جهاز الحسبة في جيش الإسلام

 

مدخل

شهدت الغوطة الشرقية خلال فترة خروجها عن سيطرة نظام الأسد حالات اندماج وتحالف عديدة بين فصائلها، يكاد يكون أهمها تشكيل «القيادة الموحدة في الغوطة الشرقية» في آب (أغسطس) 2014 بتحالف كل من جيش الإسلام السلفي، والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام الصوفي-الإخواني، وفيلق الرحمن المؤلف من اندماج بعض ما تبقى من فصائل الجيش الحر. رفضت عدة فصائل إسلامية وغير إسلامية الانضمام إلى هذه «القيادة الموحدة»، بقيادة زهران علوش قائد جيش الإسلام حينها. وقد تم الإعلان بعد هذا التحالف عن مجموعة مؤسسات وإدارات تابعة له، منها «الحسبة، هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، أو ما أصبح لاحقاً «مديرية الدعوة والإصلاح الاجتماعي»، وهي ما سنتناوله في بحثنا أدناه.

الحسبة في الإسلام

تأتي كلمة «حسبة» من الاحتساب، وهو قيام المسلم بعمل طالباً به ثواب الله. ويُقصَد به هنا تحديداً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويرى مؤيدو وجود جهاز للحسبة أن الرسول هو «أول من احتسب»، إذ رُوِيَ عنه في صحيح مسلم أنه مرّ على صبرة (أي بسطة) طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟»؛ قال: «أصابته السماء يا رسول الله!» (أي نزل عليه المطر)؛ قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني».

ويرى القائلون بضرورة وجود الحسبة أن الآيات والأحاديث الكثيرة التي تتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تُوجب وجود «حِسبة» يُعيِّنها وليّ الأمر، تتولى مهمة تصويب العامة ومنع المنكرات والدعوة إلى الالتزام بشرع الله وتنبيه المتجاوزين. كذلك يرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، أي أنه في حال قيام مجموعة من المسلمين به فإن الفريضة تسقط عن عموم المسلمين، وتصبح فرض عين على من يولّيه وليّ الأمر لها.

وقد وُجدت الحسبة على مرّ العصور والدول الإسلامية منذ عهد الخليفة عمر حتى إنهاء الخلافة العثمانية. كما تناولها علماء كثر في التاريخ، منهم القدامى مثل أبي حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وابن تيمية في كتابه الحسبة في الإسلام - الذي سنتناوله باختصار في الفقرة التالية - ومثل السلفيين المعاصرين، وأهمهم أبو إسحق الحويني ومحمد سرور زين العابدين ومحمد ناصر الدين الألباني.

يقول ابن تيمية في كتابه الحسبة في الإسلام، وهو أقرب إلى دليل في عمل الحسبة، إن وظائف المحتسب هي الأمر بالصلاة والصدق وأداء الأمانات، والنهي عن الكذب والخيانة، وهما ما يشرحه بتطفيف المكيال والغش في التجارة والصناعة والزراعة ونحوها.

في طبعة الكتاب الصادرة عن دار الكتب العلمية في بيروت، نجد ستاً وعشرين صفحة عن شرح المحرمات في الاقتصاد (كأنواع البيع المحرمة والغش والصناعة والمزارعة ونحوها)، أي ما يقارب نصف الكتاب؛ وتسع صفحات لتمييز ما يمكن أن نسميه اليوم مسؤوليات السلطتين التنفيذية والقضائية عن مسؤولية المحتسب؛ وصفحة وبضعة أسطر عمّا أسماه الغش والتدليس في الدين، مثل البِدَع المخالِفة للكتاب والسنة وإجماع السلف، وسبّ الصحابة والمسلمين وأئمتهم، وتكذيب أحاديث الرسول المقبولة لدى العلماء، وإنزال البشر منازل الآلهة، والإلحاد في أسماء الله وآياته وتحريف الكَلِم عن مواضعه، وغير ذلك مما يُوضِح أنّ قصد ابن تيمية هو الفِرَق الإسلامية في عصره التي اشتُهر بمحاربتها مثل العلوية وغيرها؛ وأخيراً خمس عشرة صفحة عن عقوبات تلك المحرمات، فخصّص فيها التعزير عند المحتسب، وحدّد للسلطة القضائية الولاية الأوسع من حدود وتعزير وغرامات مالية.

وفيما يتعلق بعمل الحسبة خلال ولاية الحرب، أكّد ابن تيمية على «عُرف الزمان»، وأنها قد تتخصص وحسب في إقامة الحدود التي يمكن أن تُخفَّف أو تتغير. إضافة إلى المخاصمات والمضاربات وإثبات الحقوق ونحوها.

الحسبة في القرن العشرين

في القرن العشرين، شهدنا تأسيس أجهزة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في السعودية وفي أفغانستان، اشتُهرت بملاحقة النساء اللواتي يمشينَ في الشارع إن كن يمشين بدون «مُحرَم» (أي زوج أو رجل يَحرُم عليها الزواج منه)، أو حتى للتأكد إن كان الرجل من محارمها فعلاً، وكذلك مما إذا كان لباسهنّ يراعي ما هو مأمور به. وكذلك اشتُهرت هذه الأجهزة بملاحقة الرجال الذين لا يكونون في الصلاة أثناء أوقات أدائها في المساجد. وخلقت الثورة الإسلامية في إيران حسبة تلاحق النساء على لباسهن وحجابهن، وتمنع الإجهار بالإفطار في رمضان، وتضبط «المظاهر الإسلامية» بين الشباب «المفتتِن» بنمط الحياة الغربي. وقد اختفت هذه الأجهزة في كل من أفغانستان بعد الاحتلال الأميركي، والسعودية التي جمّدت عملها عام 2016، أما في إيران فما زالت مستمرة إلى اليوم.

الحسبة لدى جيش الإسلام

في الغوطة الشرقية، هناك خلاف بين الذين تحدثتُ إليهم ممّن عاشوا تلك الفترة حول تاريخ تأسيس الحسبة. فبينما يعتقد الأكثرية أنها تشكلت مع تشكيل القيادة الموحدة، ولم يُسمَع عنها قبل ذلك، يرى البعض، وأنا منهم، أن ذلك يسبق تشكيل القيادة الموحدة، وأنها كانت تابعة لجيش الإسلام تحت مسمى «مكتب الحسبة»، قبل تحويلها إلى إحدى المديريات التابعة للقيادة الموحدة. ومع غياب أي مصدر واضح يذكر تاريخ تأسيسها، فإنني أميل إلى القلّة، استناداً إلى مقابلتي آنذاك لشخص قال إنه يعمل في الحسبة لدى جيش الإسلام، وإلى تأكيدات متكررة من أشخاص سمعوا أو قابلوا أو أُحيلوا إلى أمر يتعلق بالحسبة لدى جيش الإسلام قبل تأسيس القيادة الموحدة. والأرجح أن سبب عدم علم غالبية الناس بها هو عدم فاعليتها وانتشارها قبل ذلك، لكن أحداً لا يختلف على أنها إحدى أذرع التنظيم السلفي، وإن انتسبتْ «رسمياً» بعد ذلك إلى القيادة الموحدة.

في دراسة بعنوان «جيش الإسلام في سورية، النشأة والمنهج والمسارات»، يشير باحثون في مركز حرمون إلى أن «ديوان الحسبة» في الغوطة أنشئ في بداية العام 2014، ومهماته تندرج تحت متابعة ما أسماه جيش الإسلام «الشؤون الدينية للأهالي»: التزامهم بتعليمات دينهم، اللباس، مراقبة الأسواق، إزالة المخالفات الشرعية.

أعلنت إدارة الحسبة أن مرجعيتها هي «القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وفهم سلف الأمة للشرع الإسلامي الحنيف»، وأن أهدافها «دعوة الناس إلى توحيد الله على منهج السلف الصالح»، و«إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي اتفقت عليها كل الأديان السماوية»، «والعمل على إصلاح المجتمع المسلم في الغوطة الشرقية لتحقيق النصر، وتعميمها مستقبلاً على أرجاء سوريا»، و«الإصلاح بين المتخاصمين ورد المظالم لأهلها وزرع المحبة والتسامح»، و«توعية المسلمين في كل الأماكن العامة»، و«محاربة الفساد والرذيلة والأخذ على يد من يريد أن يسيء إلى المجتمع الإسلامي ومبادئه العظيمة»، و«ضبط صالات الأفراح والألعاب ومنع كل مظهر مخالف للشرع». وقد أسّست إدارة الحسبة لذلك مديرية يقع مكتبها الرئيس في دوما، تتبع لها باقي فروعها في مدن الغوطة الشرقية وبلداتها. وسنذكر فيما يلي هيكليتها، وأسماء بعض العاملين فيها وصورهم. نشير إلى أن المعلومات التالية، وجميع المعلومات في هذا البحث، مصادرها حسابات الحسبة على مواقع التواصل، ومواد مكتوبة ومرئية، ومقابلات مع أشخاص عاشوا في مدينة دوما أثناء نشاط الحسبة.

هيكلية الحسبة

ينقسم جهاز الحسبة في جيش الإسلام إلى ما يلي:

1- المدير العام: يعتبر مديراً لمكتب دوما، وتتبع له باقي فروع الحسبة في مدن الغوطة الشرقية وبلداتها. ترأّس أبو هاشم الوزير، نائب زهران علوش، إدارة الحسبة، قبل أن تنتقل إلى راتب ناجي (أبو محمد) ويستمر في إدارتها حتى سيطرة نظام الأسد على دوما. وفي عهد ناجي، تم تغيير اسمها من الحسبة إلى مديرية الدعوة والإصلاح، وذلك تجنباً لاستخدام المصطلح نفسه الذي تستخدمه داعش لذات الفكرة والهدف. وكان أبو ماجد بدران نائباً لناجي.

pasted_image_0_4.png

أبو محمد راتب ناجي، الصورة من تقرير مرئي للحسبة

2- مكتب الديوان العام: لاستقبال الشكاوى وتوجيه المراجعين.

3- مكتب الذاتية: لتسجيل ذاتية العاملين.

pasted_image_0_5.png

أبو ماجد بدران، الصورة من صفحة الحسبة على فيسبوك
4- مكتب النصيحة والإصلاح: لنصيحة المخالفين وإصلاح ذات البين. وقد ترأسه أبو راتب الدالاتي، وكان من بين أعضائه بشار طنطاوي (أبو بشير).

pasted_image_0_6.png

أبو راتب الدالاتي، الصورة من صفحة الحسبة على فيسبوك
5- مكتب الجولات: للنزول إلى الأسواق وبقية الأماكن العامة. ترأسه أبو خالد الدرة، وكان من بين أعضائه شخص من بيت القصير، ومحمد الشحرور (أبو ناصر) الذي كان مراقباً في السوق.

unnamed_1.png

أبو خالد الدرة، الصورة من صفحة الحسبة على فيسبوك

unnamed_2.png

أكد عدد ممن تحدثنا إليهم أن الشخص الظاهر في الصورة من بيت القصير، لكن الشهادات لم تتطابق بشأن اسمه الأول، الصورة من صفحة الحسبة على فيسبوك

6- مكتب الرقابة والتفتيش: لضبط دوام العاملين وحفظ أمن المكاتب. ترأسه شخص معروف باسم أبو زيد.

7- مكتب التحقيق والبحث العلمي: لإعداد المنشورات الدعوية ووضع الحلول الشرعية المناسبة للمشاكل.

8- المكتب النسائي: لتقديم النصح في الوسط النسائي، ومشاركة النساء في الأفراح والنشاطات العامة، ومراقبة لباس المرأة في الشوارع والأماكن العامة. كان من بين عضواته امرأة اسمها إيمان (أم عبد الرحمن).

9- المكتب الإعلامي: للتواصل مع الهيئات والفعاليات ومتابعة صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي.

10- المكتب المالي: للمصاريف والرواتب.

11- مكتب المشاريع العامة: لدراسة المشاريع ضمن الحسبة ولنشاطاتها. ترأسه بشير آدم من دوما.

أما فروع هذا الجهاز في الغوطة الشرقية فكانت كما يلي: 1- مكتب عربين: أداره أبو عمار البقاعي، وكان معه شخص آخر من بيت عبد الهادي. 2- مكتب الشيفونية. 3- مكتب الريحان. 4- مكتب أوتايا. 5- مكتب المرج. 6- مكتب حوش نصري وما يتبع لها. 7- مكتب الميدعاني وميدعا. 8- مكتب بيت نايم. 9- مكتب بيت سوى. 10- مكتب حمورية. 11- مكتب سقبا: أداره أبو دجانة طاطين، وكان مساعده من بيت سعيّد ويلقب «سركيس». 12- مكتب مسرابا. 13- مكتب كفربطنا وحزّة: عمل فيه كل من محمد العطار (أبو هريرة) وأبو ياسر عبد الغفور ومنذر التقلجي (الذي ترك جيش الإسلام لاحقاً وانتسب لهيئة تحرير الشام). 14- مكتب عين ترما. 15- مكتب زملكا: أداره فداء سعدة.

pasted_image_0_7.png

أبو دجانة وإلى يمينه سركيس، الصورة من صفحة الحسبة على فيسبوك

أعمال الحسبة و«إنجازاتها»

 

 تركّز عمل الحسبة في مدينة دوما، معقل جيش الإسلام حينه، وبقي عملها في باقي مدن الغوطة وبلداتها ضعيفاً. وهذا ما يفسر عدم تعرُّف معظم الناشطين في غير دوما على وجود «حسبة» في مدنهم وبلداتهم، برغم ذكرها لوجود فروع لها هناك. لكن بعض أعمالها في غير دوما ظهرت على الإعلام، مثل تسطير إنذار بحق مراسل قناة أورينت لتدخينه في المكتب وتشغيل الشاشة. ويعود انخفاض فاعلية الحسبة خارج دوما إلى عدم تعاون الأجهزة التنفيذية والقضائية في تلك المدن معها. فمدراؤها كانوا يؤكدون أنْ لا ذراع تنفيذية لهم، لكنهم يُحيلون من لا يلتزم بقراراتهم إلى القضاء والشرطة. واقتصر عملهم القضائي على إصلاح المتخاصمين وردّ المظالم، بما يشبه (الدعاوى المدنية) في القضاء، وكلّه بحسب تصريحات إدارة الحسبة.

كانت نتيجة هذا التنافر في بقية مدن الغوطة أن أُغلقتْ جميع مكاتبها في المناطق الخارجة عن سيطرة جيش الإسلام بعد الاقتتال بين فصائل الغوطة ربيع عام 2016، لتبقى ناشطة فقط في دوما وما تبقى من محيطها الخاضع لسيطرة جيش الإسلام.

سنستعرض هنا بعض أعمالها وقراراتها بخط زمني:

في 6 حزيران (يونيو) 2015 أصدرت قراراً بمنع إقامة أي نشاط عام (عرس، حفل، اجتماع عام، نشاط .. إلخ) في الغوطة الشرقية دون أخذ موافقتها، تحت طائلة المساءلة الشرعية والقانونية.

 

في 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 أزالت كلمة الحسبة من شعارها لتكتفي باسم «مديرية الدعوة والإصلاح الاجتماعي»، معلنةً تبعيتها إلى «القيادة الموحدة في الغوطة الشرقية». وقد نشرت على صفحتها منشوراً تقول فيه إن ذلك جاء لمحاربة الإفراط والتفريط - قالبةً بينهما لتجعل الإفراط هو التخلّي والتفريط هو التشدُّد، ملمّحةً إلى قضاء جيش الإسلام على كل من جيش الأمة، الذي كان يمنعها من العمل وكانت تصف عناصره بالمفسدين، وتنظيم داعش. وقد أعادت «المديرية» الجديدة طباعة كل قراراتها ومناشيرها مع تعديل الشعار.
في 15 تشرين الأول 2015 أصدرت قراراً بمنع التدخين داخل المؤسسات والهيئات الرسمية.
 

في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 أصدرت قراراً بمنع ما يلي: تخصيص غرفة للقياس داخل محلات الألبسة؛ عمل ذكر وأنثى في المحل نفسه؛ عرض اللباس الداخلي النسائي على واجهات المحلات؛ عرض المانيكانات المجسَّمة وإظهار وجوهها؛ الاستماع إلى الأغاني. وقد حذّرت أصحاب المحلات من المخالفة تحت طائلة المساءلة، مع إيراد حديث للرسول أنه «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكتْ ما بينها وبين الله».

في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 أصدرت قراراً بمنع التصوير في الحفلات النسائية. ورغم استهجان كثيرين لهذا القرار الذي يحرم العروس من أي صورة كذكرى لحفل زفافها، إلا أنه بقي ساري المفعول في جميع المناطق التي يسيطر عليها جيش الإسلام.
في 13 كانون الأول (ديسمبر) 2015، أصدرت قراراً بمنع افتتاح صالات الأفراح والإنترنت والألعاب قبل أخذ موافقتها وتحديد الضوابط الشرعية لها، تحت طائلة الإغلاق.
 

في 13 كانون الأول (ديسمبر) 2015، وتحت الآية «ولا تبذّر تبذيراً»، أصدرت قراراً بمنع إطلاق النار في الهواء في المناسبات، تحت طائلة المساءلة الشرعية ومصادرة السلاح فوراً.

في 30 كانون الأول (ديسمبر) 2015 أصدرت قراراً يخص أصحاب محلات الجوالات والإنترنت بمنع تنزيل المسلسلات الماجنة والأفلام الإباحية، تحت طائلة المساءلة الشرعية وإغلاق المحل فوراً.

 

في 9 شباط (فبراير) 2016 أصدرت قراراً بمنع الحفلات الغنائية، تحت طائلة إيقاف الحفل فوراً والمساءلة الشرعية والقانونية.

في 6 آذار (مارس) 2016 أصدرت قراراً إلى الحلاقين بمنع بعض قصات الشعر التي تتضمن قص بعضه وترك بعضه، مع رسومات توضيحية. وكذلك منع النتْف بالخيط وحضّ الحلاقين على التذكير بسنة الرسول بحفّ الشارب وإعفاء اللحية.

في آذار (مارس) 2016 أيضاً، أصدرت قراراً بمنع لاقط الإشارة الذي يحمل شكل صليب، مع صور توضيحية للأشكال المسموحة والممنوعة، مذكّرةً في القرار أن المسيح لم يُصلب وأنه سينزل في آخر الزمان ليكسر الصليب. ولمن لا يعرف، فقد كانت شبكات الاتصالات مقطوعة عن الغوطة مما جعل الناس يلجأون إلى اختراعات محلية لالتقاط الإشارة من المناطق المحيطة. وقد صعد عناصر من الحسبة إلى الأسطح بعد هذا القرار وقاموا بتكسير اللواقط التي تحمل شكل صليب، وعمّموا بين صنّاعها أمراً باتباع الأشكال المسموحة.

في 5 نيسان (أبريل) 2016، نشرت على صفحتها في فيسبوك 69 تعبيراً شائعاً على ألسن الناس مع أنه محرم شرعاً، تحت مسمى قرار، داعيةً الناس إلى الحذر منها، مثل «كبّ القهوة خير»، «بس يجي الصبي منصلي عالنبي»، «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق»، «انكسر الشر»، «يا باطل»، «استفقادة الله رحمة»، «يلعن دين دان دون»، «عملنا اللي علينا والباقي على الله»، «حلال على الشاطر»، «البقية بحياتك»، «تباركنا فيك».

في 6 نيسان (أبريل) 2016 نشرت صفحتها تحذيراً من التعامل مع البنوك الربوية، برغم عدم وجود أي بنوك في مناطق نفوذها.

في 8 نيسان (أبريل) 2016 حكمت ببدعة قراءة القرآن على المكبّر قبل صلاة الجمعة. وجرى منع ذلك في مساجد دوما دون أن تستطيع تعميمه على جميع مساجد الغوطة.

في 1 أيار (مايو) 2016، وإثر الاقتتال الدائر بين جيش الإسلام وبقية فصائل الغوطة، أصدرت بياناً تدين فيه الاعتداءات على جيش الإسلام، مذكّرةً بالآية حول اقتتال طائفتين من المؤمنين ومقاتلة التي تبغي، ومتبرئةً من أهل الفتنة. وبعدها بيومين ذكرت على صفحتها أنه تبيَّن للجميع بوضوح من يرفع راية الإسلام، ومن يقتل أهل الإسلام.

في 4 أيار (مايو) 2016، وبرغم إغلاق معظم مكاتبها إثر الاقتتال، أصدرت قراراً بمنع الملابس التي تحمل شعار «مرساة السفينة» وكل ما يحتوي على صليب، مذكرةً بأن المسيح لم يُصلَب؛ ومنع بيع الألبسة التي تحمل صوراً لنساء أو رجال؛ ومنع بيع الألبسة التي تحمل كلمات أجنبية غير مفهومة لأنها قد تكون سباً لله أو للدين أو لإشاعة الرذيلة.

في 30 أيار (مايو) 2016، نَعَتْ إلى أهالي المدن والبلدات التي أُغلقت فيها مكاتبُها استمرار عملها فيها.
 

في 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2016، نشرت على صفحتها تحريم الاحتفال بالعام الهجري.

في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2016، نشرت على صفحتها تحريم رفع اليدين والتأمين (قول «آمين») بصوت مرتفع أثناء الدعاء في خطبة الجمعة.

في 22 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 نشرت على صفحتها تحريم مسح العنق أثناء الوضوء، وكذلك ضرورة عدم التفريط بالقلب لأنه أنفس وأشرف وأغلى مضغة يمتلكها الإنسان لأنها طريقه إلى الله.

في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 نشرت على صفحتها تحت عنوان «سنن منسية» أمر المشي حفاةً من حين لآخر.

في 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 نشرت على صفحتها تحت عنوان «سنن منسية» الأكل بثلاثة أصابع.

شهادات حول الحسبة

يصعب تتبُّع عمل الحسبة الميداني من مصادرها نفسها، وذلك لعدم نشرها وقائع أو حوادث عن ذلك، إلا في حادثة واحدة تتكلم فيها عن شكوى لأحد المواطنين ضد آخر لم يقم بتسديد مال متفق عليه، فقامت باستداعائه دون أن يُنكر ذلك المال. وأقرّت قيامه بتقسيط المبلغ لصاحبه.

ورغم سعينا للوصول إلى أشخاص تعاملوا معها في مختلف أنحاء الغوطة، إلا أن ذلك لم ينل التوفيق إلا في دوما، حيث كانت الحسبة ذات نشاط واسع وقرارات نافذة مع تعاون جهازي القضاء والشرطة فيها. نستعرض هنا أهم هذه الشهادات.

شهادة أحمد طه (أبو خليل)

كان السيد أحمد طه نائب رئيس المجلس المحلي في دوما أثناء رئاسة السيد أكرم طعمة له. وهو يروي لنا بعض الأحداث التي جرت مع الحسبة: «كنا في المكتب أنا والأستاذ أكرم حين جاءت إلينا مجموعة من الحسبة تقول إننا نأخذ مكوساً من الناس، وهي محرمة شرعاً. فسألنا ما المكوس؟ فقال لنا أحدهم: مثل هذه الرسوم التي تأخذونها على المعاملات العقارية. فقلنا لهم إننا نأخذ الرسوم لقاء خدمات نقدمها للمواطنين، والمجلس بحاجة إلى دخل ليستمر في تقديم هذه الخدمات. لكنهم أصروا على حرمانيتها وأرسلوا لنا في اليوم التالي قراراً بتحريم أخذ هذه الرسوم تحت مسمى المكوس».

يعلّق الأستاذ أحمد: «غريب أن نكون نحن من نقدم الخدمات للمواطنين ونسيّر الأمور المدنية في المدينة فتصبح الرسوم أو الجبايات مكوساً، بينما جيش الإسلام الذي يأخذ الإتاوات من التجار على حواجز المدينة بيننا وبين قوات الأسد ويزيد الأسعار على المواطن لا يمنعه أحد».

والمكوس في الإسلام هي الأموال التي يأخذها الشخص إذا مرّ التجار به ليُجيز مرورهم، ولا تنطبق كما اتفق غالبية علماء المسلمين على الضرائب التي تؤخذ لتقديم الخدمات العامة.

يذكر الأستاذ أحمد حادثة أخرى: «كنا خارجين أنا والأستاذ أكرم من المجلس بعد انتهاء الدوام، فصادفنا على الدرج شخصاً من الحسبة، فقال لنا إنه جاء لمحادثتنا لنجد طريقة لمنع الاختلاط في الأسواق. فقلت له ما معنى الاختلاط في السوق؟ قال أن يوجد الرجال والنساء سوية في الأسواق. فقلت له مستهجناً: وهل يمكن أن نمنع النساء أو الرجال من النزول إلى السوق؟! فقال لا طبعاً، ولكن يمكن لكم أن تنظموا الشوارع في الأسواق بحيث يكون الجانب ذهاباً للرجال والآخر إياباً للنساء. للأمانة فقد صدمني باقتراحه لأنني لم أتوقع أن يصلوا إلى هذه الدرجة. قلت له لا يمكننا تطبيق ذلك وسيضر أصحاب المحلات برزقهم. لكنه بدأ يحدثني بآيات وأحاديث ووعظ عن تقدّم درء المفاسد على جلب المصالح. فقال له الأستاذ أكرم لا يمكننا. وأشار إليّ فذهبنا وتركناه».

يروي الأستاذ أحمد أيضاً حادثة أخرى جرت مع بيت حميه: «كما هو معلوم فالمياه كانت مقطوعة من قوات الأسد عن الغوطة، فلجأنا إلى حفر آبار في كل حي ووضعنا غطاسة، أي موتور ماء، في كل منها لضخ المياه إلى أسطح البنايات عبر خراطيم، ولكل بيت دور أسبوعي وسعر للدقيقة يتم دفعه لصاحب المولدة الكهربائية الذي يشغل الغطاسة. في أحد المرات كان أخو زوجتي، وهو طفل عمره حينها 13 سنة، يعبئ المياه في خزان بيتهم، فصعد إليه أحد الجيران من المقربين لجماعة ’الحسبة‘ وأراد أخذ الدور منه، وكان قد فعلها مع عديد من الجيران غير مرة، فرفض الطفل إعطاءه خرطوم المياه فصفعه وطرده من السطح. نزل الطفل ليخبر أباه عما حدث وهو يبكي، فصعد إليه ليتشاجر معه، فقال له من بين ما قاله ’هلكتوا سمانا‘ فاعتبرها كفراً بالله. فأخبر جماعته في الحسبة الذين أرسلوا كتاباً إلى القضاء بكفره، فجاءت قوة من الشرطة واعتقلته. وبعد وساطات خرج من السجن على أن تستمر محاكمته طليقاً، حتى استطاع الهرب خارج الغوطة عبر الأنفاق».

شهادة بيان ريحان

عملت السيدة بيان ريحان كمديرة مكتب المرأة في المجلس المحلي في دوما، وكذلك في مؤسسة «اليوم التالي» التي تعنى بدعم الانتقال الديمقراطي في سوريا. تروي السيدة بيان عدة حوادث جرت مع الحسبة: «كان لدينا نشاط مع مؤسسة اليوم التالي يتضمن عرض فيلم Suffragette، وقمنا بحذف مشهدين قد يُعتبران مخلَّين بالآداب. لكنهم جاؤوا إلى زميلي ثائر حجازي قبل ساعات من العرض ليقولوا له ممنوع أن تعرضوا هذا الفيلم، وأخبروه أن الشيخ أبو عبد الرحمن كعكة أخبرهم أن يمنعوا عرضه. فقال لهم إننا قمنا بالدعوات ولن نتراجع قبيل ساعات. ذهبنا إلى القبو الذي سيتم النشاط فيه قبل نصف ساعة لتحضير العرض، فنزل إلينا شخص لا نعرفه وقال لنا من أنتم ومن سمح لكم بالتواجد هنا؟ قلنا له إننا استأجرنا هذا القبو وأنت الذي جئت لنا فمن تكون؟ فرفض التعريف عن نفسه وقال بصيغة الجمع ’نحن أهل البلد‘، وقال إننا ننشر أشياء تبيح الرذيلة وتفسد نساءنا، وبدأ بالصراخ والتشاجر، فنزل اثنان إلى القبو يحملون سكاكين، أحدهم أبو صخر الحجة وهو أحد أعضاء الحسبة، وبدأوا بالتهجم علينا ووصفوا أنفسهم بأنهم أهل البلد، وحاولوا سرقة هواتفنا على الطاولة وقاموا بضرب ثائر، فخرجنا من القبو لنجد تجمهراً في الشارع أمام بابه، وكان من بين من عرفتهم محمد الشحرور أبو ناصر، وهو أحد أشهر مراقبي السوق التابعين للحسبة، وقام بتقبيل أحد الذين تهجموا علينا. وفي هذه الأثناء بدأ بعض المارة يقول إن هناك سيارة مفخخة في الشارع، فقاموا بفض التجمعات وإخلاء الشارع».

pasted_image_0_16.png

محمد الشحرور (أبو ناصر)، الصورة من مصدر خاص وقد تعرّف عليه عدة أشخاص ممن تحدثت إليهم

في موقف آخر، تروي السيدة بيان: «بعد إجراء انتخابات الدورة الرابعة للمجلس المحلي في مدينة دوما، نجح للمرة الأولى أبو محمد ناجي لإدارة المكتب الشرعي، وكنت أنا مديرة مكتب المرأة، وكان حينها المدير العام لجهاز الحسبة. وفي حفل تسليم الأعضاء المنتخبين مهامهم، كنت جالسة في الصف الأول، فنهض أبو محمد ناجي إلى المنصة وقال إن الاختلاط محرَّم في الإسلام، وأنه لا يقبل بدء الحفل قبل أن تخرج المرأة من القاعة. فبدأ السيد عزو فليطاني والسيد أبو فارس عيون بالدفاع عن وجودي، فقلتُ له إنني في المجلس من قبل أن تأتي إليه، وقال عزو وأبو فارس إنني حين كنت أخرج في المظاهرات كان لا يزال يدعو في المساجد للرئيس. خرجتُ منزعجة لأنني لم أعد أُطيق البقاء ورؤيته أمامي، فقابلتُ في الخارج الأستاذ أكرم طعمة ورويت له ما حدث، فقال لي إنه لا يمكن حدوث ذلك، ثم رافقتُه إلى الداخل حيث أنهى الجدال قائلاً إنني من أعضاء المجلس ككل واحد هنا، ولن يتم تسليم الأعضاء مهامهم مع منع أي أحدهم منهم من الحضور».

وفي حادث آخر: «كان لدينا حفل تكريم شهداء عمال النظافة، وسيكون في الحفل عوائلهم، فذهبنا إلى الحسبة للموافقة، فقالوا إنه لا مانع من الحفل لكن ممنوع تواجد النساء فيه. وبعد أخذ ورد معه، قال منهياً النقاش أنه إذا قام الحفل وفيه ولو امرأة واحدة، ولو كانت أنا، فسيرسل للشرطة كي تأتي وتعتقل جميع من في الحفل».

أيضاً تقول السيدة بيان: «هناك كثير من الحوادث لا أدري ما أذكره منها، مثلاً في انتخابات الدورة الخامسة للمجلس المحلي في دوما تعرضتُ لكثير من الطعن ولتهديد النساء كي لا ينتخبنني، وقادت الحسبة حملة ضدي تطعن في أخلاقي، لكنني نجحت رغماً عنهم. وتعرضتُ لكثير من المضايقات إثرها بهدف تعطيل عملي، مثل منعي من استقبال رجال في مكتبي، وكذلك كانت هناك موظفة موارد بشرية تعمل في مكتبها بجانب زملائها، لكنهم رفضوا هذا الأمر معتبرينه ’خلوة غير شرعية‘. وعند محاولة قيامنا بمظاهرة في دوما عام 2016 ضد الاقتتال الداخلي، وصل الخبر إليهم، فهددتنا الحسبة من القيام بأي مظاهرة دون موافقتها».

شهادة منى خيتي

تحمل السيدة منى ماجستير في الصيدلة من جامعة دمشق، وكانت تريد الاستمرار في دراستها قبل أن تقرر الدخول إلى الغوطة بعد حصارها لتعمل اختصاصية طب مخبري في المكتب الطبي في دوما، والمديرة العلمية للمعهد التقاني الطبي، ومدرّسة في كلية الطب المستحدثة في الغوطة حينها.

تروي الدكتورة منى: «كنت أشرح ما نظرية التطور لطلاب الطب، فوصل الخبر إلى جيش الإسلام، فكفّرني شرعيُّه أبو عبد الرحمن كعكة، وجاء أشخاص من الحسبة إلى الحي الذي أسكن فيه ليسألوا عني وعن أهلي ودرجة تدينهم، وكاد الأمر يأخذ منحى كارثياً لولا تدخل إدارة المكتب الطبي، التي طلبت مني عدم الخوض في الموضوع وعدم التجاوب مع أي استدعاء وترك الأمر لهم ليعالجوه، وهو ما تم وخفّت الحملة ضدي. ولو أنها استمرت مع وصفي بالكفر البواح فإنني أعرف كيف كانت ستنتهي: بقتلي».

شهادة صاحب محل ألبسة في دوما

يقول صاحب محل الألبسة، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إنه كان يتعوذ من الشيطان في سره كلما دخل عليه أحد مراقبي الحسبة، ويشرح الأسباب: «في البداية أمرونا بتغطية المانيكانات وعدم عرض اللباس الداخلي على واجهة المحل، فامتثلْت. ثم أمرونا بوجود امرأة بائعة لتتعامل مع النساء، فامتثلتُ برغم ما تكبّدته من وقت ومال لتدريبها وإعطائها راتباً. بعدها قرروا إلغاء غرف الملابس، وهو ما كان كارثياً بالنسبة للجميع، أصحاب المحلات والزبائن. لكنهم رقّعوه بعد أسابيع بفتح غرفة واحدة في كل السوق لتجريب الملابس. وهو ما أدخلنا في حرج مع الزبائن بضرورة الدفع قبل أخذ الملبس للقياس، لكن بعض المحلات كانت لديها عاملة لتذهب مع الزبونة إلى غرفة القياس التي كانت تحرسها إحدى المحتسبات (أي موظفة في الحسبة). بعد ذلك أمروني بتخصيص المحل إما للنساء أو للرجال، أي أن أتوقف عن بيع ملابس أحدهم، وهو مصيبة لم أستطع منع حدوثها برغم ذهابي إلى مقر الحسبة لمفاوضتهم، فأمطروني بكمّ ’قال الله‘ و’قال رسول الله‘ وتهديدي بالمساءلة الشرعية والقانونية في حال استمررت بالسماح بالاختلاط في المحل.

«تجاوزت الأمر وخصصت المحل للنساء لأن سوقهنّ أكثر حركة من الرجال، فصفقوني كفّ كمان بأنه لا يجوز لي البقاء في محل للنساء وعليّ توكيل مهامي لامرأة. يعني توجّب علي دعوة إحدى نساء عائلتي اللواتي أثق بهنّ لتأخذ مكاني، ولم تكن أيّ منهن تصلح لذلك. فمعلومك، البيع فيه مكاسرة وسعر غير ثابت، ولا يمكنني توكيله إلا لأحد ثقة. فأخذتُ طاولتي إلى الداخل مع تغيير ديكور المحل لأصبح مفصولاً عن مكان تواجد البائعة والزبائن، والحمد لله مرقولنا ياها!».

وعند الاستفسار منه عن وجود معظم هذه القرارات في قرار واحد، قال: «لا، كان أقرب إلى تجريب فينا، أي يقومون بتدريج الأوامر علينا ليروا إن كانت ستتحقق، ثم يصدرون القرارات على الورق». ويضيف: «يعني لو من البداية قالوا لنا ما يريدونه دفعة واحدة لكان أهون علينا، منتكركب مرة واحدة وبعدها نتأقلم. لكنهم كانوا كل فترة يأتون لنا بقرار جديد يحتاج ترتيبات جديدة ويضروننا. يا أخي قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق». قلتُ له إن عبارته الأخيرة هي إحدى العبارات المحرمة بحسب تعميم الحسبة، فقال: «يا أخي هدول الجماعة عندهن دين نحن ما منعرفه».
بسؤاله عن موضوع الكتابة والصور والأشكال على الملابس قال: «لم أكن أجلب ملابس عليها صور أصلاً لأن بيعها قليل، لكنّ أحدهم مرة سألني عن بعض الكتابات على بلوزة فقمتُ باستخدام غوغل ترانسليت لترجمتها، وأظهرتُ التعاون والموافقة معهم في هذا الأمر علّهم يخفّوا عليّ».
 

شهادة أبو خالد (اسم مستعار)

زاد نفوذ الحسبة في دوما بعد الاقتتال، الذي أراحها من مسايرة الأصوات المعارضة وحساب عدم توازن قراراتها بين دوما ومحيطها وبين بقية الغوطة. وكان من ضمن ما سرى بعد الاقتتال عمليات سحب الهواتف بشكل مفاجئ من أيدي أصحابها في الشارع، وإعطائهم وصلاً بها ليعودوا في اليوم التالي لاستعادتها. وقد راج هذا الإجراء في دوما لدرجة أنه الناس كانت تحذر - وكنتُ منهم - من إخراج الهاتف في الأسواق وجانب محلات الهواتف والإنترنت حيث يكثر عناصر الحسبة.

يروي أبو خالد، أحد من تعرضوا لذلك: «كنت جالساً خارج محل الإنترنت وأتحدث مع قريب لي خارج الغوطة، حين فجأة سُحب الهاتف من يدي. كانا شخصين بلحى طويلة (تعرّف على أحدهم بين الصور أنه الشحرور) وقبل أن أتكلم شيئاً أمسك كتفي وقال لي ’لا تقلق. نحن مديرية الدعوة وجوّالك بالحفظ والصون‘. قلتُ له إنني كنت أكلم قريبي، وإذا لم أردّ عليه سيظن أنه جاءت علي قذيفة. أجابني أن أطمئنه من هاتف أحد من العائلة. قلت له إن هناك صوراً خاصة، فأجاب أنهم لن يدخلوا إلى الصور. ووضع لاصقاً على ظهر الهاتف باسمي وأخرج وصلاً أعطاني إياه لأتسلمه في الغد من عندهم.

لم أعلم إن كان لديهم خبراء مختصون بفتح قفل الهواتف، لم أجرؤ بادئ الأمر على إخبار أحد من أهلي، وكنت أفكر ألا أذهب لاسترداده خوفاً من استطاعتهم فتحه. لم يكن لي أي علاقة بالفصائل، لكنّني كنت أشتم الجميع وأحكي على الجميع، وهناك محادثات قد يرونها مخالفة للشرع. أخبرت والدي لاحقاً فقال عليّ أن أذهب لإحضاره، وسيأتي معي، مشدّداً علي ألا أفتح فمي بحرف. ذهبنا صباحاً وأحالونا إلى شخص اسمه أبو بشير، أحضر له شخص الهاتف مع ورقة تقرير، فنظر إليها دون أدنى تعبير على وجهه. نظر إلي وقال لي أنّ عليّ اتقاء الله في السر والعلن، وأنّ من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة، وأن أحيد عن التلفظ بألفاظ مشينة وتصفُّح أمور مشينة. وأن أتوب إلى الله عنها ولا أعود إليها وأكفّر عنها بالعمل الصالح. تكلّم والدي بالثناء على كلامه وعلى عملهم، وعدم قبوله إن كنت أفعل أمور رذيلة وأنه سيتصرف، قبل أن يشكر لهم أنهم وضعوه في الصورة. وبعد انتهاء الحديث «الودّي» قمتُ لآخذ الهاتف، فأخذه أبي وقال سيبقى معي لأتحقق من كلام الشيخ. وبعد خروجنا وانتهاء التمثيلية أعطاني إياه وهو يقول: الله يورجينا فيهن يوم».

pasted_image_0_19.png

بشار طنطاوي (أبو بشير)، الصورة من صفحة الحسبة على فيسبوك

شهادة أبو عمار (اسم مستعار)

أبو عمار هو أحد تجار دوما البارزين في ذلك الوقت، وقد روى تجربته مع الحسبة: «سأقول ما لهم وما عليهم، ففي أحد المرات اختلفتُ مع تاجر آخر على مبلغ، فلجأنا إلى القضاء الذي أحالنا إلى مكتب إصلاح ذات البين التابع للحسبة. وكانت القضية لا تتعلق بشرع بل بعُرف بين التجار، فذهبوا إلى تجار آخرين وسألوهم عن العرف فحكموا لصالحي. والمرة الثانية التي اختلطتُ بهم كانت في نهاية شهر شباط من عام 2018، أي في أوج المعركة الأخيرة قبل سقوط الغوطة. كنت قد استأجرت قبواً لي ولعائلتي، وفتحنا أنفاقاً على الأقبية المجاورة كما فعل معظم سكان الغوطة بعد أن أصبحت الحياة فوق الأرض تعني الموت غالباً. دقّ الباب علينا أشخاص من الحسبة ومعهم عناصر من المخفر. وبعد أن دخلوا ولاحظوا أنه قبو خاص لا عام، سألوني كيف أحتكر القبو لي، فقلت إنني أستأجره بمالي. ثم انتقلوا للحديث عن الثبات والابتعاد عمّا يؤخر النصر، وعن الله وعن الدين ومواعظ وآيات وأحاديث. ظننّا بادئ الأمر أنهم يقومون بجولات على كل الأقبية ليشدوا أزر الناس، فقلنا لهم الله يجزيكم الخير، وقدمنا لهم الشاي. كان لديّ ثلاث أراگيل في إحدى زوايا القبو، فعندما انتهوا وانتهينا من المجاملات ذكر أحدهم أنهم يريدون أخذ الأراگيل معهم. قلت له كيف يعني؟ فعاد لتكرار الكلام عن تأخير النصر بفعل المحرمات وأن الأراگيل والتدخين باجتماع العلماء حرام، وذكر لي حديث ’كل مسكر ومفتر‘ وأننا لا نفهم ما تسببه أفعالنا. فقلت له إن ثمن هذه الأراگيل يساوي ثمن بيتك، هاتِ ثمنها وخذها. فانقلب فجأة وبدأ يصفني بالمعاند على الإثم، فقلت له أرگيلتي تؤخر النصر أما اقتتالاتكم لا تؤخره؟ مكتب كفالة اليتيم الذي يسرق مال الأيتام لا يؤخره؟ كل بلاويكم لا تؤخر النصر وأرگيلتي فقط تؤخره؟ ومع تعالي أصواتنا، تجمّع الجيران حولنا من الأقبية المجاورة، واتصلت على رئيس المخفر الذي طلب مني الهدوء والتجاوب معهم فرفضت، وقلت إنهم لن يأخذوا قشة مني عنوةً إلا على جثتي. في الحقيقة كنتُ فاقداً لأعصابي من قبل أن يأتوا، وما يذهلني فيهم أنهم جاءوا بعد أقل من نصف ساعة على نزول 150 صاروخ على المدينة دفعة واحدة. كنت قلقاً من دخول أي صاروخ علينا من طاقة تهوية القبو العلوية، وهم كانوا قلقين من أرگيلتي! طردتهم أنا والجيران ونحن نقول لهم ’فوق الموتة عصة قبر‘، وأن لا يفكروا بالتدخل بنا ثانية».

ويعلّق السيد أبو عمار: «لهم أشكال منفّرة ووجوه عابسة حتى حين يبتسمون. أغلبهم ممن فشل في حياته فوجد في هذا الباب سلطة على الناس. ملافظهم بشعة وأسلوبهم قاسٍ وملابسهم غير أنيقة، وكأنهم بهذا الشكل يظنون أنهم يتشبهون بالصحابة. بالمقابل، كان هناك شيخ من أهل الله، معروف بأسلوبه اللبق ولطافته الشديدة ولم يقبل أن يعمل معهم. كان يزورني أحياناً في المكتب، فلا يُشعِر أحداً من الموجودين أنه أكثر تديناً أو يفهم الدين أكثر من أحد. كلامه كله عن محبة الله لعباده ورحمته وضرورة أن نتحابّ في الله وجزاء من يتحابّ في الله مع إخوته من جنات ونعيم. ويروي لنا قصصاً من الأولين كلها عبر ومواعظ. وفي كل مرة كان يظل حتى يؤذن الجامع فيدعو من يريد للذهاب معه إلى الصلاة، وفي كل مرة كنا نذهب جميعاً. ولو كان يأتيني على جميع الصلوات الخمس لذهبت معه».

خاتمة

يصحّ القول إن العمل الأساس للحسبة هو ما اصطُلح على تسميته في عصرنا بـ«التموين»، مع هامش أفرده ابن تيمية لمحاربة «الطوائف المارقة». أما حسبة جيش الإسلام، ومن يأتمر بأمرها ومن تؤمر منه، فكان لها مهام وأولويات مختلفة عما ذكره ابن تيمية في كتابه. فلم يكن لمنع الغش وضبط الأسعار وإيقاف المكوس التي كان يأخذها جيش الإسلام من التجار على الحواجز بين دوما ومناطق سيطرة الأسد أي أولوية، كما اتضح من أعمالها وشهادات الشهود عنها. وقد وصلت أجهزة جيش الإسلام، بما فيها الحسبة، حد التناقض مع الفقيه الحنبلي في أمر ولاية الحرب، وهو ما كان قائماً حينها في الغوطة من منظور الشريعة الإسلامية.

وبينما سعى جيش الإسلام إلى تطبيق الشريعة الإسلامية على عموم سوريا، كما ذكرت الحسبة في أهدافها، إلا أن أحد أهم مرجعياته الفكرية لم يتحدث عن أخذ موافقة الحسبة لإقامة سوق، ولا نشاط عام بأي حال، لا في زمن الحرب ولا السلم. ولم يَرِد عنه ضرورة «هندسة» السوق التي اتبعتها حسبة جيش الإسلام والتي كانت - لولا استيلاء قوات الأسد على الغوطة بعد حين - تطوّرها باستمرار، وهذه «الهندسة» تتعارض مع مختلف الروايات التي وردت من أيام الرسول وما بعده عن صورة السوق وحاله.

أما الغزالي في إحياء علوم الدين فيؤكد أن ما يدخل فيه عمل الحسبة هو «أن يكونَ كونُه منكراً معلوماً بغير اجتهاد». أي المنكر الجلي الواضح الذي لا خلاف عليه، مثل الإجهار بالكبائر. أما الاستتار حين ارتكاب الكبائر فلا يتوجب تدخل الحسبة بحسب الغزالي. وقد أرفق الغزالي القصة الشهيرة لدخول الخليفة عمر إلى بيت شارب خمر للاستدلال على ذلك. وهنا يبرز تناقض سلوك حسبة جيش الإسلام، التي منعت طقوساً صوفية كثيرة، وأموراً مجازة في عدد من المذاهب، ومنعت الموسيقا التي لا يوجد على تحريمها أي إجماع، لا عند القدماء ولا المعاصرين، وصادرت الهواتف للبحث عن المستتر فيها، ووصل بها الحال في تناسي «المنكر المعلوم بغير اجتهاد» إلى وصف كل من يحارب جيش الإسلام بأعداء الإسلام، كما قالوا في بيانهم عن الاقتتال الداخلي.

لا يبدو جيش الإسلام في تطبيقه لحسبته منضبطاً بأي نهج لدى القدامى، بل هو يعارض بعضهم في كثير من الأحيان. وفي حال وجود ما يستند عليه هنا أو هناك فهو ليس محسوماً ولا قطعياً بالطريقة التي تم تقديمه بها في قرارات الحسبة وأفعالها.

يُظهِر التدخل السلطوي للحسبة في أدق تفاصيل الحياة ميلاً غريزياً لقتل البهجة ومصادرة المساحة الشخصية للمرء وإشعاره بأنه ليس حراً في شيء منها. تصدر أفعال الحسبة عن النهج السلفي الذي يرى في الدنيا «دار شقاء» وأن «الإنسان وما مَلَك لله» وأن «الإسلام بدأ غريباً وسينتهي غريباً» كشرعنة لهذه القرارات والسلوكيات الغريبة. تمسَّك النهج السلفي بعملية هندسة المجتمع تحت بنود «قل ولا تقل» و«افعل ولا تفعل» وتحديد كل شيء إلى فرض أو واجب أو محرَّم أو مستحب أو مندوب أو مكروه... أو مباح. بالطبع، لا توجد نصوص صريحة في القرآن عن كل شيء تحت تلك البنود، ولا في الأحاديث على اختلاف درجات صحتها، ولا الإجماع. لكن النهج السلفي اعتمد عليها في هندسة المجتمع أكثر من غيره من التيارات الإسلامية المعاصرة، وذلك عبر عمليات التأويل والاستنباط والقياس وغيرها مما يدّعي النهج نفسه عدم امتثاله لها. كما جرى تقديم كل ذلك كبيان لا لبس فيه ولا تعدد خيارات، إلا في حالات نادرة سيقت غالباً مع الإطناب في تأكيد السعة في الدين وكم أن الله رحيم بنا.

والحال أن حسبة جيش الإسلام هي بنت زمانها، بنت التطور الفكري للنهج السلفي المعاصر، لا بنت «السلف». وهي لم تأخذ بعين الاعتبار أيّاً من العوامل المتعلقة بالمجتمع أو الحرب أو الحصار. ما يوحي بأنها كانت تؤسس إمارتها أو دولتها المنشودة. أتذكر هنا سيدة ذهبت لتزور ابنها في «سجن التوبة» التابع لجيش الإسلام، لكن المسؤولين عن السجن رفضوا، فدعت الله أن يأخذ لها حقها منهم. فنهرها أحد موظفي السجن قائلاً: «لو لم نكن على حق لما مكّننا الله في الأرض». كانت مساحة سيطرة جيش الإسلام حينها عشرات الكيلومترات المربعة وحسب. إلى هذا الاستعجال تحديداً تميل مآخذ التيارات الإسلامية الأخرى «الأقل تشدداً»، فالفروق بينها تتمايز كمياً لا نوعياً.

ومن خلال الاطلاع على المصادر حول كل من حسبة جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) وحسبة داعش، تكاد لا توجد إلا فروق طفيفة بينها وبين حسبة جيش الإسلام، ومعروف أن هذه الفصائل جميعاً تتبع النهج السلفي.

وقد آثرتُ عدم ذكر بعض الأحداث الشهيرة التي قامت بها الحسبة، إما لوجود أصحابها في مناطق نفوذ جيش الإسلام الآن في شمال سوريا، التي انتقل إليها في نيسان (أبريل) 2018 وأصبح إحدى الفصائل التابعة للإدارة التركية فيها، أو لطولها وتشابهها مع شهادات وأحداث مذكورة، أو لوجودها في المراجع.

وفي ردّ جيش الإسلام حول الاعتراض على عمل الحسبة، قال مجدي نعمة (إسلام علوش) للجزيرة نت إن «هدف الحسبة الأول والرئيس ’الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‘، والغوطة تسير نحو مأسسة الحياة المدنية بعد فقدان الإدارات الناظمة لتلك الحياة، فكان لزاماً تأسيسها»، مؤكداً أنها ليست تابعة لجيش الإسلام بل للقيادة الموحدة. وقد دافع عنها علوش بقوله إنها «إصلاحية، وكان لها دور فاعل في ضبط الغش في الأسواق وموازين الباعة»، وإن مهمتها «نصيحة المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة، وعملها هو إنكار المنكرات التي لا يختلف عليها أحد، وليس الخوض في التفاصيل».

وبعيداً عن أقوال نعمة التي تنافي كل ما ذُكر في هذا البحث عن حسبة جيش الإسلام، وبعيداً عن وجهة النظر فيها من ناحية شرعية، فإن ما فعلته في الغوطة كان أحد أهم الأسباب التي خلقت الشقاق المجتمعي والسياسي بين جيش الإسلام وبين عموم أهل الغوطة. وكانت الحسبة من أهمّ تجليات هبوط جيش الإسلام «بالباراشوت» على المجتمع وعموم الثائرين فيه، والذين كانوا يرون أن ما خرجوا في الثورة من أجله يخالف كل ذلك. وفيما كان أهل الغوطة يعانون من القصف والجوع وشظف العيش وتضييق جيش الإسلام وترهيبه لهم، داعين الله أن يُذلّه، كانت صفحة الحسبة على فيسبوك تختم آخر منشوراتها بعنوان: «لماذا تأخر النصر؟».

المراجع