حرستا: العيش بين الأنقاض

 

نقترب من مرور ثلاث سنوات على سيطرة قوات النظام السوري على مدينة حرستا في ريف دمشق، ولا يزال سكانها يعيشون واقعاً إنسانياً معيشياً صعباً جداً. ورغم الأحاديث الرسمية المتكررة عن إعادة الخدمات إلى المدينة التي تعرضت لدمارٍ كبير، إلا أنها كانت مجرد تصريحات إعلامية، فيما لا تزال متطلبات أساسية للعيش شبه غائبة، فضلاً عن الواقع الأمني المتدهور، الذي يؤرّق السكّان ويحول دون تفكير كثير من المهجّرين في العودة إلى ديارهم.

كانت حرستا من المناطق التي تعرضت لعملياتٍ عسكرية وأمنية منذ بدايات الثورة، ذلك أن موقعها على مدخل العاصمة إلى جوار طريق دمشق حلب الدولي، وقربها من عدة مواقع عسكرية أبرزها إدارة المركبات في جيش النظام، جعلها في واجهة الصدام مع الأخير الذي تمرّ أرتاله العسكرية عبر هذا الطريق. في حزيران 2011 حاصرت قوات من الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري المدينة بشكلٍ كامل، وقطعت عنها الكهرباء والمياه، وشنّت عمليات دهمٍ واسعة طالت عدداً كبيراً من الأهالي.

في عام 2011، كان عدد سكان حرستا يبلغ أكثر من 300 ألف نسمة، إلا أن الحملات العسكرية تسبّبت بموجات نزوحٍ متتالية للأهالي، بلغت ذروتها في أيلول 2012 حين أطلق النظام عملية عسكرية واسعة أدت إلى نزوح أكثر من 95% من سكانها، توجه أغلبهم الى مدينتي التل ومَعرَبا قرب دمشق بحكم وجود صلات قرابة مع الأهالي هناك، أو امتلاك بعضهم عقارات في المنطقتين، بينما نزح آخرون الى دوما ومسرابا وعربين وباقي بلدات الغوطة الشرقية، إضافةً إلى توجه آخرين الى مدينة دمشق.

في مطلع العام 2014 عاد جزء من أهالي حرستا الى ديارهم مع تراجع القصف نسبياً، وبلغَ عدد السكان حينها نحو 20 ألف نسمة، فيما شكّل مقاتلو المعارضة من أبناء المدينة في العام نفسه لواء فجر الأمة، الذي انضوى لاحقاً بكامله في حركة أحرار الشام الإسلامية. وفي شباط 2018 صعّدَ الأسد حملته العسكرية على حرستا لاستعادة السيطرة عليها، ما تسبّب في ارتفاع نسبة الدمار فيها إلى حوالي 80% من أبنيتها، لينتهي الأمر بتوقيع اتفاق تهجير تسبّب بخروج ستة آلاف شخص الى الشمال السوري من بينهم مقاتلو أحرار الشام، بينما قرَّرَ أكثر من عشرة آلاف آخرين إجراء تسويةٍ والبقاء في بيوتهم، ليدخلوا مرحلة معاناة جديدة تحت حكم الأسد.

عقب دخول قوات النظام إلى حرستا، اختلف توزع سكان المدينة بحسب مواقع الأحياء وحجم الدمار وطبيعة الخدمات فيها، حيث توجّه أغلب المهجّرين العائدين إلى الأحياء التي تقع وسط المدينة، باعتبار أن أبنيتها وبنيتها التحتية لم تتعرض لدمار كلي واسع النطاق، ولا سيما أحياء الثانوية والبستان والعدرواني والتعلة والعليتة والبيدر وعرواكة وجامع الشافعي، إضافةً إلى عودة نسبة كبيرة من السكان إلى الأجزاء الشرقية من حرستا، وخاصةً حي المزرعة والمنازل الواقعة ضمن المناطق الزراعية المتاخمة لمدينة دوما.

بالمقابل، طال الدمار كثيراً من المنازل في الأحياء القريبة من الأتوستراد الدولي وكلية الشرطة من الطرف الشمالي والغربي من حرستا، خاصة أحياء المقلب والسيل والمسروب، وبالتالي شهدت هذه الأحياء عودةً جزئية أقلّ للسكان إليها. أما الأحياء القريبة من إدارة المركبات فقد شهدت الدمار الأوسع، خاصة حييّ الجسرين والحدائق المتاخمين لخطوط الجبهة، حيث طال الدمار معظم أبنيتهما، إلى جانب أحياء الهلال والعجمي وصمصم القريبة نوعاً ما من إدارة المركبات جنوب المدينة، وبالتالي كانت الأحياء الجنوبية هي أبرز المناطق التي تشهد تواجداً ضئيلاً للسكان فيها وتعاني من سوء الخدمات.

صراع لتأمين رغيف الخبز

أبو صلاح من سكان حرستا، وهو يُعبّر عن استيائه الشديد من سوء الخدمات في المدينة وعدم استجابة النظام لمطالب الأهالي قائلاً: «نسمع كل يوم تصريحاتٍ من المجلس المحلي وبلدية حرستا، أو من مسؤولي النظام الذين يزورون المدينة للتأكيد على إعادة تأهيلها وتفعيل الخدمات فيها، ولكن في النهاية لا نرى شيئاً على أرض الواقع».

يعاني سكان حرستا اليوم كثيراً لتأمين الخبز، إذ يوجد في المدينة مخبز آلي حكومي واحد لا يزال خارج الخدمة، إضافةً الى عدة أفران خاصة تعرّضت للتدمير والتخريب أيضاً. ويوضح أبو صلاح في حديثه مع الجمهورية أن «حرستا بقيت لأكثر من عامين بلا أفران، في ظل عدم استجابة السلطات لكل مطالبات الأهالي بإعادة ترميمها، وبالتالي كان يتم الاعتماد على الخبز الذي يصل من أفران ابن العميد في منطقة ركن الدين، إلا أن المعتمدين كانوا يبيعون الربطة بحوالي 100-150 ليرة سورية، بينما كان سعرها النظامي 50 ليرة وقتها، وهو ما دفع بعض فعاليات المدنية إلى التبرع لإعادة تأهيل فرنيّ كبتولة وعفوف الخاصين قبل نحو ستة أشهر. رغم ذلك، الفرنان يتوقفان عن العمل كل فترة، بسبب عدم وصول مخصّصاتهما من المازوت والطحين».

وكان رئيس بلدية حرستا عدنان الوزة قد قال لوسائل إعلام النظام الشهر الماضي إنه «سيتم خلال الأيام المقبلة زيادة مخصصات المازوت التي ستُغذّي الأفران وآليات جمع القمامة، فيما سيُوزّع مازوت التدفئة على الأهالي بحسب الدور المحدد على البطاقة الذكية»، مشيراً إلى أن «حرستا تعاني من مشكلة كبيرة في توافر مادة الطحين، حيث أن مخصصاتها لا تكفي لتسدّ حاجة عدد العائلات في البلدة».

وقال الوزة أيضاً إن عدداً من المعتمدين لجأوا في الفترة الأخيرة إلى تقسيم الربطة الواحدة على عائلتين أو أكثر كي يحصل جميع المواطنين على المادة، لكن البلدية منعتهم من القيام بذلك، وأرسلت كتاباً «إلى محافظ ريف دمشق يطالب بإعادة مخصصات بلدة حرستا إلى ما كانت عليه قبل قرار التخفيض»، مضيفاً أنه «يتم الآن ترميم الفرن الآلي ليعود إلى الخدمة التجريبية منتصف الشهر الحالي، بغية تخديم مدينة حرستا والقرى المجاورة لها».

لكن حرستا شهدت خلال الأيام القليلة الماضية أزمة خبز خانقة، بعد توقف فرن كبتولة عن العمل بسبب عدم توفر المازوت لتشغيل الآلات، وأصبح الاعتماد على فرن عفوف الذي يعمل بِطاقة إنتاجية ضئيلة، وبالتالي أصبح الأهالي مضطرين للتوجه الى دمشق التي تعاني أفرانها أصلاً من ضغطٍ كبير، أو شراء الربطة من السوق السوداء بمبلغ 800-1000 ليرة.

الكهرباء ليست للجميع

تعرّضت شبكات التغذية الكهربائية في المدينة للتدمير خلال الحملات العسكرية على حرستا، وبعد دخول النظام ظلت المدينة غارقة في الظلام، لكن عقب ضغوطاتٍ كبيرة من السكان، قامت شركة الكهرباء ببعض الإصلاحات وتركيب عدّة محولات، إلا أنها كانت تتعرّض لأعطالٍ مستمرة.

وقامت حكومة النظام بتغذية أكثر من منطقة على محوّلة كهربائية واحدة، ما يتسبّب في زيادة الضغط عليها، وبالتالي ينقطع التيار الكهربائي بشكلٍ مستمر، فعلى سبيل المثال تغذي محوّلة عفوف وحدها حارات عفوف وعنتر وكرم الطلعة والغلاييني والجمعية ودوار الثانوية وأول طريق صلاح الدين ضمن مدينة حرستا. ذلك فضلاً عن خروج محوّلات أخرى عن الخدمة وعدم إصلاحها مجدداً من قبل البلدية بحجة عدم توفّر السيولة المالية، ما كان يدفع الأهالي لصيانتها على نفقتهم الخاصة، ولاسيما محوّلة سوق الهال زمحوّلة صمصم.

وفي هذا السياق، دعا مجلس مدينة حرستا عبر صفحته على فيسبوك أهالي المدينة الى تسديد فواتير الكهرباء المترتبة عليهم، زاعماً أنه إذا ارتفعت نسبة تحصيل البلدية من اشتراكات الكهرباء، فإن ذلك سيساعدها في إعادة تحسين قطاع الكهرباء .

يقول أحد سكان حي العجمي في حرستا: «هناك بعض الأحياء باتت تعرف بالمناطق المنسيّة التي تتعرض للتهميش والإهمال من قبل النظام، وخاصة أحياء العجمي والهلال وصمصم، فالكهرباء لا تصلها سوى ساعة أو ساعتين كل 24 ساعة، اضافةً إلى انتشار المحسوبيات والواسطات، حيث أن هناك بعض الحارات تصلها الكهرباء بشكلٍ أكبر من مناطق أخرى، نتيجة وجود أشخاص فيها مرتبطين بالنظام أو حزب البعث».

وأضاف الشخص ذاته للجمهورية أن «زيادة ساعات التقنين الكهربائي يدفع الأهالي إلى الاشتراك في مولدات الأمبيرات، لكن الفساد طال حتى هذا الأمر، إذ لا يلتزم مشغّلوا المولدات بساعات التشغيل المتفق عليها، وفي بعض الأحيان يتم تزويدنا بالكهرباء على أساس أنها عن طريق المولدات، بينما هي في الواقع تأتي عبر التيار الكهربائي النظامي، ما يعني أن هناك تواطؤاً بين أصحاب المولدات الخاصة والموظفين الرسميين المسؤولين عن الكهرباء».

خدمات عامة شبه غائبة

كذلك يشتكي سكان حرستا من سوء باقي الخدمات، فالمياه أيضاً تأتي لساعاتٍ قليلةٍ جداً، وتغطي بعض المناطق بينما هناك مناطق أخرى لا تصلها المياه أبداً نتيجة تضرّر الشبكات وعدم صيانتها. إضافةً الى أن وصول المياه مرتبط بوجود الكهرباء في بعض المناطق المرتفعة، كونها تتطلب تشغيل موتورات الضخ، فضلاً عن سوء شبكات الصرف الصحي، التي تضرّرت كثيراً نتيجة الأنفاق التي حُفرت خلال تواجد فصائل المعارضة في المدينة.

وقالت خديجة من أهالي حي الهلال بحرستا إن «الخدمات شبه غائبة، الأنقاض ما زالت منتشرة في كثيرٍ من الأماكن، إضافةً إلى انتشار الأوساخ والقمامة. لقد شاهدت بعينيّ أكثر من مرة أشخاصاً يقومون بسرقة حاويات القمامة لبيع حديدها على ما يبدو، وفي الوقت نفسه يقتصر عمل البلدية على تنظيف الشوارع الرئيسية فقط، بينما تهمل بقية الحارات والشوارع الفرعية، فضلاً عن سوء حالة الطرق نتيجة عدم تعبيدها، ما يجعل الواقع كارثياً في فصل الشتاء. كذلك ليس هناك أي صيانة لشبكات الهاتف الأرضي أو خطوط الانترنت».  

الواقع الطبي سيء للغاية أيضاً، فالمدينة تخلو من أيّة طبابة بعد الساعة الثالثة ظهراً، حيث يوجد فيها مركزان متنقّلان فقط، ملتزمان بدوامٍ محدد، يقدمان بعض الإسعافات الأولية ويفتقدان لمعظم الاختصاصات الطبية، أما المشفى الوطني ومشفى البشر الذيّن كانا يعملان قبل الثورة ويحتويان على تجهيزاتٍ طبيةٍ حديثة، فهما خارج الخدمة حالياً.

يعاني أهالي حرستا كذلك من طول المسافات خلال عملية الدخول والخروج، حيث خصص النظام مدخلاً واحداً الى المدينة من جهة وحدة المياه، وسط حديثٍ خلال الأيام الماضية عن اقتراب فتح مدخل آخر بين حرستا ودوما. وبشكل عام، يقول من تحدثنا إليهم إن أغلب الخدمات والإصلاحات البسيطة التي طالت البنية التحتية، كانت بمبادراتٍ محلية وعلى نفقة التجار والسكّان والمؤسسات الأهلية.

شروط تعجيزية للعودة

تشمل الظروف بالغة السوء أبناء المدينة النازحين الذين يفكرون بالعودة الى ديارهم، وقد أصدرت محافظة ريف دمشق التابعة للنظام، في الشهر الماضي، قراراً يقضي بالسماح لعددٍ من أهالي حرستا بالعودة إلى منازلهم وأراضيهم الزراعية والإقامة فيها، لكن وفق شروطٍ محددة.

شروط المحافظة تضمنت أن يُثبت الشخص ملكيته للعقار، وأن يكون المنزل الذي يريد العودة له سليماً، إضافةً إلى وجوب حصوله على موافقةٍ أمنية، فضلاً عن اشتراطها الحصول على تعهداتٍ خطية من مالكي العقارات بإخلاء المساكن والأراضي الزراعية بشكلٍ طوعي حال صدور أي مخططٍ تنظيمي لاحقاً.

يقول الصحفي غياث الذهبي، من أبناء الغوطة الشرقية، إن «الشروط التي وضعها النظام مقابل السماح للنازحين بالعودة إلى ديارهم هي شروط تعجيزية، هدفها حرمانهم من الرجوع إلى بيوتهم ومصادرة ممتلكاتهم، فكثيرون من سكان حرستا فقدوا أوراق ملكيتهم نتيجة القصف أو التهجير، كما أن معظم المنازل مدمرة بشكلٍ كاملٍ أو جزئي، وأغلب النازحين مطلوبون لمخابرات الأسد، ولن يستطيعوا الحصول على موافقة أمنية للعودة، بل قد يتعرضون للاعتقال لو عادوا، ما يعني أن جميع تلك الشروط لا تنطبق على أغلب من يرغبون في العودة».

وأضاف الذهبي أن «النظام يُشدّد أمنياً بشكل أكبر على سكان المناطق التي تقع في الطرف الغربي والجنوبي من المدينة، خاصة المنازل القريبة من إدارة المركبات وكلية الشرطة والاتوستراد الدولي، كونها تعتبر مناطق حسّاسة، لذلك وضع النظام تلك الشروط للتأكد من هوية من يرغبون بالعودة».

يعيش سكّان حرستا اليوم ظروفاً قاسية، فيما لم يعد المهجّرون منهم يحتملون نفقات الإيجار أو حياة المخيمات ومراكز الإيواء، ولا يستطيعون العودة إلى بيوتهم في الوقت نفسه، ليجد أبناء المدينة أنفسهم تحت ما يشبه «العقوبات الجماعية الانتقامية» كما يقول كثيرون ممن تحدثنا إليهم.