حزب البديل الألماني: عنصرية تقود إلى مصافحة الأسد

 

فاجأَ حزبُ «البديل من أجل ألمانيا» اليميني الشعبَ الألماني وحكومَتَه بزيارةٍ إلى دمشق، قام بها وفدٌ من أعضائه في البرلمان، ومعهم ساسةٌ يتبعون الحزب نفسه. وكان الهدف من الزيارة حسبَ تصريحات أعضاء الوفد هو إلقاء نظرة عن كثب على الوضع الإنساني في سوريا، فيما نشرت صحيفة دير شبيغل الألمانية نقلاً عن الناطق الرسمي باسم الحزب، كريستيان لوت، أن الهدف من الزيارة هو «الاطلاع على الأوضاع».

وصلَ الوفد في الخامس من آذار الماضي إلى دمشق، وكان أولُ لقاءاته في اليوم التالي، وهو وفدٌ لحزبٍ مُعادٍ للمسلمين، مع مُفتي سوريا الداعم للأسد بدر الدين حسون، ونَشَرَ عنه بعد اللقاء قوله بأهمية فصل الدين عن الدولة، واستغرابه من قيادة حزب مسيحي لدولة ألمانيا. كما التقى وزيرَ المصالحة الوطنية علي حيدر، ووزيرَ الخارجية وليد المعلم.

تلا ذلك زياراتٌ للمقاهي والأسواق في دمشق، ثم زياراتٌ للكنائس والجامعات، ولقاءٌ مع ممثلي الكنائس المسيحية في سوريا، ومن بينهم بطركُ الكنيسة الأرثوذكسية، الذي أعاد التأكيد على أهمية فصل الدين عن الدولة، وتحدَّثَ عن التعايش بين المسيحيين والمسلمين في ظل عدم التمييز والعنصرية.

تابعَ أعضاء الوفد جولتهم في حمص وحلب، مستمرّين بنشر الصور والفيديوهات التي تروّجُ لـ «الأمن والرفاه الذي تنعم به البلاد»، مشيرين إلى «التقصير من جانب وسائل الإعلام الألمانية في نشر الحقيقة». كما نشرَ قائد الوفد كريستيان بليكس صورةً لأعضاء الوفد في أحد مقاهي حمص وهم يشربون القهوة، معلقاً عليها: «في حين يشرب السوريون في برلين القهوة على حساب دافعي الضرائب الألمان، نشربها نحن على حسابنا في حمص».

من جهته، احتفى إعلام النظام السوري بزيارة الوفد، واعتبرها فاتحة لزيارات أكثر من هذا النوع، دون أي حديثٍ عن خلفيّة الوفد أو مكانته في ألمانيا أو أهدافه، ولا عن طبيعة الزيارة غير الرسمية. بل وصل الأمر حدَّ قول نورا أريسيان عضو مجلس الشعب السوري، إن «الوفد الألماني يقوم بزيارة رسمية إلى سورية»، وهو الأمر الذي قال الوفد نفسه عكسه عدة مرات، مؤكداً أن الزيارة كانت خاصة.

صعود اليمين ومسألة اللاجئين

فتحت سياسة الترحيب باللاجئين، التي انتهجتها الحكومة الألمانية بقيادة أنجيلا ميركل منذ العام 2015، الأبواب لهجوم متعدد الأطراف على ميركل وسياسة حزبها، إذ تعرضت المستشارة الألمانية لضغوط كبيرة من الأحزاب والتيارات اليمينية بهدف إجبارها على وضع سقف لتدفق اللاجئين، لكنها صمدت في وجه هذه الضغوط ونجحت في الانتخابات الأخيرة.

لكن في مقابل هذا النجاح، تمكّنَ حزبٌ يمينيٌ متطرفٌ لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من تجاوز عتبة الـ 5% من الأصوات اللازمة لدخول البرلمان، وهو الأمر الذي يعدّ فشلاً لميركل وحزبها. إذ بتاريخ 24 أيلول 2017، تمكّنَ حزب البديل من دخول البرلمان بهامش مريح، ليصبح بحصوله على 13٪ من أصوات الناخبين ثالث قوة سياسية في ألمانيا، متجاوزاً أحزابّاً ذات باع طويل في السياسة كالحزب الديموقراطي وحزب الخضر، وهو الأمر الذي لم يكن قابلاً للتصور قبل عدة أعوام.

تم تأسيس حزب «البديل من أجل ألمانيا» في عام 2013 كحزبٍ معارض للعملة الأوروبية المشتركة (اليورو)، إلا أنه تحوَّلَ في السنوات الأخيرة إلى التركيز على معاداة سياسة الهجرة في ألمانيا، متبنياً أفكاراً يمينية وعنصرية، كمعاداة المسلمين والمناداة بمنع الحجاب وهدم المساجد. وقد رحّبَ 13٪ من الألمان بشعارات هذا الحزب، وهو أمرٌ مفاجئٌ بالنظر إلى مُحدّدات التصويت التي اعتادت أن تُشكِّلَ خيارات الألمان سابقاً، مثل نظام الضرائب والضمان الاجتماعي والأوضاع الاقتصادية.
بعد توافد اللاجئين، يبدو أن مُحدِّدات التصويت السياسية والاقتصادية الاعتيادية، قد تراجعت أمام طغيان المُحدِّدات الثقافية، كالخوف من أسلمة البلاد ومن ضياع هويتها بسبب اللاجئين، الأمر الذي استغلّه هذا الحزب اليميني لكسب الأصوات، فجعل خطابه ودعاية حزبه مرتكزة على قضايا الهوية والتجانس الثقافي ومخاطر الانفتاح.

بعد وصول حزب البديل إلى البرلمان، اقترحت كتلته البرلمانية بتاريخ 13 تشرين الثاني 2018 مشروعَ قرار يطالب الحكومة الألمانية بتوقيع اتفاق مع الحكومة السورية بشأن عودة اللاجئين السوريين، وهي المبادرة التي قوبِلت بالرفض، وبتأكيد الأحزاب الألمانية الأخرى المُمَّثَلة في البرلمان رفضها للتفاوض مع الحكومة الدكتاتورية في دمشق. ولعلَّ من بين أكثر الانتقادات حدّة، كان ما قالته النائبة عن حزب الخضر المعارض لويزة أمتسبرغ: «حزب البديل يبدو وكأنه الناطق الرسمي باسم الأسد في البرلمان».

بعد رفضِ البرلمان الألماني لهذا الاقتراح وسخرية بعض أعضائه منه بأيام قليلة، قصدَ رئيس الوفد كريستيان بليكس وزملاؤه قنصلية النظام السوري في برلين، للحصول على تأشيرات سفر إلى سوريا، دون إعلام الحكومة أو الإعلان مسبقاً عن نيتهم القيام بتلك الزيارة.

ردود فعل ألمانيّة على الزيارة

لاقت زيارة الوفد الألماني إلى سوريا استنكاراً كبيراً في الأوساط الصحفية الألمانية، ونشرت صحيفة دير شبيغل الألمانية، تعليقاً منها على لقاء الوفد بمفتي الأسد، الفيديو الذي هدَّدَ فيه الأخيرُ بإرسال جهاديين إلى أراضي أوروبا وأمريكا في العام 2011، كما نشرت فيديوهات من الغوطة الشرقية تفنّدُ ادعاءات الوفد. وقالت دير شبيغل إن المشكلة مع زيارة الوفد إلى سوريا ليست في كونها محاولة لتشكيل رؤية أوضح عن الوضع، فهذا واجبهم الحزبي، وإنما في كونها منطلقةً من نية مسبقة، هي إثبات مزاعمهم بأن سوريا بلد آمن، وأن إعادة اللاجئين إليها ممكنة.

صحفٌ ألمانيةٌ أخرى، مثل تسايت وبيلد وفوكس، شاركت دير شبيغل موقفها الرافض لزيارة الوفد إلى سوريا، كما أشارت وسائل إعلام ألمانية إلى صلة روسيا بالرحلة ودعمها لها، ونشرت صحيفة هانديلز بلات، أثناء تواجد الوفد في سوريا، أن النائب البرلماني باتريك سينزبيرج تحدَّث وفقاً لخبير استخباراتي، عن أهمية تعقّبِ جهات الاتصال التابعة لحزب البديل، لكشف تآمرهم مع دول أخرى، وذلك بقوله: «ليس عن فراغ يضطر الحزب البديل لتلقي الاتهام بكونه يمثل الطابور الخامس لبوتين».

رسمياً، أكَّدَت مُتحدّثةٌ باسم وزارة الخارجية الألمانية أنه لم يتم إطلاعُ الوزارة بشكل مسبق على الزيارة، فيما استنكرت الحكومة الاتحادية الألمانية الزيارة بشدة، واصفةً إياها بـ «المقززة»، كما أن خبير الشؤون الخارجية في الحزب الديموقراطي الاشتراكي، رولف موزنتش، أبدى سخطه تجاه الرحلة، مشيراً إلى أنها تتبع استراتيجية محددة لتلميع صورة نظام الأسد ومؤيديه.

تقرير الوفد عن زيارته سوريا

بعد عودة الوفد من سوريا، وفي يوم 19 آذار من الشهر الماضي، عقد حزب البديل مؤتمراً صحفياً في برلين، بهدف إعلان نتائج زيارة وفده إلى سوريا. وتولّى بليكس مهمة الحديث عن الزيارة، معلناً أن ما رأوه في سوريا يؤكد دون شكّ أن على حليفهم الأمريكي في الناتو أن يُصنّف سوريا قريباً كدولة آمنة، وبدا أنه على الرغم من تأكيده المتكرر على أن الزيارة خاصّة وليست رسمية، فإنه يطالبُ بإعطاء نتائجها صفةً رسمية، وبأن يتم بناء قرارات وسياسات جديدة بناءً على مشاهدات أعضاء الوفد في تلك الزيارة.

تبنى بليكس ووفده وجهة نظر النظام السوري، متكلماً عن تدخل أمريكا في سوريا ومعها تركيا وقطر والسعودية، دون أي ذكر لتدخلات روسيا وإيران، كما أبدى إعجابه بالتسامح الديني في سوريا، وأكّدَ على أهمية عودة اللاجئين إلى بلدهم التي تحتاجهم لإعادة الإعمار. وفي معرض الإجابة عن أسئلة الصحافة، تسلّح الوفد بعبارة: «الزيارة خاصة وعفوية غير رسمية» عند كل سؤال محرج، مؤكداً أن الرحلة لم تكن مدعومةً من روسيا كما يُشاع، وإنما تمت عبر القنصلية السورية في برلين، وأن كل ماعدا ذلك هو مدعاة للسخرية.

أما عن لقائه مفتي الأسد، فقد برّرَه وفد الحزب بأن المفتي هو أحد رجال الدين الكثيرين الذين التقوا بهم، ونقل على لسان المفتي أنه لم يتحدث عن إرسال فدائيين وانتحاريين إلى أوروبا وأمريكا، وإنما عن سيناريو مُحتمل من الوقائع، وتمَّ أخذ كلامه من سياقه، وهو الأمر الذي يؤكد الفيديو عكسه تماماً.

قبل ختام المؤتمر، وجَّهت إذاعة DW السؤال التالي للوفد: «أنتم كحزب بديل تشكلون المعارضة هنا في ألمانيا، فمن التقيتم من المعارضة في سوريا؟». أجاب بليكس أنهم لم يجدوا أي ممثل للمعارضة، لكن لماذا كان الأمر كذلك؟ لم يتمكن بليكس من الإجابة، بل طرح سؤالاً بديلاً: «اذكري لي اسم شخص محدد كان علينا أن نقابله ولم نفعل».

العنصرية عندما تقود إلى مصافحة الأسد

بعد خمسة أيام من المؤتمر الصحفي، نَشَرت صحيفة فيلت الألمانية تقريراً قالت فيه إن الحكومة الاتحادية تعتزم إعادة تقييم الوضع الأمني في سوريا، لكي يتمكن بعدها وزراء داخلية الولايات الألمانية من البحث في مسألة ترحيل بعض اللاجئين مرتكبي الجرائم، وهو ما اعتبره حزب البديل نصراً له، إذ اقتبسَ بليكس تقرير الصحيفة ليكتب بفخر على حسابه على تويتر، أن هذا التحرك الحكومي حصل قبل مرور ثلاثة أسابيع على عودتهم من سوريا.

لكن ما جاء فعلاً في تقرير وزارة الخارجية الألمانية يوم الأربعاء 28 آذار، هو أنه «يجب مراعاة عدم وجود سفارة في دمشق، أو وفود لزيارة البلاد حالياً، مما يعني أن الحصول على معلومات موثوقة بشكل مباشر عن الوضع في البلاد من شأنه أن يكون تحديّاً كبيراً»، وهو ما يمكن اعتباره نفياً غير مباشرٍ للأخبار التي تحدثت عن قرب إعادة تقييم الوضع الأمني في سوريا، وفي الوقت نفسه تأكيداً على عدم أخذ نتائج زيارة وفد حزب البديل بعين الاعتبار.

لا يبدو إذن أن زيارة الوفد قد أتت بجميع النتائج التي كانت تأملها قيادة حزب البديل، لكنها على أي حالٍ أثارت ضجةً وسجالات يبدو أنها ستستمر في أوساط صُنّاع القرار في ألمانيا، وأعادت إلى الواجهة الحديث عن مسألة إعادة اللاجئين إلى بلدانهم، وهذا أحد أهداف حزب البديل دون شكّ. ويبدو أن الحزب اليميني، وفي سبيل خدمة برنامجه العنصري والضغط على الحكومة الألمانية بهدف إعادة اللاجئين، مستعدٌ لتقديم نفسه وسيلةً ومصدراً لنقل الأخبار الملّفقة من سوريا، وتكذيبِ الصحافة الألمانية والتشكيكِ بها، ووضعِ يده في يد نظام إجرامي، مبرراً ذلك بالقول إن «بشار الأسد ليس رئيساً ديموقراطياً خالصاً، لكن على المرء أن يتفاوض مع من يمتلك السلطة اليوم».