جمال خاشقجي ومصيره: ازدهار عالم الإفلات من العقاب

 

لم يكن جمال خاشقجي معارضاً للنظام السعودي، ولم يُعرّف عن نفسه على هذا النحو في أي يوم. كان الرجل لسنوات عديدة مستشاراً إعلامياً للأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود، والأخير سبق له أن كان مديراً للاستخبارات العامة السعودية طيلة 24 عاماً. صحيحٌ أن خاشقجي لم يكن مستشاره خلال سنوات عمله في الاستخبارات، وإنما بعد انتقاله من عالم الاستخبارات إلى نظيره، عالم العمل الدبلوماسي، لكن يبقى أن وجود خاشقجي في موقع كهذا يعني ما يعنيه في نظام مخيف كالنظام السعودي.

كان خاشقجي، المولود في المدينة المنورة عام 1958، صحفياً محترفاً. درس الصحافة في الولايات المتحدة، وكان ذا حضور استثنائي عبر تغطياته للأوضاع في الجزائر والكويت وأفغانستان خلال عقد التسعينات، ولاحقاً في الأوساط الصحفية السعودية بوصفه شخصية إشكالية تجمعها علاقات طيبة مع معارضين سعوديين متنوعين، وعلاقات طيبة مع دوائر في الأسرة المالكة في الوقت نفسه.

كان الرجل معروفاً دوماً بأنه صاحب توجه إصلاحي، وكان عمله الصحفي مسبباً للمشكلات أكثر مرة، وعلى وجه الخصوص في محطتين بارزتين؛ الأولى كانت عندما استقال، أو أُجبر على الاستقالة، من رئاسة تحرير الوطن السعودية عام 2010، بعد مقال نشرته الصحيفة ينتقد الفكر السلفي. أما المحطة الثانية فقد كانت عند إغلاق قناة العرب التلفزيونية التي يملكها الوليد بن طلال بعد يوم واحد من انطلاق بثها في البحرين عام 2015. كان خاشقجي مديراً لها، وأوقفتها السلطات البحرينية دون إبداء أسباب، وإن كان السبب الأرجح استضافتها في يوم بثها الأول لمعارضين بحرينيين.

يبدو واضحاً من مجمل سيرة الرجل أنه كان يريد تغييراً إصلاحياً في بنية النظام السعودي، وأنه كان يراهن على تحولات ذات طبيعة ليبرالية فيه، تؤدي إلى مزيد من الحريات والانفتاح السياسي والاجتماعي، وأنه لم يكن يوماً في صدد أن يعارض الأسرة المالكة أو يجادل في حقها في الحكم. وربما يكون خاشقجي قد راهن في وقت من الأوقات على مشاريع ولي العهد محمد بن سلمان وتوجهاته الإصلاحية، التي تبيّنَ كذبها وتهافتها سريعاً، مع حملة القمع الرهيبة التي رافقت إمساكه بمفاصل السلطة، وإخضاعه لخصومه داخل العائلة المالكة وخارجها على حد سواء.

قبل أن تتأزم علاقته تدريجياً بالسلطات السعودية منذ العام 2016، كان خاشقجي معلقاً سياسياً وكاتباً صحفياً معروفاً بقربه من الأسرة المالكة، وكان يُنظَر إلى آرائه على أنها تعبيرٌ عن وجهة نظر السلطات السعودية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشأن السوري. وقد ذاعَ صيتُه في أوساط المعارضة السورية في العام 2015 على وجه الخصوص، عندما كان يكتب مقالات وتغريدات تحمل تحليلات وتوجهات حاسمة في خصومتها لنظام الأسد، يصحّ القول إنها كانت مبعثاً للأمل بالنسبة للثائرين على النظام، كما يصحّ القول إنها كانت منبعاً للأوهام. يعتمد ذلك على زاوية النظر التي ينطلق منها المرء على أي حال، لكن المؤكد أن كثيراً من تحليلاته التي تؤذن بنصر محتم للثورة السورية بدعم من «أصدقائها»، وكثيراً من تغريداته التي بشّرت بتحولات حاسمة وشيكة لصالح خصوم الأسد، كانت دعاية سياسية، أو أنها كانت تعتمد على معلومات غير موثوقة في أحسن الأحوال.

في أواخر العام 2016 مُنِعَ خاشقجي من الكتابة في المنابر السعودية والمنابر الممولة من المملكة، وقيلَ وقتها إن السبب المباشر كان تصريحاً انتقد فيه صعود دونالد ترمب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة، لكن الأمر أبعد من ذلك دون شك، وهو مرتبط بحملة بن سلمان على كل صوت لا يلتزم حرفياً بتوجهاته. وفي أواسط العام 2017 غادر خاشقجي السعودية لأسباب لم تتضح فوراً وقتها، لكن الرجل أعلن عن أسبابه في مقابلة مع CNN في تشرين الأول 2017، قال فيها إنه تلقى اتصالاً هاتفياً يأمره بالصمت من شخص في الديوان الملكي، وهو ما جعله يشعر بالإهانة والخطر. وقد أثبتت الأشهر اللاحقة صوابية شعوره ذاك، إذ طالت حملات الترهيب والاحتجاز والاعتقال جميع مراكز القوى الصغيرة والكبيرة التي يمكن أن تهدد سطوة ولي العهد، الذي بات تدريجياً الحاكم الفعلي للبلاد.

منذ مغادرته للسعودية عاش خاشقجي في الولايات المتحدة، وبدأ لاحقاً يكتب مقالات دورية في واشنطن بوست، وارتفعت حدة انتقاداته لسياسات بن سلمان، سواء فيما يتعلق بالقمع داخل البلاد، أو بالسياسات الخارجية فيما يتعلق بالملفين السوري واليمني، وملف النزاع مع قطر، لكنها بقيت في إطار «النصح» بنبرة عالية، النصح الذي بلغ ذروته العليا في أيلول الماضي، عندما حذّرَ في مقال في واشنطن بوست من أن «استمرار الحرب في اليمن سيثبت صحة الأصوات التي تقول إن السعودية تفعل في اليمن ما يفعله بشار الأسد والروس والإيرانيون بسوريا».

اختفي جمال خاشقجي يوم الثلاثاء الثاني من تشرين الأول 2018، بعد مراجعته للقنصلية السعودية في إسطنبول، ولم تعلن أي جهة بشكل رسمي عن مصيره حتى لحظة كتابة هذه السطور، لكن رويترز نقلت عن مصادر تركية مطلعة أخباراً تؤكد مقتله ونقل جثمانه إلى خارج القنصلية. وإذا كان لا يسعنا التعامل مع وفاة الرجل بوصفها حقيقة مؤكدة، فإن ما هو مؤكد أنه اختطف أو احتجز أو قتل أو تم الاعتداء عليه في قنصلية بلاده، وهو ما يُعدّ سابقة خطيرة تشير إلى حجم استهتار «الإرادة الملكية السعودية» بالأعراف والمواثيق الدولية.

تراهن السلطات السعودية في مجمل سلوكياتها على أن أحداً لن يقف في وجهها طالما أنها لا تهدد مصالح واحدة من الدول العظمى، وهي تتكئ في رهانها هذا على سوابق قريبة، من بينها صمت العالم على مذابحها وتسببها بالمجاعات والأوبئة في جارتها اليمن، ونجاعة الإجراءات الغاضبة التي اتخذتها ضد كندا في أعقاب انتقادات الخارجية الكندية للاعتقالات في السعودية، إذ فتحت كندا الأبواب أمام العمل الدبلوماسي لتحسين العلاقات رغم السلوك المهين للسلطات السعودية، وذلك بعد أن تبين حجم الخسارة الكبيرة التي ستلحق بالاقتصاد الكندي جراء الإجراءات السعودية. وهو الأمر الذي تكرر ما يشبهه مع تراجع إسبانيا عن قرار إلغاء صفقة عسكرية مع السعودية بسبب مذابحها في اليمن، لأسباب تتعلق بالخشية من خسارة الاستثمارات السعودية.

ستجد تركيا نفسها في مواجهة تحدٍّ مماثل لما واجهته كندا وإسبانيا إذا ثبت مقتل خاشقجي والتخلص من جثمانه على أراضيها، ولا نعرف كيف ستتصرف الحكومة التركية حيال هذا الأمر الذي يُعد انتهاكاً لسيادتها، لكن مرور ما ارتكبته السلطات السعودية دون تبعات سيكون سابقة خطيرة، وسيكون حلقة جديدة من حلقات تدعيم «عالم الإفلات من العقاب» الذي ترعاه القوى العظمى، ويشغل فيه الأسد وإسرائيل مواقع متميزة، تزاحمهم عليها أنظمة عديدة في المنطقة والعالم.