جروح عنايات المفتوحة

 

«كانت عنايات طوال الأسابيع السابقة تشعر أنها خيال مآتة، تهتزُ يداها وهي تمسك بكوب القهوة، يتغير مزاجها من تطرّفٍ لآخر في سرعة البرق، عادت نوبات الهلع تداهمها بدون إنذار، ولم تفلح المنومات في هزيمة الأرق. بدت النهارات عمليّات عبور بالغة الصعوبة لساعات العمل، والليالي حُفَرَاً تسقط فيها بلا أمل. والأسوأ من كل ذلك، العودة للطبيب النفسي لمدة ساعة كل أربعاء». لحظة! أليس هذا هو المقطع ذاته الذي وصفت فيه إيمان مرسال حالها في خريف 2017 في كندا قبل صفحات قليلة؟ أعودُ إلى صفحات سابقة قرأتُها صباحاً، لأجد أن إيمان وعنايات تتشاركان حرفياً في هذا المقطع، فإيمان وصفت حالها ومزاجها الداكن بالكلمات ذاتها التي تخيلت بها عنايات في بيتها.

 لم أكن أنتظر الوصول إلى هذا المقطع من كتاب في أثر عنايات الزيات، للكاتبة المصرية إيمان مرسال، حتى ألمسَ تماهياً واشتباكاً نفسياً وعاطفياً وحقوقياً بين كلٍ من إيمان مرسال الشاعرة والأستاذة في قسم الأدب العربي والدراسات الشرق أوسطية في جامعة ألبرتا، والكاتبة عنايات الزيات التي كتبت روايتها الوحيدة الحب والصمت وانتحرت عام 1963 في بيتها في القاهرة. لكن لا يمكنني أن أهرب من الرعشة القصيرة التي أصابتني عندما استخدمت إيمان المقطع السابق ذاته مرتين، المرة الأولى لتصف نفسها والمرة الثانية لتصف امرأة أخرى كانت غريبة عنها قبل العام 1993. لم يكن ذلك تكتكياً أدبياً أو لعبة من ألعاب مرسال مع الكتابة والقارئ فحسب، لكنه بدا لي في تلك اللحظة اتحاداً بين الباحثة وموضوع بحثها، وكأنَّ إيمان تبحث عن ذاتها أو عن جزء لا ينفصل عنها، لحظة اتحاد جبّار في وجه الأفعال السلطوية التي أزاحت عنايات الزّيات وروايتها الحب والصمت من المشهد الثقافي العام في ستينيات القاهرة، وغيبتها عن الأرشيف الرسمي والخاص، الذي هو حق إنساني لكل فرد مهما عَظُم أو صَغُر شأنه.

بدأَت رحلة مرسال عندما وجدت مصادفة رواية بعنوان الحب والصمت (1967) لكاتبة مغمورة اسمها عنايات الزيات، بحثت إيمان عن الكاتبة لتجد أنها انتحرت عام 1963. فعلياً لم يكن لدى مرسال إلا هاتين المعلومتين، لا توجد أي معلومات أخرى لا عن الكاتبة ولا عن ظروف كتابة الرواية، وذلك وسط تأكيدات صحافية من كُتّاب مُكرَّسين عن أن الكاتبة المغمورة انتحرت دون أن تترك أثراً لها. كيف يمكن لامرأة أن تمر في هذا العالم، تتزوج وتنجب طفلاً وتكتب رواية تُنشَر بعد موتها بأربع سنوات، دون أن تترك لها أثراً. لا شكّ أن مرسال انزعجت من هذا الاستسهال والاستعجال لطي الصفحة، والتفكير الفاقد للحساسية، الذي يُصر مرة تلو الأخرى على أن غياب الأثر لأحد الأفراد هو مسؤوليته الشخصية، وهو ما أخفقت عنايات الزّيات في صنعه. لاسيما وأنه كان لرواية عنايات الزيات وقعٌ عظيمٌ في نفس مرسال. ربما لا تكون الرواية تحفة فنية بين روايات الأدب المصري أو العالمي ، لكن ليس من الضروري أن تكون أصلاً. بالنسبة لإيمان، وجدت في رواية الحب والصمت تقاطعاً مع صوتها الداخلي وأفكارها الخاصة، مما ساعدها في فهم ما كانت تعيشه هي نفسها آنذاك؛ «أحياناً يهز كيانك عمل أدبي ما ولا يعني ذلك أنه عمل غير مسبوق في تاريخ الأدب، أو أنه أفضل ما قرأت في حياتك. إنها الصدف العمياء التي تبعث لك رسالة تساعدك على فهم ما تمر به، في اللحظة التي تحتاجها تماماً، دون حتى أن تعرف أنك تحتاجها».

تمرّ كثيرٌ من الأحداث الشخصية والعامّة التي تغير مسار حياة المرء في فترة تمتد لـ 26 عاماً، إلا أن مرسال حملت عنايات الزيات في قلبها منذ العام 1993، وهو العام الذي وجدت فيه رواية الحب والصمت في سوق الأزبكية في القاهرة، ولا تزال تحمله حتى بعد أن فرغت من كتابة مؤلَّفِها في أثر عنايات الزيات (2019). أما الجهد الاستثنائي الذي بذلته مرسال في رحلة البحث هذه الممتدة والمكثفّة بين عامي 2015 و2019، والذي اقتضى منها أن تبحث عن أفراد عائلة عنايات الزيات، والوصول إلى صديقتها المقرّبة الممثلة نادية لطفي، وإلى صديقة الطفولة آف آف في فلوريدا، وإلى جارتها وآخر من رآها قبل ساعات من انتحارها مدام النحاس، ومحاورة أشخاص عرفوا عنايات أو عاصروها، وتحليل معنى المقالات التي كُتبَت عنها من النقاد والأدباء والصحافيين. كما وصلت إلى مقبرتها، وإلى مكان عملها في المركز الألماني، وإلى بيتها. حتى أن إيمان ترجمت مقالات عن عالِم المصريات لودفيج كايمر الذي كانت عنايات ذاتها مهتمة به، وشرعت بالكتابة عنه.

نجحت مرسال في إيقاظ فضول القارئ حول تفاصيل دقيقة في حياة عنايات الزّيات، كما حشرت نفسها وحشرت القارئ معها في أماكن لم تكن عنايات الزيات ذاتها تعتقد أنه يمكن لأحد ما اختراقها، ولم تكن الوسيلة هي روايات الآخرين الذين عاصروا عنايات، أو ما تذكره الملفات النادرة في أرشيف عنايات الشخصي، بل أيضاً استدعى الأمر من إيمان توظيف الخيال من أجل الوصول إلى  بناء دراماتورجي لشخصية الكاتبة، المُطلَّقة، التي تعمل نهاراً في المركز الألماني، وتعود لرعاية ابنها بعد العمل، وتكتب ليلاً رواياتها، وتفكر في وحدتها بمخاوفها على حضانة الابن، وانتظارها لموعد نشر روايتها الأولى. وبعد العشرة الطويلة مع خيالات عنايات الزّيات، صارت مرسال قادرة على أن تتخيل ما الذي يضحك عنايات وما الذي تسخر منه، وكيف تبدو ملامح وجهها عندما تتعجب، كما في هذا المقطع مثلاً: «في تلك الزيارة، أمسكت بين يديها كتاباً وتعجبت من طول العنوان: الفلسفة الاشتراكية الديمقراطية التعاونية: دراستها من ناحية القومية العربية والمجتمع العربي ونظام الحكم، 1961. وابتسمت بسبب طول اسم المؤلف أيضاً: أحمد عز الدين عبدالله خلف الله». وهذا ليس إلا لمحة بسيطة عن تخيلات مرسال الكثيرة حول إحساس عنايات بالكرامة والإهانة، ولماذا غيرت كلمات في دعوى الطلاق، وما هو سر قَصة الشَعر الغريبة التي رأتها مدام النحّاس فيها لآخر مرة.

وصلت إيمان في رحلتها  إلى الكثير من النقاط العلامّة، وكل نقطة وصول كانت نقطة نهاية، «تتجاورُ النهايات» في هذا الكتاب لتجعلنا نفهم من تكون عنايات الزيات؟ ابنة أي سياق ثقافي واجتماعي ونفسي؟ ونتأمل في فصول الكتاب ما كانت عنايات تتأمله بعيونها، وما كانت تهتم به وما يؤرق بالها في الليالي التي أمضتها مع ابنها في شقتها شبه الفارغة. نقاط الوصول التي ثبتت فيها إيمان مرسال إشارة X كعلامة على خريطة البحث، لم تكن نقاطاً  لمتابعة الرحلة المتعلقة بعنايات الزيات فقط، بل نقاطاً لدوامات هائجة تحتها، تبتلع أفراداً آخرين حتى اللحظة الراهنة ضمن شبكة من علاقات القوة، مشابهة ولم تتغير تغيراً جوهرياً منذ الستينات. إن قصة طلاق عنايات تدفع إيمان للبحث في مجال قانون الأحوال الشخصية وقانون بيت الطاعة، واكتئاب عنايات يحولها إلى البحث في تاريخ الطب النفسي في مصر منذ الأربعينات حتى الآن، وتموضع القبر وتجاهل الغصن الذي تنحدر منه عنايات في شجرة العائلة، لأسباب ذكورية وسلطوية بحتة لا تخص عنايات الزيات وحدها ولا تتوقف عندها؛ لا شكّ أنها منظومة من العلاقات والمؤسسات التي لا تزال تبتلع أفراداً آخرين في عالمنا الحالي.

لذلك، هذا العمل الخارج عن التصنيف ليس عملاً عن عنايات الزّيات وحدها، وليس تأريخاً لأعمالها وحياتها، بل إن عنايات الزيات هي نقطة البداية، وكل ما جاء في الكتاب هو مساءلة افتراضات صارت مسلمات عن غياب أرشيف امرأة، روائية، كتبت رواية عن غضب النساء ضد العائلة والطبقة، وعن الحب الذي غيّر حياتها، بصوت ذاتي فردي لامرأة (اسمها نجلاء) عاشت في الخمسينيات في القاهرة. لا تقدم مرسال في الكتاب قرائن وأدلة تثبت أسباب رفض نشر رواية عنايات الزيات أول الأمر، أو ما إذا كان قد تم فعلاً تزييف نهاية رواية الحب والصمت إلى نهاية «إيجابية» من قبل الدار القومية للطباعة والنشر. ولا توجد هناك براهين على إحراق عائلة عنايات لأوراق خاصة من اليوميات التي تركتها في شقتها قبل انتحارها، لكن ما تقدمه مرسال هو اقتراح لسلسة من الإجراءات تعكس دناءة المنظومات الرسمية بإزاحة إمرأة مصابة بالاكتئاب، عاملة وكاتبة وأماً عازبة تعاني الأمرين من أجل الاحتفاظ بحضانة ابنها؛ إزاحتها إلى الظل وطمس أثرها تدريجياً دون أي إحساس بالذنب أو إدراك لمستوى الجهل الإنساني في محو تجربة إنسان آخر.

وما يثير العجب هو توافق وانسجام إجراءات الطمس في المؤسسات الثقافية والاجتماعية، ولكن دون وجود اتفاق واضح بين هذه المؤسسات على محو أثر عنايات الزيات. تعاونت المنظومة السلطوية الذكورية على نفي عنايات إلى مكان غارق بالعتمة، وذلك بدأ مع الدار القومية للطباعة والنشر، التي رفضت نشر الرواية أولاً ثم نشرتها بعد أربع أعوام من انتحار الكاتبة وبعد التلاعب بنهايتها، ثم مع مؤسسة العائلة البرجوازية التي أخفت أوراقاً من يوميات عنايات وحددت وثائق أخرى معتمدة لكل من يسأل عن المخلوق الذي يدعى عنايات، ثم إرسال الملف الأرشيفي المؤسساتي الخاص بها، والموجود في جرائد وصحف أخبار اليوم والهلال، إلى الهالك (أي إتلافه)، ببساطة لأن أحداً لا يبدي اهتماماً به. تدريجياً وهرمياً تم التخلص من أرشيف عنايات الزيات، وهذه ليست مسألة خاصة، بل هي قضية عامّة طالما أن الأرشيف ليس ملكية خاصة، يمكن التصرّف بها بما يتلاءم مع الصورة المناسبة التي تحاول الدولة والمؤسسات والعائلة تصديرها وتقديمها. «الأرشيف هو عمل الحضارة، رغبة في الحفاظ على التجاور والتعدد والتناقضات باعتبارها معاً ذاكرة جمعية. لكنه أيضاً لا يمكن أن يكون إلا انعكاساً لوعي ثقافة ما بذاكرتها، في لحظات الانحطاط العابرة، تتضاءل أهمية الذاكرة. يأتي خبير ليُقيّمَ ما هو مهم وما هو تافه من موقعه في هذه اللحظة المنحطة».هذا العمل هو تأمل في أشكال التواطؤ بين إيديولوجيا الأرشيف ومؤسسات الدولة الثقافية، وبين لؤم الكتّاب النجوم آنذاك، ومؤسسة العائلة في خطتها غير المعلنة لتجاهل عنيف لامرأة عاشت ضمن هذه الدوائر واحتجّت عليها بانتحارها.  

تخصص مرسال في كتابها فصولاً ومقاطعَ لخصوصية الكتابة عند النساء، والاكتئاب النسوي الذي تعاني منه النسويات في أوساط ضابطة وخانقة لحركتهنّ وعواطفهنّ وأفكارهنّ الخاصة، لكنها لا تذكرها في سياق الدفاع عن حضور المرأة في المشهد الثقافي المصري أو إثبات أهمية هذا الحضور. تذهب مرسال إلى أبعد من هذا، وتحاول القول إنه حتى اختيار الإضاءة على أعمال إبداعية لكاتبات مصريات أو عربيات يتمّ بِناءً على اختيارات إيديولوجية ذكورية، تناسب المناخ السياسي والاجتماعي السائد، الذي يرى الكتّاب النجوم وقُضاة الثقافة أن إنتاجاً ما ملائم أو غير ملائم له. وانسجاماً مع الخيارات التي تحتفل بالإنجازات والانتصارات، لم تفكر النساء الغاضبات والكاتبات المجددات حتى الآن في أنطولوجيا عن «الشَعر المقصوص» أو «جزّ الشعور» غضباً وألماً ورغبةً في تغيير الذات وتشويه صورتها، مع العلم أن هذه اللحظة تكاد تشترك بها أغلب النساء، لكنها ليست لحظة إنجاز أو نجاح تستحق الاحتفال. 

كل هذه المعارك التي تجري على جبهات مختلفة في فصول هذا الكتاب، كُتبت بلغة بسيطة تحمل توازناً بين الشاعرية والدّقة، بين اللغة الأكاديمية واللغة الأدبية، ما يمكنه أن يكون مثالاً جيداً على كيف يمكن أن تكون اللغة تقاطعية وعابرة للاختصاصات بين مجالات علمية مختلفة، في سبيل أن تساهم هذه اللغة في وضع جروح الأفراد ضمن سياقات أوسع وتضمينها للمشهد الأعم، وتقديم تفسيرات مقترحة علمية ومهنية، لكنها لا تعجز عن إبراز تعاطف إنساني مع أصحاب الجروح، بحيث أن جروحهم الشخصية تصبح جزءاً لا ينفصل عن أوجاعنا؛ حتى وإن كان هؤلاء الأفراد موضوعَ البحث في المسيرة المهنية لأحدنا فإن أثرهم لا يمكن أن يكون مؤقتاً وينتهي بانتهاء مشروع البحث أو العمل. وربما يمكن لهذا العمل، إلى جانب أعمال أخرى نشرتها مرسال، أن يشي بالحدود الواهية التي تقيد حرية التنقل والحركة بين مجالات الإنتاج الفكري الإنساني.

ربما تأخرت هذه المراجعة حتى صدور الطبعة الثالثة من الكتاب الذي نشرته دار الكتب خان، لكن متعة قراءة الكتاب الورقي وامتلاكه في مكتبتنا كانت تستحق الانتظار ريثما توفرت النسخ الورقية من الكتاب في مكتبة خان الجنوب في برلين. كما يمكنكم الاستفادة من خدمة المتجر الإلكتروني الخاص بالمكتبة حتى يصلكم الكتاب أينما كنتم.