حرب على رغيف «العيش» في إدلب

 

منذ بداية الحملة العسكرية على مناطق في أرياف حماة وإدلب أواخر نيسان الماضي، خرجت أفرانٌ كثيرة عن الخدمة جراء استهدافها بشكل مباشر من قبل طائرات نظام الأسد وحليفه الروسي، كما أغلقت عدد من الأفران الأخرى أبوابها لأسباب تتعلق بفقدان الأمان واحتمال تعرضها للقصف بالدرجة الأولى، فضلاً عن نزوح معظم سكان القرى والبلدات المستهدفة إلى مناطق أخرى في الشمال السوري، ما سيؤدي بالضرورة إلى كساد خُبز هذه الأفران في حال استمرار عملها، بالإضافة إلى خطورة إيصال الطحين والوقود إليها، وغياب اليد العاملة.

«هي حرب على استمرارية العيش» كما يقول أبو أحمد، صاحب أحد الأفران في جبل الزاوية، ذلك أن الخبز يتصدر قائمة الاحتياجات الإنسانية، وهو شرطٌ أساسيٌ من شروط الحياة، يرتبط بمعاش السوريين وبأسئلة حياتهم العامة بشكل عميق، ويظهر ذلك بوضوح في عباراتهم اليومية الرمزية؛ «عم نأمّن الخبزات» تعبيراً عن وسطية الأجور وتوافر فرص عمل معقولة، «عايشين... عنا خبز» تعبيراً عن توافر الحد الأدنى من الأمن الغذائي، «الفرن شغال والخبز متوفر» تعبيراً عن استمرار أسباب البقاء وعدم النزوح.

لكن هذه العبارات راحت تغيب خلال الأشهر الأخيرة في المناطق التي تستهدفها حملة النظام العسكرية، إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تعرّضَ سبعة عشر فرناً للقصف والخروج عن الخدمة منذ أواخر نيسان وحتى الخامس من حزيران الماضي، خمسةٌ منها تم استهدافها بصواريخ الطائرات الروسية، لتتصدر عبارات من قبيل «ما ضلّ خبز» كحجة منطقية للنزوح، بعد أن انتهت «خبزاتنا» من هذه المنطقة بفعل القصف المتواصل.

يُدرك نظام الأسد أهمية استهداف أفران الخبز في الخطة التي ينتهجها لإفراغ أي منطقة من ساكنيها، وليس أمراً جديداً أن تتربع الأفران على رأس قائمة بنك الأهداف لطيرانه، ذلك أنه اعتمد السياسة ذاتها منذ بداية الثورة السورية، التي شهدت سنواتها غارات استهدفت ما يزيد على خمسين فرناً حتى الآن، راح ضحيتها ما يقارب ثلاثمائة وخمسين مدنياً بينهم خمسة وستين طفلاً واثنتا عشرة امرأة، وإصابة ما يزيد عن ألف ومئة مدني.

يقول الناشط المدني يوسف الأحمد، من أبناء جبل الزاوية، إن هناك ارتباطاً واضحاً بين استهداف البنى التحتية، خاصة المشافي والأفران، وفشل النظام في التقدم إلى منطقة معينة أو تكبده خسائر كبيرة في المعارك، إذ تلجأ قوات الأسد كلما ضاقت ذرعاً أو صادفت مقاومة كبيرة إلى ارتكاب مجازر بحق المدنيين الباحثين عن لقمة العيش أو العلاج، وهو ما يفسّر عدد الغارات الجوية الكبير الذي طال الأفران خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، والتي وصلت بالأرقام إلى ثلث ما تم استهدافه من أفران خلال السنوات الثمانية الماضية. ويشبّه الأحمد ما يحدث اليوم بما حدث في العام 2012، الذي كانت قوات النظام السوري فيه في أضعف حالاتها على الأرض، والذي شهد استهداف اثنين وثلاثين فرناً، أي أكثر من نصف عدد الأفران المدمرة التي تم توثيقها في مختلف المناطق السورية خلال سنوات الثورة.

يقول أبو أحمد، صاحب أحد الأفران الخاصة التي لا تزال تعمل في جبل الزاوية، إن تأمين الخبز لمن تبقى من سكان قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي التي تتعرض للقصف يكون عبر رسائل الواتس آب، إذ يُطلَبُ منه الاحتفاظ بعدد معين من ربطات الخبز لحين وصول بعض الشبان الذين ينقلونها إلى تلك المناطق. وغالباً ما تتم العملية ليلاً، قبل طلوع ضوء النهار، وذلك خوفاً من استهداف الطائرات التي ترصد حركة السيارات الداخلة والخارجة إلى تلك المناطق. يقول أحد الشبان الموكلين بمهمة إيصال الاحتياجات الأساسية إلى تلك المناطق: «الخبز أولاً، ثم الأدوية وبعض الخضراوات»، مؤكداً على صعوبة المهمة التي يتوزع أدوراها شبان المناطق بشكل دوري.

أما في ريفي حماة الشمالي والغربي، فقد سيطرت قوات الأسد خلال المعارك الأخيرة على بعض الأفران المتواجدة هناك، منها أفران خاصة وأخرى عامة تتبع للمجالس المحلية. ولم يتمكن أصحاب تلك الأفران أو مشغلوها من نقل معداتها إلى مناطق أخرى قبل دخول قوات النظام، كما يقول محمد عنيزان رئيس المجلس المحلي في قرية الشريعة بريف حماة الغربي، التي سيطرت قوات النظام على الفرنين المتواجدين فيها. كما سيطرت قوات الأسد على فرني قلعة المضيق بكامل معداتهما، أحدهما خاص والآخر يتبع للمجلس المحلي، وكذلك على فرن كفرنبودة الذي دمرته قبل دخولها إلى البلدة.

وليس ثمة أفران عاملة اليوم في قرى وبلدات ريف حماة التي لا تزال تحت سيطرة فصائل معارضة، والتي فرغت من معظم سكانها، فعلى سبيل المثال كانت كفرزيتا تضم أربعة أفران، فرنان خاصان نقلهما أصحابهما منها منذ العام 2013، ليبقى فيها فرنان تحت إدارة المجلس المحلي، فرن رئيسي وآخر احتياطي، كلاهما متوقفان عن العمل اليوم بحسب الناشط الإعلامي شحود جدوع من أبناء المدينة.

وكان المدنيون الذين آثروا البقاء في مناطق ريف حماة تلك، وهم قلّة، يحصلون على الخبز من فرن خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، قبل أن يتوقف هو الآخر عن العمل منذ أيام بفعل القصف العنيف المتواصل على المدينة. ويتم الحصول على الخبز اليوم إما عن طريق الفصائل التي تؤمن الطعام لمقاتليها المرابطين على الجبهات، أو عبر مدنيين يقصدون مناطق أخرى مثل جسر الشغور للحصول على بعض المواد الغذائية على الرغم من الظروف غير الآمنة. كما يلجأ الأهالي هناك إلى «تيبيس الخبز» واستخدامه لفترات طويلة، نظراً لانقطاع التيار الكهربائي.

وعلى الرغم من توافر مادة الخبز في بقية مناطق إدلب، إلّا أن تأثير الحرب بدا واضحاً في هذا المجال، إذ يقول بعض الذين تواصلنا معهم من السكان إن الخبز «مقطوعٌ وإن وجد» في إشارة لارتفاع أسعاره وغياب الدعم عنه، بعد توقف المنظمات الإنسانية عن دعم مادة الدقيق والمحروقات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حتى أن سعر ربطة الخبز ارتفع من نحو 125 ليرة إلى 200 ليرة (بوزن 800 غرام وعدد عشرة أرغفة) منذ مطلع العام الجاري. ويُقدَّرُ متوسط احتياج الشخص من مادة الخبز بستة أرغفة يومياً، أي أنه يحتاج إلى ما يقارب 6 دولارات شهرياً من مادة الخبز، ما يعني 30 دولاراً لعائلة مكونة من خمسة أشخاص، وهو مبلغٌ كبيرٌ جداً بالقياس إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية وشحّ مصادر الدخل.

يضاف إلى ذلك الأوضاع المأساوية للنازحين والمهجرين قسراً، الذين بلغ عددهم أكثر من نصف مليون نازح خلال الحملة الأخيرة، والذين لا يملكون أي مصادر للدخل، ويكافحون من أجل مواصلة العيش في ظل غياب المساعدات، بما في ذلك الخبز. تقول أم محمد: «إنهم يحاربوننا بلقمة عيشنا»، متسائلة عن أسباب غياب دور المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية في الاستجابة لحال الأهالي والمهجرين في المنطقة، ومتسائلة أيضاً عن أسباب قدرة النظام السوري حتى الآن على دعم الخبز في مناطق سيطرته، حيث يبلغ سعر ربطة الخبز هناك خمسين ليرة فقط، في حين تعجز الجهات المسيطرة والمنظمات العاملة كلها عن تأمين دعم مماثل في المناطق الخارجة عن سيطرته. تقول السيدة التي تعيل ستة أطفال وتسكن في خيمة بين أشجار الزيتون: «نأكل بما يسدّ الرمق، حتى الخبز صار بحسرتنا».

يقول الصيدلاني إبراهيم المصطفى للجمهورية إن «سياسة التجويع المتبعة ضد الأهالي وصلت إلى رغيف الخبز، وهو خط أحمر يستدعي البحث عن حلول بشكل عاجل، خاصة أن أعداداً كبيرة من الأطفال الذين أطلّعُ على حالتهم خلال عملي يعانون من سوء التغذية». وقد تحدث المصطفى أيضاً على خطورة إيصال الخبز إلى الأهالي في المناطق المنكوبة التي تتعرض لقصف يومي: «اللقمة المغموسة بالدم... هذا لم يعد مثلاً بل بات حقيقة نراها على الأرض، وفي مقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي».

يستذكر الصيدلاني ما حدث في حلب قبل تهجيره منها، ويقول إنه ليس بالإمكان نسيان مشاهد «المدنيين الذي قتلوا على طوابير أفران الخبز في حلب وهم ينتظرون دورهم للحصول على ما يقتاتون به. ما زالت صورهم على أفران مساكن هنانو والهلّك وقاضي عسكر وغيرها حاضرة في الأذهان، كذلك ما حصل في حلفايا التي راح ضحية قصف فرنها ما يزيد عن ثلاثة وتسعين مدنياً، ومجزرة فرن حي الجورة في دير الزور، واستهداف أفران الضمير والزبداني وسراقب ومعرة النعمان، وكذلك استهداف فرن درعا البلد للتضييق على السكان وفرض المصالحة عليهم، واستخدام سياسة التجويع كسلاح في الحرب».

في بيان لها في آذار الماضي، كانت منظمة العفو الدولية قد اتهمت قوات النظام بمواصلة الاستهداف المتعمد للمراكز الصحية والأفران والأحياء السكنية في محافظة إدلب بدعم من روسيا، واصفةً هذا الاستهداف بأنه جريمة حرب، إلا أن قوات النظام ومعها القوات الروسية تستمر في خطتها لقتل مظاهر الحياة دون هوادة تحت أنظار العالم، مستهدفة بشكل ممنهج عمود الحياة الفقري، رغيف الخبز.