حلب: أضواء ملونة تفشل في تمويه الدمار

 

استعداداً لاحتفالات رأس السنة، غطت الأضواء الملونة معظم الأشجار المتواجدة على أطراف شوارع أحياء حلب الغربية الرئيسية، وجرى العمل على قدم وساق لتنصيب شجرة عيد الميلاد في ساحة العزيزية، لتبدأ حملة من الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل أهالي المدينة، الذين يعيشون في «العتمة»، بعد أن ارتفعت ساعات تقنين الكهرباء إلى ست ساعات انقطاع مقابل ساعتين من الضوء، متسائلين عمّا إذا «كانت المدينة قد أعيد إعمارها، ولم يبق علينا سوى تزيين الساحات!».

وليس بعيداً عن ساحة العزيزية، في حارات حلب القديمة، ما زالت أطنانٌ من أنقاض الدمار الذي خلفته الحرب تأخذ مكانها، لتغلق كثيراً من الطرق الرئيسية في الحارات الأثرية. متطوعون كانوا قد قاموا بإزالة بعضها، وبجهودهم الشخصية، لتنسب المحافظة لنفسها هذا الأمر، بوصفه جزءاً من جهود إعادة الإعمار، الذي رصدت له حكومة النظام 100 مليار ليرة سورية، لم يُصرف منها حتى الآن سوى 2 مليار بحسب تصريحات لأحمد الياسين، نائب محافظ حلب، في الوقت الذي اعتبر فيه رئيس مجلس المدينة أن ما تصرفه الحكومة لا يكفي لإعمار 1% من المدينة.

قرب قلعة حلب، أخذت الهياكل الحديدية مكانها، لتتحول إلى خيام على شكل مقاهٍ، وصفها حلبيون كثيرون بأنها «تشويه بصري» لمحيط القلعة، مطالبين بإزالتها دون أن يجدوا آذاناً صاغية. المدينة اليوم، بعد مرور سنتين على سيطرة قوات الأسد عليها، ما تزال محكومة من قبل الشبيحة وعناصر النظام.

هيكل معدني لخيمة سيتم افتتاحها كمقهى قرب قلعة حلب / فيسبوك

هيكل معدني لخيمة سيتم افتتاحها كمقهى قرب قلعة حلب / فيسبوك

لم يتغير شيء في قسم المدينة الغربي الذي لم يخرج عن سيطرة النظام، سوى إزالة بعض الحواجز التي كانت منتشرة قبل سيطرة قوات النظام على القسم الشرقي منها، فما زالت الهموم على حالها، وسقف المطالب لا يتعدّى بعض الخدمات الأساسية المفقودة. وتطال الانتقادات العلنية -في أفضل الأحوال- عمل المحافظ وبعض المؤسسات، بينما يسكن الخوف في جدران المدينة ويكمّ أفواه أهلها، بعد أن أخلفت الحكومة بكل وعودها لتحسين واقع المدينة وإعادة إعمارها. تلك الوعود التي جاءت على شكل حملات إعلامية، ثم تبيّنَ أنها كانت مجرد كلام يتداوله المسؤولون، ليضيع في طوابير المؤسسات والكازيات وأفران الخبز وشعب التجنيد، وانتشار عصابات القتل والاغتصاب والسرقة.

ولأحياء حلب الشرقية الحصة الأوفر من الدمار والإهمال الذي تعانيه المدينة، بعد أن تم تهجير أهلها قسرياً في نهاية 2016، مخلفين وراءهم أكثر من ثلثي المنطقة في حالة دمار تتجاوز نسبته 70% من مبانيها ومرافقها العامة، بحسب تقارير للأمم المتحدة، لتغدو مدينة أشباح في كثير من أحيائها غير المأهولة حتى اللحظة.

لم تنفع الزيارات المكوكية التي أجراها مسؤولو النظام إلى الأحياء المدمرة في إعادتها ولو بشكل جزئي إلى الحياة، خاصة مع انعدام الأمن الذي تشهده تلك المناطق، التي شهدت أربع سنوات من الثورة والقصف والتدمير، ثم باتت اليوم مأوى للشبيحة والحواجز المنصوبة على الطرقات، بعد أن تم «تعفيش» معظم منازلها، ولم تسلم فيها حتى جدران الحمامات وأسلاك الكهرباء.

في ساحة الشعّار، وبالقرب منها في دوار الصاخور، حواجز تفرض الإتاوات على المارة والسيارات. صار المرور من هناك تهمة يهابها الجميع، فيلجأون إلى طرق فرعية للخلاص. أحياء المدينة الشرقية محتلة: «لا شيء يمرّ هنا دون موافقة أمنية، حتى الهواء»، يقول الذين تواصلنا معهم هناك. أما الحديث عن العودة الذي بدأ يراود كثيراً من العائلات التي لجأت إلى تركيا أو إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فهو يتراجع بعد أن تبيّنَ أن الكلام عن عودة الحياة وتوافر فرص العمل، وعن تغاضي القوى الأمنية عن الشبان وعدم سوقهم للخدمة العسكرية، وانتهاء شبح «الاحتياط»، كلّه أكاذيب تطلقها وسائل الإعلام الموالية. حتى كبار السن لم ينجوا من الاعتقالات.

كُتّاب التقارير الأمنية والمخبرون يملأون المناطق المسكونة من الأحياء الشرقية. كلّ شيء بحساب، والحيطان التي كان لها آذان تهدمت، وبات الأمر على «المكشوف» الآن، كما يقول أبو أسعد، الذي اعتقلته قوات النظام في حيّ الهلك. كان المسلحون الأكراد قد سيطروا على هذا الحي بعد انسحاب فصائل المعارضة منه أواخر 2016، لينسحبوا منه لاحقاً منه لصالح قوات النظام.

كان الرجل الستيني قد اعتُقل لثلاثة أشهر بناء على تقرير من أحد جيرانه، فـ «تهم التعاون مع المسلحين» جاهزة، والانقسام الحاصل في كل القرى والمناطق، بين عائلات انخرطت في الثورة وأخرى التحقت بقوات الأسد، يطغى على المشهد اليوم: «يكفي أن تكون من قرية ما، أو تتشابه كنيتك مع أحد المقاتلين في صفوف المعارضة ليتم اعتقالك»، بحسب أبي أسعد، الذي أكمل «إن ما يحزّ في نفسك أن يكون معتقلِوك من أبناء قريتك نفسها، وأن يتقاضوا مبالغ كبيرة للإفراج عنك». بلغت قيمة الأتاوة المفروضة عليه 5 ملايين ليرة، دفعها كثمن لخروجه.

وأنتَ تمرُّ من سوق سد اللوز في منطقة الشعّار، تلاحظ أن شبه حياة بدأت بالعودة. بعض المحال التجارية أعاد أصحابها افتتاحها، إضافة إلى العشرات من بسطات الألبسة المتوزعة على جوانب السوق. يقول أبو عرب: «لم تعد وجوه أصحاب المحلات نفسها في السوق. هناك وجوه غريبة لم نعرفها سابقاً». معظم أصحاب المحال قاموا بتأجير محلاتهم لأناس جدد، وبمبالغ قليلة نسبياً إذا ما قورنت بزمن ما قبل الثورة، إذ لا يتجاوز إيجار المحل السنوي 2000 دولار، في الوقت الذي كان يزيد عن عشرة أضعاف هذا المبلغ سابقاً.

من بين الردم، تطالعك محلات متناثرة على طول الطريق بين الشعار وحي طريق الباب المجاور، معظمها دكاكين سمانة «تبيع بضائع تركية!». معظم أبنية الحي قد تعرضت للدمار بشكل جزئي أو كلي، أما الأنقاض فقد أغلقت كثيراً من الطرق الفرعية أو توزعت على بعض الساحات الفارغة. كيفما اتجهت في الحي، ستجد أكواماً من الردم والقمامة.

lshr.jpg

جانب من أكوام الردم والقمامة في حي الشعار / فيسبوك
جانب من أكوام الردم والقمامة في حي الشعار / فيسبوك
لا يتجاوز عدد العائدين إلى الأحياء الشرقية الآلاف، جلّهم من الذين ظلّوا في المدينة بعد عمليات التهجير، أو الذين أرهقتهم إيجارات المنازل في الأحياء الغربية من حلب، أو من سكان المدينة الجامعية والمدارس التي خُصصت كمأوى للاجئين خلال فترة الحرب. تغيب الخدمات الأساسية عن المنطقة، خاصة المياه والكهرباء، التي تضررت شبكاتها الرئيسية بفعل المعارك والقصف، ناهيك عن قلة عدد المدارس وعدم وجود النقاط الطبية أو المستوصفات، وخلو المنطقة شبه الكامل من الأطباء ومخابر التحليل، في حين يتوزع عدد قليل من الصيدليات في الشوارع الرئيسية.

تضحك المُدرّسة أم يوسف، وهي تخبرنا أن هناك وفرة في الأحياء الشرقية بالشباب الذين يرتدون بزات عسكرية ويحملون الأسلحة، وبالقبور التي تملأ الشوارع والساحات والحدائق. تخبرنا أنه حتى القطط تركت المنطقة، لكنها تتحدث أيضاً عن وفرة في المكاتب العقارية، لتتساءل عن سبب كثرتها رغم الدمار الحاصل: «يشترون كل شيء» تقول، حتى البيوت التي لم يعد لها وجود فعلي على الأرض بسبب تهدّم الأبنية. تقول إن أسعار البيوت تتراوح بين بين 7 آلاف و20 ألف دولار، بحسب المنطقة ومدى تضرر البناء: «لا فرق إن كان مالك البيت ثائراً، أو من الذين بقوا في المدينة. المكاتب تتكفل بكل شيء، حتى الموافقات الأمنية والوكالات».

48408541_321451998459840_8552643066006077440_n.jpg

قبور في حديقة بحي مساكن هنانو / فيسبوك
قبور في حديقة بحي مساكن هنانو / فيسبوك

آثارُ أبناء المدينة المهجرين أيضاً ما زالت موجودة، الكتابات على الجدران، وأعلام الثورة المرسومة. هناك محاولات لطمسها أو طلائها باللون الأسود، إلا أنها ما زالت باقية في كثير من المناطق. في حي مساكن هنانو احتلت عبارات جديدة بعض جدران الأبنية كدليل على عودة الحياة والأمن إلى المنطقة، من قبيل «والله لنعمرها» أو «سنعمرها من جديد»، إضافة إلى عبارات تمجيد الأسد والفرقة الرابعة وقوات النمر ولواء القدس، وأسماء بعض الشبيحة. أما الحدائق فقد «نزحت» أشجارها ومقاعدها، قطعت واستخدمت كوقود للتدفئة.

الطوابير الطويلة للحصول على جرّة غاز، تُعبّر اليوم عن الحال الذي آلت إليه المدينة، إذ يقضي معظم ساكنيها حياتهم في طوابير للحصول على الخبز أو الوقود أو غيرها من المواد الأساسية، بينما يسود حظر للتجول مساءً في أحيائها الشرقية، بعد أن يغلق الأهالي أبواب بيوتهم خوفاً من كل شيء خارجها.