حلم الزواج والعائلة بعد اللجوء

 

العريس أو العروس «اللقطة» هو التعبير السوري الدراج عند الحديث عن محاولات إيجاد شريك مناسب للزواج، والعثورُ على هذه «اللقطة» مهمة صعبة وتتطلب وقتاً وسعياً في الظروف الطبيعية، فكيف هو الحال بالنسبة  للسوريين بعد اللجوء، الذين لم يزد الشتاتُ حلمَ الزواج إلا تعقيداً بالنسبة لهم، بعد أن تضاعفت الصعوبات التي كان يواجهها الشباب والشابات في بحثهم عن شريك مناسب للزواج، بسبب الانتقال الجغرافي وتغيير البيئة المحيطة واختلافات الثقافة واللغة، ذلك عدا عن الحياة المثقلة بهموم اللجوء وتعقيداته المادية والبيروقراطية، الأمر الذي جعل من الشبكة العنكبوتية واحدة من الحلول البديلة التي تساعد على القيام بالمهمة.

على عكس الاعتقاد الشائع بأن السفر والعيش في أماكن جديدة  يزيد من احتمالات إيجاد الشريك المناسب، بسبب تنوع الخيارات وازدياد فرص الالتقاء بأصدقاء جدد وتنوع الفضاءات والأنشطة التي تجمع الناس عن تلك التي كانت متوفرة سابقاً في سوريا، يجد أغلب الشباب والشابات صعوبة بالغة في إيجاد شريك/ة مناسبة للمتطلبات الثقافية والدينية والمادية المتنوعة. والسبب الأولي هو خسارة طالبي الزواج للدوائر الاجتماعية التي كانت ترشّح لهم شريكاً مناسباً، ولا نقصد بالدوائر الاجتماعية دائرة الأقارب فقط، بل أيضاً زملاء العمل وأصدقاء الجامعة وأصدقاء العائلة والمعارف من هنا وهناك، ذلك بالإضافة إلى خسارة الدعامة المالية اللازمة لمشروع الزواج، المتمثلة في خسارة حلم الاستقرار المادي والشقة المفروشة، التي كان الأهل والأبناء يستثمرون حياتهم من أجل تأمينها لضمان قبول طلبات زواج أولادهم.

بهدف تسهيل تزويج الشباب والشابّات الذين لجأوا إلى ألمانيا في السنوات الأخيرة المنصرمة، انتشرت على موقع فيسبوك عدد من الصفحات الخاصة بزواج السوريين في ألمانيا، وعدد من المجموعات الإلكترونية المغلقة التي يمكن أن تؤمن مساحة آمنة إلى حد ما عند البحث عن شريك؛ ولا نقصد بالمساحة آمنة احترام الخصوصية، بل تعيين هدف أعلى لكافة أعضاء المجموعة وهو الزواج، بحيث لا يسبب الحرج أو الخجل أن يعلن أحدهم رغبته بالزواج، وأن يسرد مميزاته وطلباته حول الشريك الذي يريده، لأن المفترض أن الجميع هنا لأجل هذا السبب، لولا وجود بعض الأعضاء الساخرين الذين يمضون ساعات بالضحك من سذاجة بعض هذه الطلبات التي تتسم في غالبها بالرجعية والتقليدية، كأن يحدد طالب الزواج بعض الصفات الخارجية التي يبحث عنها في عروسه المستقبلية، مثل لون بشرة الشريك أو طوله ووزنه، أو عندما يطلب مهارات محددة مثل الطبخ، أو أن تكون شريكته اجتماعية وتحب السفر. 

بعيداً عن السخرية من الوسيط وطلبات وعروض الزواج، نلحظ عند متابعة هذه الصفحات مسألتين أساسيتين؛ الأولى أن الخيارات محدودة بالنسبة لهؤلاء الباحثين عن الزواج، بالرغم من أن مستوى الشروط في واقع الأمر قد لا يبدو معقداً، كأن يطلب أحدهم مثلاً صبية سورية للزواج، متدينة و«بنت عيلة» أو «بنت حلال»، العمر من العشرين وما فوق، عازبة، والمهم أن تحترم الحياة الزوجية وتحب الأولاد. تستثني هذه الصفات، البسيطة والمعقدة في آن معاً، فئة واسعة من الشابّات السوريات اللواتي بحسب مقاييس محددة لا يُعتبرن متدينات، وتستثني المطلقات أو من كان لديهنّ علاقات سابقة مثلاً، وكذلك تستثني اللواتي لا يرغبن بالإنجاب أيضاً!

أما المسألة الثانية، التي قد يمنعنا من رؤيتها إطلاق صفات الرجعية والتخلف على هذه الطلبات، فهي الوجه القبيح للوحدة ومن خلفها الشتات، اللذين يدفعان مثلاً شاباً ثلاثينياً إلى أن يكتب مناجاته على إحدى الصفحات: أبحث عن امرأة تحب الأولاد، أبحث عن عائلة؛ «كل حياتي بحلم يكون عندي عيلة». وإذا كنا غير متأكدين من أن حلم العائلة هو الحلم الأبدي بالنسبة لهذا الشاب فعلاً، إلا أنه في واقع الأمر يبحث عن الاستقرار، وعن علاقة طويلة الأمد، وعن عائلة يكونها في البلد الذي هُجَّر إليه ليضرب جذوره فيه.

قد يكون الزواج مشروعاً محافظاً وتقليدياً بعض الشيء، في وقت يكرّس فيه معظم الشباب جلّ تركيزهم على الجوانب المهنية والعملية، كما أن حلم تكوين عائلة وإنجاب أطفال يُفصح عن إعلاءٍ بين أوساط الشباب لمؤسسة الأسرة التقليدية الصارمة، لكن على ما يبدو فإن فئة كبيرة من الشباب والشابات السوريين، قد اختبروا من التخبط والهزّات العنيفة عقب لجوئهم ما يجعلهم بأمس الحاجة إلى جذور تضع حداً لشتاتهم، عبر إيجاد شريك مناسب والالتزام بمؤسسة الزواج، وفيما بعد إنجاب أطفال، الذي هو الحل الأمثل للتخلص من شقاء «الحياة السائلة» كما يطلق عليها زيجمونت باومان في كتابه الحب السائل، والمتمثل بالعلاقات العابرة والعلاقات المتعددة التي تتمحور حول المتعة واللذة، ومفاضلة الخيارات المتاحة من أجل انتقاء الشريك، وبعدها غالباً ما ترجح كفة الميزان للاستقلالية والنأي بالنفس عن أي التزام. 

وبالإضافة إلى شروط عروض وطلبات الزواج، تحضر الصعوبات المادية التي تثقل كاهل اللاجئين، وربما يكون تركيز العائلات عن شرط امتلاك شقة قد تراجعَ في ألمانيا مثلاً، لأن ذلك يبدو مستحيلاً بالنسبة للألمان أنفسهم في حالات كثيرة، لكن تمت الاستعاضة عنه بالقيمة العالية للمقدّم والمؤخر، وشراء الذهب، كما صار اشتراط عقد العمل المفتوح بديلاً مناسباً عن الشقة المفروشة. كذلك يلعب دوراً بالغ الأهمية نوع الإقامة التي يحملها طالب الزواج، دائمة أو مؤقتة، ولا داعٍ لذكر أن الحاصل على الجنسية الألمانية له الأولوية ضمن عروض الزواج.

كما يواجه الشباب السوريون صعوبة أخرى تتعلق بالاختيار المبني على الطائفة، إذ لا يزال موضوع الزواج من خارج الملّة بالنسبة لكثير من السوريين أمراً مرفوضاً، بل ومحرماً عند بعض الطوائف. ويستثني هذا الاصطفاء الطبيعي فئة واسعة من الفرص المحتملة للزواج، خاصة في المدن والعواصم الكبرى، حيث خليط البشر والأجناس والجنسيات، بحيث لا يمكن تأمين بديل عن مجتمع القرية أو الحارة الصغيرة إلا بالطرق الإلكترونية.

لذلك مثلاً طوّرَ بعض أبناء الطائفة الدرزية تطبيقاً للزواج خاصاً بطائفتهم، وحمل اسم «يلا دلّوني»، ليكون بمثابة حل بديل من أجل الزواج. كما نسمع كثيراً عن الحلول التقليدية التي تتدخل فيها العائلة مثلاً لإيجاد فتاة في سوريا مناسبة للزواج وتحلم بالسفر إلى ألمانيا، بحيث يتم الزواج عبر السكايب، ويحضر العريس على طرف من المكالمة، وعلى الطرف الآخر عائلتا العريس والعروس مع الشيخ، ويتم إبرام عقد الزواج من خلال وكالة قانونية تفوّضُ الأب بتزويج ابنه غيابياً.

أما تطبيقات المواعدة مثل تطبيق Tinder الأشهر، فهي تشكل مكاناً مناسباً عند البحث عن المواعدة والعلاقات العابرة التي تبعد شبح الوحدة لفترات مؤقتة بالنسبة لفئة كبيرة من السوريين، لكن البحث عن هذه المواعدة بالنسبة لأغلب السوريين ليس بحثاً عن شريك للزواج، بل عن «علاقة صافية» بحسب تعبير زيجمونت باومان، الذي يصفها بأنه العلاقة التي ينفصل فيها الجنس عن التكاثر، والتي يصبح فيها الجنس متحرراً من أي أعباء إضافية. وبحسب باومان، فإن هذه العلاقات الصافية هي الممارسة التي ربما تجسّدُ ذروة تحرر الجنس من المجتمع البطريركي، لكنها في الوقت ذاته أفضل تمثيل عن المجتمع الاستهلاكي، الذي يؤمّن عدداً لا نهائياً من الفرص القابلة للتجريب مرة تلو الأخرى، ومركز الثقل فيها هو الأداء الجنسي للشريكين.

البحث المحموم عن شريك مناسب للزواج باستخدام شتى الطرق الإلكترونية، والتمعّن في تبدل المميزات المذكورة في عروض الزواج للباحثين واختلاف الصفات التي يبحثون عنها ، تدلّ على معنى أعمق لا ينحصر ضمن إطار مشروع الزواج فحسب، بل يشير إلى إعادة نظر الشباب السوريين في روابطهم الإنسانية ضمن فضاءات واسعة وأطر تتيح أشكالاً مختلفة للحياة المشتركة، من المواعدة إلى المساكنة أو الزواج، وفي دول تتسع فيها التعريفات القانونية والاجتماعية للزواج والعائلة، ولا شك أن إعادة النظر هذه، وإعادة اكتشاف الحاجات النفسية والفيزيولوجية على هذا الصعيد لا تنفصل عن جوانب أخرى برزت بعد مرحلة اللجوء ككل.