حلم يقظة

 

«هل أنتِ بخير»، سألتني صديقتي؛ «طبعًا أنا بخير»، أجبت بينما أغلق جهازي الذكي لتهل صورة وجهي على شاشته السوداء، جبهتي متغضنة وملامحي ممتقعة. أعدت ضبط عضلات وجهي وحاولت أن أشغل ذاتي بشيء آخر، غير تصفح تويتر. من غير الصحي أن أقرأ أخبار عالمي الآخر بينما أنا في عالمي هنا. هذا يتعارض مع الفصل الصحي الذي يجب عليّ أن أطبقه بحذافيره لكي أنجو. 

جالت عيني في المكان بحثًا عن أدوات تسلية لدماغي أكثر لطفًا من تويتر. وقعت عيني على جهاز صديقتي الذكي. تأملت غطاءه الخارجي في يدها، وانتابني الفضول لأعرف ماذا يجري على واجهته. هل تتهدّم المنازل على حسابها على تويتر؟ هل يختنق الأطفال على حساب الفيسبوك؟ هل تظهر صور شباب معتقلين؟ هل ينقل لها واتسأب أخبار أصدقائها القلقين على إقامتهم في بلاد اللجوء؟ 

ماذا لو تبادلنا ليوم واحد حيواتنا وحساباتنا الإلكترونية؟ ماذا لو استيقظت يومًا واحدًا بكنية ألمانية وبشرة أفتح وذاكرة خالية من الحرب؟ ماذا لو استيقظت صديقتي بلغتي العربية، كنيتي الأجنبية، وذاكرة اثني وعشرين عامًا من بلد آخر؟ ماذا لو فتحت عيني وأنا أتكلم الألمانية كلغةٍ أم؟ ماذا لو كان على صديقتي أن تقلق على كل مَنْ تعرفهم من أولئك الذين يحملون جنسيتها؟ ماذا لو استيقظتْ في نفس البلد الذي امتدت فيه جذور أمي وأبي؟ ماذا لوكان بالإمكان أن يمرّ يومٌ دون أن أقلق عليهم فيه؟

ضغطتْ صديقتي بإبهامها على زر الإغلاق. صحوتُ من أحلام اليقظة وألقيتُ نظرةً إلى الساعة. إنها الرابعة. حان وقت المحاضرة.
بعد عامٍ على حلم اليقظة ذاك، وصل فيروس كورونا المستجد إلى جامعتي، وجعل فصولًا من حلم يقظتي تتحول إلى حقيقة. لسوء الحظ لم تكن بالتحديد تلك الأجزاء التي أردت لها أن تكون واقعًا.

الفيروس في الصين

وصلتُ إلى الجامعة قبل ربع ساعة من المحاضرة الأولى. دخلتُ باب الجامعة لتستقبلني الصالة الرئيسية. تفوح من الكافتيريا رائحة المخبوزات مختلطةً بالقرفة مع السكر، وتطغى على المكان لتعطيه ألقًا رومانسيًا لا ينتمي إليه. قضيت الفصل الماضي، كجزء من الدراسة، أتدرّب في الجرائد الألمانية. لم تكن لدي رغبة في العودة، بعد تجربة العمل، إلى بناء الجامعة الأصم.

«ربما الجامعة ليست بهذا السوء»، قلت لنفسي بينما جالت عيناي في المكان بحثًا عن صديقاتي. لم تته عيناي طويلًا قبل أن تقع عليهن جالساتٍ إلى الطاولة الكبيرة تحت الدرج.

صديقاتي الألمانيات، نفس الوجوه، نفس النظرة، درجة الحرارة ذاتها. وجوهٌ لامبالية كالحة بشكلٍ موحد، لا شيء يثير دهشتهن. نظرن إلي وكأنهن يُعِدنَ حلقة المسلسل للمرة السادسة عشرة بلا أي تعبيرات. «هاقد عدنا، حسبنا الله»، قلت في نفسي وألقيت تحيةً فاترةً اجتهدتُ أن تكون على نفس درجة الحرارة التي تحيط بالمكان. أن نضبط ملامح وجهنا وحرارة دمنا مع ما يتطلبه المكان مهارةٌ نطوّرها، وتساعدنا على أن نكون متشابهين ومريحين.

صديقتي المقربة تناديني من بعيد وتنقذني من الأحاديث القصيرة التي أكره. أقبلتْ من خلفي، أدرتُ وجهي وتأملتُ شعرها الذي ازداد طولًا عن الفصل الماضي وبشرتها التي اكتسبت سمرةً من شمس فييتنام وجبهتها التي صارت أعلى. ضمَّتني بحرارةٍ استعدتُ فيها بعضًا من دفء الضلوع. جلسنا معًا إلى الطاولة وحاولنا الانضمام إلى الحديث. 

«هل سمعتم أن الوفيات تجاوزت الآلاف في الصين؟» ضحكت أنتونيا قائلةً ببرود: «بكل الأحوال هناك الكثير من البشر في آسيا، لن تضرّ بعضُ الوفيات». كانت كلمات أنتونيا أشبه بتيارٍ صعقَ أعصاب صديقتي زوّي، التي قضت تدريبها الفصل الماضي في فييتنام، في آسيا. نظرتْ إلي. لمحتُ بقايا ابتسامةٍ رماديةٍ على وجهها واضطرابًا في عضلات وجهها، وسرعان ما سحبتني إلى غرفة المحاضرات لأنّ هناك ما تريد التحدث معي بخصوصه. لم تستطع زوّي احتمال «البرود» الذي قيلت به الجملة، وظنّت أنني في سنواتي الثلاث هنا لا بد وأني طورت، «كأجنبية»، استراتيجيات للتعامل مع هذه اللاإنسانية المبطنة على شكل دعابة. 

بعد ستة شهورٍ عاشتها خارج ألمانيا، بدا أن زوَي بحاجة لدروس الاندماج. يبدو أن تجربة الابتعاد تعيد تشكيل الروح وتحدث تغييراتٍ لدينا في تعريف ذواتنا وأمكنتنا. ستة شهور جعلت زوّي تحتاج إلى مشورة صديقتها السوريّة في التعامل مع أهل بلدها. ليس لدي استراتيجيةٌ في الحقيقة، ولا ردود تناسب تعليقاتٍ كهذه. كل ما لدي هو حقيقة تشرّبتُها مبكرًا، وساعدتني أن أفهم انفعالات الناس: أغلب الناس ليس لهم إلا خيالٌ متعب. فما لا يمسهم مباشرةً أو يشتت ذهنهم لايؤثر فيهم البتة. لكن ما إن يحصل حادثٌ أمام متناول أعينهم أو محيط إدراكهم حتى تجدين لحمهم قد تحوّل إلى إبر، ودمهم يغلي كعش دبابير.

توقّفُ الجامعة

ثلاثة أسابيع من الدوام والفيروس المتخفي ينتشر في العالم بسرعة رهيبة. لم نفهم كيف يلعب الفيروس وماهي استراتيجياته، ولكننا عرفنا أنه يفتك أسرع من قدرة البشر على ملاحقته، ويستعمل البشر وسوائلهم وأجسادهم في معركته ضدهم. أنهينا المحاضرة ونزلنا بسرعة لكي نحجز لنا دورًا في قاعة الطعام. تفاجأنا بلافتةٍ مكتوب عليها أنّ المكان اليوم مغلق بسبب إصابة أحد فريق الطباخين بفايروس كورونا المستجد. تبادلنا نظراتٍ تُنذر باقتراب الخطر. بعد يومين، وصلنا بريدٌ إلكتروني بأن الجامعة ستغلق أبوابها حتى ما بعد منتصف أبريل. ولسخرية القدر، كان هذا الإيميل الرهيب، بعد إيميل قبولي في الجامعة، أجمل الإيميلات التي استقرت في بريدي. نوعٌ من السكينة حل بي. ليس انتشار الفيروس هو السبب، ولكن إغلاق أبواب الجامعة.

مع بداية آذار عام 2018، كانت اللحظة المنتظرة قد أتت وتمكنت من دخول الجامعة وصفقِ باب المرحلة الكريهة؛ مرحلة تعلم اللغة، خلفي. شعرتُ بغبطةٍ شديدةٍ لحظة وصول القبول الجامعي. مع أني أعرف أني لست مُقبلةً على نعيمٍ موعودٍ أو رخاءٍ ممكن، ولكن لا أحد منا، نحن الوافدون الجدد، يحب أن يعلق في مرحلة تعلم اللغة. جميعنا نكره هذه المرحلة ونتفق على أن أجمل ما فيها هو الخلاص منها.

رغم تحذيرات أصدقائي من صعوبة الجامعة، كانت حماستي شديدةً في البداية، فما أنا مقبلةٌ على دراسته، هو مايُشعل ذهني ووجداني: الصحافة والإعلام. ورغم أن تدريس هذا الفرع في جامعتي مشهودٌ له، إلا أنني سرعان ما أُصبتُ بخيبة أمل، وسرعان ما بدا واضحًا لي أن هذا الطاقم التدريسي، صاحب مراتب الشرف والعلم، لا يستطيع تعليمي ما أريدُ أن أتعلمه. لم يكن ذلك بسبب عدم معرفتهم أو مهارتهم، فهُم، للأمانة، عظيمو المهارة وغزيرو المعرفة. ولكن بسبب أكاديميتهم وروحهم غير المثقفة. سرعان ما بدا واضحًا لي أنه، حتى في ألمانيا، إن أردتُ أن أتعلم فعليً أن أفعل ذلك رغمًا عن الجامعة وليس بفضلها. وكأنّ في المساحة ما بين الأستاذ وبيننا ثقبٌ يبتلع الطاقة، يقلب الإيجاب سلبًا والشغف واجباتٍ لا تنتهي، ننسى الهدف منها ما أن نصبح في منتصفها. بسبب التنظيم الدقيق والصيغ الجافة، كانت دروسنا عقيمةً لا حياة فيها، وجهاز تعليمنا بارد لم يتكيف مع الفرد، بل كان يطلب منا أن نتوافق مع سطوره المبرمجة، تعليمٌ يريد أن يجعلنا متشابهين.

لا يمكنني أن أقول لا 

مبكرًا، قررت أن أتعلم رغم الجامعة، ووجدت نفسي بين المحاضرات أستعمل محرك البحث لأبحث عن فرصٍ تعلمني وأساتذة وصحفيات يمكنني أن أرى بريق عيونهم، وتشحذني طاقتهم وترفعني بينما تجذبني الجامعة للأسفل. تقدّمتُ، إلى جانب دراستي، إلى الكثير من ورشات العمل والتدريبات الصحفية التي علمتني أضعاف ما كنت أتعلمه في الجامعة. وفي هذا الفصل كان لدي بالتزامن مع الجامعة برنامجا تدريب وعدد من ورشات العمل.

نزل برنامج الفصل، وقرأتُ المطلوب منّا. يبدو أن الدكاترة لم يكونوا يصلون على النبي. بالتأكيد لم يكونوا يفعلون. هذا الفصل مكثّف أكثر من كل الفصول التي سبقته. شعرتُ بخوفٍ حقيقي، ارتعدتُ لأني، مهما نظمت وقتي ورتبت أموري، فلن ألحق.

وضعت برنامجًا لترتيب المحاضرات والتدريبات. هناك تقاطعاتٌ كثيرةٌ لا يمكنني ترتيبها، كتبتُ ومحوتُ وغيرتُ وبدلتُ وكان لا بد لي أن أحذف شيئًا.

لكني لا أستطيع أن أحذف. لا أستطيع أن أقول لا، لا يمكنني ذلك. أنا القادمة من بلد انعدام الفرص، من بلد الماء الآسن والعطش، أفتح صدري وفمي لكل الماء القادم حتى الغرق، ولا أجد في نفسي القدرة على قول لا. 

لم تواتني الشجاعة، انتظرتُ قليلًا وداومت الدوام المعتاد في الجامعة على أمل أن تُحلّ الأمور من تلقاء ذاتها. 

الفيروس قال عني «لا» وأوقف الحياة وأرغمها على أن تهدأ قليلًا، وأعطاني فرصةً للتفكير في حياتي، لترتيب مسارات الركض المحموم التي دخلتها معًا. وبفضله فقط استطعت توفيقها معًا.

«المعذرة، الوضع جديد عليّ»

لم تتحقق أحلام يقظتي ولم أستيقظ يومًا لأجد نفسي أحمل اسمًا ألمانيا وأعيش تفاصيل حياة صديقتي الألمانية. لكن يبدو أن الفيروس أرغم الأخرين أن يجربوا ردائي وأن يمشوا بعض الأميال بحذائي. 

بما أنني أدرس فرعًا يتعلق بالإعلام الجديد والميديا، كان أساتذتي -لحسن الحظ- ذوي معرفةٍ ولياقةٍ أكثر من غيرهم في التعامل مع التكنولوجيا التي يتطلبها التعليم عن بعد. لكنّ الصعوبات كانت كبيرة، والتحديات أكبر. 

لا يحب الألمان الأخطاء ولا يتسامحون مع مرتكبيها، أو مع أنفسهم إذا ما ارتكبوها. يعملون بكفاءةٍ لم أرَ لها مثيلًا، ويتوقعون الكفاءة، بل ينظرون بعينٍ من عدم الارتياح والازدراء لمن لا يثبتها بأخطائه. مسننات الماكينة الألمانية لا ترحم، وتطحن كل مايمر عليها إن لم يكن مثاليًا كما يجب. 

فيروس كورونا فرض وضعًا جديدًا على الجامعة وعلى المدرسين. عليهم، في غضون أسبوعين، أن يكونوا جاهزين لنمطٍ جديدٍ من التدريس ومن التواصل لم يعتادوا عليه. وعليهم، كما كان علي قبلها، الاعتياد على الوضع الجديد. عليهم أن يرتكبوا الكثير من الأخطاء وأن يتصالحوا مع أنهم في مكانٍ آخرٍ غير ذلك اعتادوا عشرات السنوات أن يكونوا فيه، وأن على وجوههم أن تعتاد الاحمرار.

«المعذرة، الوضع جديد علي» يقول لنا أستاذنا وهو مرتبك. محمّر الوجه، نظراته تحملق في تطبيق زوم وفي الشاشة التي تبدو له كأحجية. وأنا أتخيل يديه وهي تضيع بين أزرار الكيبورد، والزمن يتسرب من بين أصابعه. وأشعر ببعض الراحة بأنْ أرى خطوات الآخرين، إلى جانب خطواتي، تتعثر.

«نحن لا نفعل هذا»

استجمعتُ قواي في العام الماضي وذهبت إلى دكتور مادة علم الاجتماع بعد المحاضرة. عرّفته عن نفسي وسألته إن كان بالإمكان، أن يرفع العرض التقديمي للمحاضرة على الشبكة قبل المحاضرة كي يكون بإمكاني الاطلاع عليها وبالتالي التفاعل مع المحاضرة والتعبير عن أفكاري. أو بعدها، لكي أتمكن من دراسة المحتوى لأن سرعتي في الكتابة لا توازي سرعته في الكلام.

مادة علم الاجتماع من أكثر المواد التي تسحرني. كانت الأفكار تلتهم عقلي لكنني أجد صعوبة في مشاركتها. أريد أن أتكلم عن إريك فروم وزيجمونت باومان وحنة آرنت؛ أريد أن أشارك ما يدور في عقلي دون أن أقضي الوقت وأنا أبحث عن الكلمات، ألاحقها تارةً وأبحث عنها في الجحور تارةً وأختلقها تاراتٍ أخرى. 

اعتذر مني الدكتور يومها، لم يذكر سببًا، وحينما استفسرت أجابني قائلًا وكأنما يتلو نصًا من كتاب مقدس: (ne, das machen wir nicht). «لا، نحن لا نفعل ذلك». سألته: هل هناك استثناء  للطالبة الأجنبية الوحيدة؟ أومأ بالنفي ناظرًا إلى ساعته.

الفيروس يحبسني في المنزل، يلاحق أحبائي كل يوم ويحرمني من فرصٍ لا أعرف إن كانت ستعود. لكن هل يمكنني أن أخفي غبطتي الشديدة وأنا أرى الدكتور اليوم مجبرًا على رفع الملفات كلها على شبكة الإنترنت بأمرٍ من إدارة الجامعة؟ هل يمكنني أن أخفي سعادتي وأنا أراه ضائعًا بين صور وجوهنا الصغيرة على الشاشة دون القدرة على تتبع المتكلم؟ ومتوسلًا لنا أن نفتح الكاميرا على أجهزتنا لكي يرى انفعالاتنا ولا يشعر بأنه يتكلم مع الحائط؟ 

خارج منطقة الراحة

جامعاتنا وأماكن عملنا مصمّمة في الغالب كبيئات عملٍ مفتوحة، تتطلب التواصل المستمر والحضور. بيئات العمل هذه مُصمّمة من قبل الأشخاص الانبساطيين وتتناسب مع طبيعتهم. بينما يعاني القسم الآخر من الناس، والذي يشكل ما يتجاوز ثلث البشرية، من هذه البيئات التي لا تحترم خصوصيتهم ولا تترك لهم المجال لكي ينعموا ببعض الانعزال الذي يحتاجونه. لا توجد في جامعتنا أماكن يمكننا أن نركن إليها قليلًا لنستعيد أنفاسنا. لاتوجد أماكن يمكن أن نجلس فيها بينما يكون ظهرنا محميًا. لا يمكنك أن تريح وجهك بين كفيك دون أن يسألك الآخرون، كل دقيقتين، إن كنت على ما يرام. 

لم تكن اللغة الألمانية ولا القواعد الصارمة ولا الكثافة في المنهاج ما يتعبني في يوم الدوام، اكتشفت ذلك بعد عامين من الدراسة؛ بل ذلك الضغط الذي يجبرنا على أن نتواصل طيلة الوقت، الشعور بأن ظهري ليس محميًا، والحاجة للتواجد في مجموعاتٍ طيلة الوقت. لم يكن بوسعي أن أحظى بالصمت الذي أرغب، بل الذي أحتاج، لأكون طبيعية. 

قبل الفيروس كان علي أن أكون لمدة ثمان ساعات أو أكثر في بيئةٍ تعاكس ما أنا عليه وما أحتاجه. لا مكان ولا وقت يمكن لي فيه أن أختلي بذاتي وأستعيد شحن طاقتي.

في المنزل اكتشفت مقدار السلام الداخلي الذي كان يغمر كياني. رغم الخوف على أحبائي والحجر الاضطراري وسيل الأخبار المرعبة وحمى التسوق. كنت، ببساطة، في المكان الذي يناسب طبيعة شخصيتي. 

وبينما كان على أصدقائي أن يعانوا وهم مجبرون على ارتداء رداء لا يناسب مقاسهم والتواجد في أمكنة لا تشبه شخصياتهم ولا تلبي احتياجاتهم، كنت أشرب فنجان قهوتي خلف مكتبي وأشعر أن إنتاجيتي أعلى من العادة. بينما كانوا يتذمرون من صعوبة التأقلم مع بيئةٍ ضيقةٍ لمدة أربعة شهور، كنت أفكر في البيئة التي كان علي أن أكون فيها طيلة سنوات الجامعة. بينما كنت أرتدي نعال الآخرين طيلة الوقت، من المريح أن يجربوا نعالنا التي لا تناسبهم ويعرفوا كم من الشاقّ أن نكون في أمكنةٍ لا تشبهنا.

بعيدًا عن الضوء.

تزامنت فصول دراستي الأولى في الجامعة مع ذروة الحديث عن موجة اللاجئين التي تقتحم البلاد، والأسلمة، والحرب الأهلية في سوريا وصعود اليمين المتطرف في أوروبا. كانت منطقتنا وما صدّرته إلى العالم «تريند»، وأزمة اللاجئين حديثنا في الصحافة وفي علم الاجتماع وفي الاستفتاءات والبيانات التي نحللها. كثيرًا ما كنت أتمنى أن أختفي بينما يتحدثون عن اللاجئين، وأن تبتلعني الأرض عندما لا أستطيع أن أعبر عن نفسي وعن الصورة الأكبر التي لا يرونها. لم يكن الصمت يرضيني ولا نصف الكلام. ولم تكن لغتي تساعدني على أن أرتجل، ولا كانت طاقتي تسعفني. أحيانًا لم أكن أستطيع أن أُطبِقَ فمي في وجه الأخطاء الفاحشة، لكني كثيرًا ما فعلت. فأنا هنا لأتعلم، لا لكي أُخرجَ سيفي من غمده كل محاضرة، ولا لكي أخوض المعارك، ولا لأغير للعالم وجهة نظره. 

الفيروس التاجي استرق الأضواء وتربع على عرش الاهتمام، وأبعدني أنا وناسي عن مركز الانتباه وبؤرة التركيز. وكم كان هذا مريحًا بعد أن عرفنا أن وجودنا فيها لا يزيد طين ما نحن فيه إلا بلةً. بعد أن أصبح الحديث عن سوريا واللاجئين «شوربة»، أراحني كثيرًا أن تصبح شوربة الخفافيش تريند العالم الجديد. 

لم أعد بحاجة لأن يعتذر مني الدكتور بعد المحاضرة «على جنب» لأنه لم يكن يعرف عندما ضرب حمص مثالًا أني من سوريا، وأنه لا يقصد الأذى. لم أعد مضطرةً إلى أن أُحرق دمي أو أن أشعر بأني أخون الحقيقة لأني لا أريد أن أدخل مع الدكتورة في سجالٍ عن استعمال الكيماوي، وعن العقلانية في بلد المجازر، والموضوعية في إعطاء مساحةٍ للرأي والرأي الآخر، لبشار الأسد والمعارضة.

انتهى الفصل غير العادي. كنت مرهقةً جدًا، ومثلي 4300 طالب و210 دكتورًا في جامعتي. الفيروس أرهقنا جميعًا، لكن جميعًا معًا. لست الوحيدة هنا التي كان عليها أن تخرج من منطقة الراحة وأن تتكيف مع الإحساس الدائم، المضني، بالدوار. لست الوحيدة التي وجدتْ «صعوبات في التواصل» وتعبتْ من حالة التنبّه التّام. ولستُ الوحيدة التي عليها أن تطلب المعذرة لأن الوضع جديدٌ عليها. لم يَعدْ أصدقائي كعادتهم إلى عالمهم الطبيعي ليسافروا حول العالم بينما أنا أتعالج نفسيًا من آثار الامتحان والضغط. وإنما كنا جميعًا معًا. متعبين. عقولنا ممزقة، خائفين على أحبائنا وعلى عالمنا الذي لن يعود إلى ما كان عليه سابقًا. منخولين ولا نريد أكثر من أن نخرج هواتفنا المحمولة عن التغطية ونغلق الأبواب في متصفحنا ونطلب من زوم، نرجوه، أن يتوقف عن العمل. 

الفيروس قلب حياتي وحياة كثير من البلدان رأسًا على عقب. في هذه الفوضى ما جعلني أشعر بالعزاء والرضا. بل عليّ أن أعترف لنفسي بأني لم أتفجّع ولم أُصدم عندما أُغلقت أبواب جامعتي، بل شعرتُ بما يشبه السكينة. لم أستيقظ لأرى نفسي بكنيةٍ ألمانيةٍ وجذورٍ ممتدةٍ في الأرض كما كنت أرى في أحلام يقظتي، ولكن الفيروس جعل الآخرين يجربون ردائي ويمشون بعض الأميال بخفيّ. لا أطيق صبرًا حتى يعود العالم وأصدقائي فيه إلى «الوضع الطبيعي» الذي لا تتآكل فيه أرواحهم من الخوف، ولا تنشدّ فيه أعصابهم بشكلٍ مستمر. لكنّي فقط أتمنى أن لا ينسوا بعدها كم كانت صعبةً تلك التجربة، وكم هو شاقٌّ أن يُحكم عليك أن تخاف على أحبّتك كل يوم، وأن تَشُدّ أعصابك إلى توترٍ عالٍ، وأن تعيش خارج منطقة راحتك إلى أجلٍ غير مسمّى.