ثلاث سنوات على التدخل الروسي: انتصارات مثقلة بالاستفهامات

 

تغيرت أشياء كثيرة في سوريا منذ أعلنت موسكو عن بدء تدخلها العسكري المباشر خريف العام 2015، لعلّ أبرزها التحول الكبير في خارطة السيطرة العسكرية في البلاد، لكن الاقتصار على النظر في توزع القوى المسيطرة ومساحات سيطرتها قد يكون مخادعاً، لأنه كلما حققت موسكو انتصاراً عسكرياً على المعارضة السورية، كانت تغرق أكثر في الارتباط بعلاقات مع أطراف متناقضة ومتصارعة، الأمر الذي جعلها أخيراً تقف على حد فاصل لصراع قد يكون الأكبر في المنطقة منذ سنوات.

منذ بدء عمليات القصف التي شنها الطيران الروسي، والتي ساعدت قوات النظام والميليشيات الإيرانية التي تقاتل إلى جانبها في السيطرة على عدد كبير من المناطق، واجهت روسيا خيارات صعبة بخصوص مدى وجودها العسكري في سوريا. لكن هذا السؤال الذي بدا أنه يتراجع منذ تسجيل انتصارات كبيرة كتلك التي حصلت عند سيطرة النظام على الأحياء الشرقية في حلب نهاية العام 2016، حلّ محله سؤال عن قدرة موسكو على ضبط إيقاع حلفائها الجدد والقدامى في سوريا، بعد الإعلان عن مسار أستانا الذي أصبح لاحقاً أداة رئيسية بيد موسكو لإنتاج بدائل سياسية عن مسار جنيف الذي ترعاه الأمم المتحدة، والذي لم يكن واعداً في ظل إصرار موسكو على الإبقاء على بشار الأسد.

وطوال ذلك الوقت، وجدت موسكو في تراجع واشنطن عن دورها في المنطقة فرصة لتبرز، لا كقوة عظمى كما يمكن للبعض أن يتخيّل، بل كوكيل إقليمي يدير ملف سوريا، برضى واشنطن. وعلى الرغم من عدم وجود فيتو أمريكي على هذا الدور، لا في ذاك الوقت ولا اليوم، لا يبدو أن موسكو استطاعت الوصول إلى معادلة تحقق فيها التوازن بين طموحها للعب دور من هذا النوع في سوريا، وبين تحالفها مع إيران، التي عادت لتصبح الهاجس الأبرز للإدارة الأمريكية خلال العام الحالي.

كذلك، لم تستطع روسيا تحقيق أي نجاح على صعيد عودة اللاجئين، حتى بالنسبة لأولئك الموجودين في لبنان، البلد الذي يسيطر عليه حزب الله، ذراع طهران الرئيسي، ما يجعل من قدرتها على لعب هذه الورقة أمام الغرب وخاصة أوروبا أمراً مستبعداً، ذلك فيما عدا تهديدها بتأزيم الأوضاع الإنسانية في سوريا إلى مستويات كارثية جديدة تدفع بموجات أخرى من اللاجئين.

ويبدو واضحاً الارتباط بين فشل الخطط الروسية المقترحة للبدء بإعادة اللاجئين، وبين أسلوب العمل في المناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها بدعم روسي، إذ لم يؤدِ وجود روسيا المباشر عبر شرطتها العسكرية في تلك المناطق إلى احترام الضمانات التي وعدت موسكو بها بخصوص السكان والمقاتلين والناشطين الذي فضلوا البقاء في مناطقهم بدل التهجير إلى الشمال السوري، بل طالت الاعتقالات المئات، وتعرض السكان لمعاملة إذلالية، ولم يتم البدء بأي خطط جدية لتحسين شروط الحياة بين أنقاض المدن والبلدات المدمرة. ولا نعرف على وجه اليقين إذا ما كانت روسيا تريد هذا المصير للمناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها، لكن حتى في المناطق التي احتفظ فيها مقاتلون معارضون سابقون بسلاحهم الخفيف، وتتواجد فيها قوات الشرطة العسكرية الروسية، يبدو واضحاً أنه لا يمكن لأحد أن يكون في مأمن من الانتقام والبطش.

هذه الحقيقة هي ما يدفع مئات الآلاف إلى مواصلة حياتهم في شروط بالغة القسوة في مخيمات الأردن وتجمعات اللاجئين في لبنان، وعدم العودة إلى العيش تحت حكم النظام السوري، وهي أيضاً ما يرسم صورة واضحة عن استحالة استعادة الاستقرار والهدوء دون تغييرات جدية في بنية النظام السوري، وهو ما لا تستطيع أو لا تريد موسكو القيام به.

وبعد عشرات آلاف الغارات الجوية، لا تزال مناطق شمال البلاد وشمالها الغربي والشرقي خارج سيطرة النظام وحلفائه، ولا يبدو أن ثمة سبيلاً واضحاً يمكن أن تسلكه روسيا لضمان تحقيق الهدف المعلن لحملتها العسكرية، وهو استعادة «الحكومة السورية» لسيطرتها على جميع أراضيها، إذ تطلّ الولايات المتحدة مع حلفائها المحليين من شمالي شرق البلاد لتقول إن الحلّ النهائي لم يصبح في يد روسيا بعد، ويحتفظ عشرات الآلاف من مقاتلي فصائل معارضة متنوعة، والقوات التركية أيضاً، بوجودهم في شمالي غرب البلاد.

لكن هذه الانسدادات أمام الاستراتيجية الروسية في سوريا ليست هي الأخطر اليوم، وذلك مع انتقال التوتر بين إسرائيل وإيران إلى مستوى جديد، قد يدفع إلى صدام مباشر بين طهران حليفة موسكو الرئيسية في المنطقة وإسرائيل التي لا تستطيع موسكو التخلي عن علاقاتها معها، لأن تلّ أبيب تملك موقعاً هاماً في استراتيجية موسكو للوصول إلى الاعتراف الأمريكي والغربي بوجودها في سوريا على المدى الطويل.

على مدى ثلاث سنوات، استطاعت القوات الروسية عبر حرب إبادية تحقيق انتصارات عسكرية على فصائل المعارضة، مخلفة وراءها عدداً كبيراً من المدن والبلدات السورية وقد تحولت إلى أنقاض، الأمر الذي يعطيها بالتأكيد نفوذاً كبيراً في سوريا اليوم، إلا أن هذا النفوذ مرتبطٌ بقدرة موسكو على إمساك التوازنات بين القوى الإقليمية ذات التأثير في البلاد. ولا يبدو أن التوتر بين إيران وإسرائيل سيظلّ قابلاً للاحتواء في المستقبل القريب، إذ طالما أن بوتين لن يستطيع اتخاذ موقف ضد طهران بشكل مباشر وصريح، فإن هذا يعني أنه لا يستطيع دفع الثمن المطلوب للاعتراف بوجوده وانتصاره في سوريا، ذلك في الوقت الذي تبدو فيه العلاقة مع أنقرة أيضاً على حافة توتر خطير إذا ما فشل اتفاق سوتشي في منع العمليات العسكرية على إدلب.

تُظهر خارطة السيطرة في سوريا اليوم انتصار موسكو عسكرياً، وتُظهر الوقائع السياسية نجاح المخطط الرامي إلى تخلي العالم عن فكرة إجبار الأسد على التنحي، إلا أن التوازنات التي سمحت بهذا التحول قد لا تستمر في المستقبل القريب، ما سيشكل تهديداً حقيقياً على ما تعتقد موسكو أنها حققته حتى الآن من خلال دعمها العسكري لنظام بشار الأسد.