدداً من الجمل التهكمية، الجمل العفوية والكليشيهات التقليدية التي تُسمع غالباً، ففي «أغنيات من الطابق الثاني» تتكرر جملة «هل تسمعني»، بينما لا أحد يسمع سوى نفسه، وسط علاقات تحكمها السلطة، في مجتمع يقود شاباً حاول أن يصبح شاعراً إلى مشفى الأمراض العقلية. بينما في فيلم «أنت أيها العيش» تتكرر عبارة «ما العمل؟»، والكل غارقٌ في أحلامه وكوابيسه دون عمل، ينتظر حكم المجتمع. أما في «حمامة وقفت على غصن تتأمل الوجود»، فإن التهكم أشد قسوة، إذ يطرح أندرسون علاقة صداقة بين زميلي عمل يرددان دوماً «أنا سعيد لسماعي أنك بخير اليوم»، بينما في الواقع يكون المُشاهد أمام رجلين أربعينين يقومان ببيع ألعاب ترفيه، ويقطنان سكناً مشتركاً في غرف يضبط نظامها موظفٌ يحدد مواعيد النوم والاستيقاظ.

عالم روي

الحياة كما يرويها روي هي حياة في حالة خمول، عالمٌ فقد الدهشة، وفقد الإيمان سواء كان الإيمان الروحاني أو التمسك بأي مذهب أو توجه، حياة راكدة خالية من أزمات كبرى وصراعات، المجتمع يتغنى بأمجاد وهزائم الماضي ويعيش التطور البشري متجاوزاً قضايا شغلته وتشغل العالم حتى اليوم، كالعبودية وحقوق الإنسان والحيوان، أو القضايا السياسية الكبرى أو الإشكاليات الأخلاقية وغيرها من القضايا التي تثير الصراعات في العالم الثالث. عالمٌ يكتفي فيه المرء بذاته وحدود هذه الذات، وفيما تُتركُ الصراعات لرجالها الغريبين، أصحاب السلطة المغيبين عن المجتمع الواقعي.

تختفي في مجتمع أندرسون الصراعات بين التوجهات المختلفة لعدم وجودها، فالحياة آلية وميكانيكية، يستطيع المرء العيش بأقصى حدود حريته التي ستقود للجنون كما الشاعر في الجزء الثاني من الثلاثية، الشاعر الشاب الذي يلقي قصائد لسيزار فايخوو، ويقرأ أبياتاً لغوته، كانت بمثابة الصرخة الفجة التي وضعها أندرسون لتمثّل صدمة الحضارة.

إنسان العالم المعاصر عالقٌ في عالم يحكمه الموت، لا وجود للماورائيات فيه، مات الإله وغرق الناس في عدمية سوداء، هاجس الموت يحيط بهم من كل الجوانب ليخلق اللامبالاة التي تثقل كاهل الحياة، هذا الهاجس هو مصدر سخرية القدر وضعف الإنسان، الذي يستخدمهما أندرسون كمنبع للاستهزاء بالإنسان المهزوم أمام الواقع، في ثلاثة مشاهد مضحكة عن الموت يفتتح بها الجزء الأخير من ثلاثيته، ثلاثة مشاهد تصور وجود الانسان الآني والمؤقت، واستمرارية الحياة لمن يستطيع اقتناص الفرص. رجلٌ يفتح زجاجة نبيذ فتصيبه ذبحة قلبية ويسقط ميتاً قبل العشاء؛ امرأة على افراش الموت تتشبث بحقيبة تحوي كل ما تملك من مال ومجوهرات يحاول أبنائها انتزاعها منها ولكنها ترفض وتوصي بأن تُدفن معها؛ رجلٌ يسقط ميتاً في مطعم بعد أن طلب وجبته، فيدور حوار حول من يريد أن يأخذ الوجبة المجانية.

هذا هو الموت، بهذه البساطة يفقد الإنسان حياته، ولكن شخوص أندرسون الحيّة ضمن هاجس لحظة موتها ميتةٌ أكثر من هؤلاء. في المشهد الأول من فيلمه الأخير، يقف رجل سمين في متحف للشمع والتحنيط أمام مجسم لطائر على غصن، يقف بصمت متأملاً، ثم يطول المشهد ليخلق تساؤلاً: من يراقب من؟

أندرسون المخرج

امتاز روي أندرسون في ثلاثيته بأسلوب إخراجي مختلف عمّا قدمه سابقاً، فهو يصنع كوادره كلها بنفسه ويصمم تفاصيلها الدقيقة. أول ما يلفت الانتباه هو شحوب شخصياته وألوان مشاهده المتدرجة بين الأزرق والأخضر والرمادي، ألوان باردة مع شخصيات شبه مجمدة تعكس بيئة السويد، مع لقطات بعيدة وثابته وطويلة منتقاة من زاوية خاصة.

أغلب المشاهد عامة تصور المكان الذي يدور فيه الحدث، والشخصيات تتحرك ببطء وسطه. ويستلهم روي كثيراً من الفن التشكيلي، وخاصة في تصميمه للمقاهي والغرف التي تشبه إلى حد بعيد مقاهي الرسام إدوارد هيوبر، وطبيعة لوحات رينه مارغريت.

فهيوبر يصور في لوحاته الواقعية عزلةَ الفرد في المجتمعات الحديثة وسط الماديات المفرطة، ويركز فيها على المقاهي والشوارع والغرف الأشبه بعلب إسمنية. بينما رينيه مارغت، الفنان السوريالي، يستلهم منه أندرسون العديد من اللقطات، كالبيت الذي يسير كقطار والناس تقف مودعة إياه، وغزو الطائرات لسماء السويد.

بهذه اللقطات البعيدة والطويلة يترك روي مساحة للاهتمام والتأمل بكل شخصية على حدة، وترقب أي انفعال نفسي يعتري وجهها وأي كلمة تنطق بها، لكن شخوصه كما لو أنها ديكورات تتحرك ببطء متناغمة مع المكان، ومولدة وقتاً كافياً للمتفرج للتفكير في أسئلة أندرسون وما وراء المشهد.

بهذا الأسلوب المتفرد، يقدم الرسام السينمائي روي أندرسون فيلماً لا يورط المتفرج به، لا عن طريق حكاية ولا عن طريق إبهار بصري، بل يجعل المتفرج يحافظ على دوره كملتقٍ، ويتعامل بحيادية وتجرّد مع كل اسكيتش على حدة.

الموسيقى بدورها تشبع أسلوب روي بالتهكم، فهي استمرارية ساخرة للحياة، وهو يوظفها في لحظات يكاد فيها المتفرج أن يقع أسير اللقطة، فيعيده إلى تركيزه.

ثلاثية لنقد أوروبا الحديثة

يمكن أن يُعدَّ روي أندرسون من أهم الناقدين للحداثة وأقساهم، فهو من خلال أفلامه يعيد تشكيل ماضي هذه الحضارة بشكل تهكمي قاسٍ، ويظهر هذا بوضوح في تصويره لشخصية كارل تشارلز الثاني عشر، ملك السويد العبقري السياسي المهزوم على يد القيصر الروسي الأكبر. كارل هذا يعود مع جيشه وعتاده ليدخل مقهىً بسيطاً ويطرد ويعاقب الجالسين فيه قبل ذهابه لحرب بولتوفا، التي يعود منها منكسراً بعد أن خسر أكثر من نصف جيشه، لينتظر دوره على باب دورة المياه في المقهى نفسه.

بهذه المفارقة ينتقد أندرسون ارتباط السويديين بالماضي والتغني به وصولاً إلى حالة الخمول اليوم، إلى جانب تركيزه على جذور هذه الحضارة وانتهاكات الإنسانية جمعاء، التي تعيش اليوم أزمة وجودية، طارحاً هذه الأزمة من خلال تساؤل: كيف لإنسان استطاع إبادة عرق إنساني كامل أن يعيش في قلق من الموت؟ فيصور بعضاً من العجزة الأثرياء يصعدون الشرفة لتأمل جنود يرتدون زي المستعمرين الإنكليز، ويقومون بوضع بعض من الأفارقة في أسطوانة معدنية تحوي فتحات لخروج الصوت، ويتم إشعال النار تحتهم ليصدر صوتُ موسيقا بدلاً من الصراخ. هذه الطريقة في الإعدام كان قد اتبعها ملكٌ في جزيرة صقلية عام 500 ق.م.

يطعن روي مفاهيم الإنسانية والعدالة والمساواة بتهكمه القاسي على خوف البشرية من الموت وخمولها الممل، الضجر والملل هو الخطيئة الأولى، والإنسان غارق بها، هو كائن خامل لا يعمل، ينتظر شركات التأمين لتعويضه عن خسارات هو من يفتعلها، يشتكي من الوحدة وهو سببها، يتحدث ويأكل ويناقش وإلى جانبه قرد يتعذب ويُصعق بالكهرباء في مركز للبحوث العلمية.

يعيد أندرسون تكرار عدد من الطقوس القديمة، كمظاهرات تحوي على عملية جلد وتعذيب للنفس لطلب التحسينات الاقتصادية، وتقديم أضاحٍ كالطفلة الصغيرة التي أقنعها أصحاب رؤوس الأموال أنهم يدركون مصلحتها أكثر منها كونها صغيرة، ثم قدموها أضحية أمام رجال الدين والتلفاز. يوجه المخرج صفعة قاسية للإنسان، تدعوه إلى أن يتأمل ذاته، وهو يعبر عن حاجة الإنسان لهذا التأمل عبر مشهد يصوّرُ عرضاً لمواهب أطفال من ذويّ الاحتياجات الخاصة، تقوم فيه فتاةٌ لتلقي قصيدة تقول فيها: إن حمامة جلست على غصن تفكر... وتتأمل الحياة

مشاهدة فيلم لروي اندرسون تكاد تشبه تأملاً في رحلة دانتي للجحيم، وهو معجبٌ يستقي من عدة أدباء في أعماله، لكنه صرح عدة مرات عن مدة إعجابه برواية غريب لألبير كامو، ورغبته بصناعة ما يوازيها في السينما.

ربما لم يصنع غريباً جديدة، لكنه قدّم مجتمعاً كاملاً من الغرباء.

أندرسون وتحطيم أحلام العالم الثالث

في نظرة روي أندرسون التشاؤمية الناقدة لمجتمعات الوفرة الكاملة، تكاد تغدو صراعات وانتماءات مجتمعات العالم الثالث وحركتها المستمرة وفوضاها سبباً للحياة، ففي مجتمعات تجاوزت أنماط الصراعات الإنسانية وصراعات إثبات الهوية وغيرها، تغدو أسباب العيش ميكانيكية تخلق الضجر والسخط، إذ لا هدف ولا سبب لنشوب نزاع ولا مبرر لقيام علاقات إنسانية. العلاقات تقوم بتجرد على أسس غريزية ودوافع قائمة على المنفعة المتبادلة، ولكن لا حاجة للفعل في حياة يحكمها القدر، حتى الحوار يبدو فيها ميتاً، ومع انعدام الحوار تحيا الشخصيات في عالم من العزلة والترقب والخوف من الآخر، إذ ليس هناك لغة متبادلة لخلق مساحة من الأمان بين الشخصيات، وبانعدام العلاقات الإنسانية الكلاسيكية يحطّم أندرسون أساس المجتمعات البشرية، ويقدم نقداً سينمائياً عميقاً وهادئاً للمجتمعات المعاصرة، ربما يكون من أفضل ما تم تقديمه سينمائياً في هذا المجال.

قد يكون من الصعب تقبّلُ الصراع كما يقدمه أندرسون بالنسبة لمتلقٍ من العالم الثالث، فهو سيمرّ أمامه كأي صراع حياتي آخر، دون أن يشكل صفعة قاسية، بل إنه سيبدو صراعاً بسيطاً أمام أهمية الصراعات الحقيقية والواقعية التي يعيشها، وهذا بالضبط ما يسخر منه أندرسون، إذ هناك صراعاتٌ ومعارك حقيقية يخوضها أناسٌ دفاعاً عن حياة أفضل، وبالمقابل هناك أناسٌ أصابهم الخمولٌ واللامبالاة وفقدانُ الإحساس بالآخر، مات الإنسان في داخلهم فيما يجلسون خائفين من الموت.

يخوض كثيرون من سكان دول العالم الثالث صراعات سياسية وصراعات هوية وإيديولوجيا وانتماء، وثورات على أنظمة سياسية واقتصادية جائرة، تهدف للوصول إلى تحقيق أحلام الرخاء الاجتماعي، وأحلام حرية ممارسة المعتقدات والتفكير والتعبير. لكن أندرسون يبدو كما لو أنه يقوم بتقديم نتائج هذه الصراعات والمعارك، مُحطّماً هذا الأحلام، محاولاً القول إنه لا وجود للحرية في مجتمع لا تزال تسيطر عليه رؤوس الأموال، ويغيب فيه صراع المبادئ الذي يجعل الفرد يقوم بالحوار، فتنتفي فيه الحاجة إلى تبادل الأفكار والجدل.