حملات التجنيد في الغوطة: الحصار المتجدد

 

تواصلُ قوات النظام منذ نحو شهرين تنفيذ حملات للتجنيد الإجباري في المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً في الغوطة ومحيط دمشق، ويعتمد النظام في حملاته المستمرة على قوائم بأسماء شبان مطلوبين للتجنيد، تضم أولئك المطلوبين لأداء الخدمة الإلزامية، بالإضافة إلى المطلوبين لأداء الخدمة الاحتياطية ممن سبق أن أتموا الخدمة الإلزامية في جيش النظام قبل الثورة.

وتأتي هذه الحملات بعد انتهاء مهلة الستة أشهر، التي أعطاها النظام لسكان الغوطة من أجل «تسوية أوضاعهم»، بموجب الاتفاقات التي أدت إلى تهجير الرافضين للتسوية من مدن وبلدات الغوطة في آذار ونيسان الماضيين. ويبدو أن معظم الشبان الذين اختاروا البقاء في الغوطة بدل التهجير إلى الشمال السوري، لم يجدوا وسيلة لتسوية أوضاعهم بطريقة تجنّبهم الالتحاق بالجيش، ولم يتمكنوا من مغادرة مدنهم وبلداتهم.

محمد (اسم مستعار) شاب ثلاثيني بقي في الغوطة للاعتناء بوالديه، وهو يقول للجمهورية: «لا يستطيع الجميع السفر إلى الخارج، لأن تكاليف السفر مرتفعة. كما أنني أخشى الخروج من البلدة التي أسكن فيها، لأن عدداً من الشبان تم اعتقالهم عند خروجهم. أنا الوحيد الذي بقيت في سوريا من بين أخوتي، ولا أعرف ما هو المصير الذي سأواجهه».

وقد أصبح التنقّل بين بلدات الغوطة بالغ الصعوبة خلال الأشهر الماضية، خاصة أن حركة المواصلات العامة تعمل بين كل بلدة ودمشق فقط، وليس بين البلدات داخل الغوطة، وهو ما يعني أن الشبان الذي لا يستطيعون التوجه إلى دمشق، سيبقون محاصراين كلٌّ داخل بلدته. وفي الوقت نفسه، يحتاج الشبان الراغبون بالتوجه إلى دمشق إلى إذن من مدير الناحية في بلدتهم، وهم يواجهون صعوبة شديدة في الحصول عليه. يقول محمد: «النظام يحاول حجزنا في البلدات، حتى يسهل عليه القبض علينا أو تجنيدنا في جيشه».

خلال الأشهر الماضية حاولت ميليشيات متعددة، منها ما يُعرف بـ«لواء القدس»، تجنيد الشبان في الغوطة، مقابل منحهم بطاقات أمنية تسمح لهم بالذهاب إلى دمشق والتنقل دون الخوف من الاعتقال، لكن النظام عاد ليطلب بعض الشبان المنضوين في هذه الميلشيات للتجنيد الإجباري في صفوف الجيش النظامي. وإذا كان النظام يصرّ على سوق الشبان من أبناء مناطق كانت قد خرجت عن سيطرته إلى جيشه، بهدف استعادة هيمنته الكاملة وإخضاع السكان لسلطته مجدداً، فإن إصراره هذا ناتجٌ أيضاً عن الضغوط التي يتعرض لها من قبل المجندين في صفوفه، الذين لا يزال بعضهم في الخدمة منذ أكثر من سبع سنوات.

إذا كان صحيحاً أنه ليس هناك جبهات مشتعلة الآن، فإن جيش النظام يحتاج في ظلّ استمرار انتشاره في أنحاء البلاد، واحتمال اندلاع معارك جديدة في أي وقت، إلى أعداد كبيرة من العناصر، سواء لأداء مهمات قتالية مباشرة أو للانتشار في النقاط والثكنات والحواجز، أو حتى لأداء مهمات إدارية ومهمات تتعلق بالإمداد. ولا يبدو أن النظام قادر على اتخاذ خطوات فعالة لترميم النقص في أعداد عناصره، بالاعتماد على المناطق التي استمرت سيطرته عليها خلال سنوات الثورة، ولعلّ هذا ما سيدفعه إلى مزيد من التجنيد في المناطق التي سيطر عليها مؤخراً، وخاصة في القلمون الشرقي والغوطة وغيرها من مناطق ريف دمشق، حيث تتواجد أعداد كبيرة من الشبان.

أبو سليمان، وهو من مهجري القلمون الشرقي إلى إدلب، يقول للجمهورية إنه حصل على معلومات من معارفه في القلمون، تفيد بوصول قائمة تضم 1700 مطلوب للاحتياط. فيما أفادنا مصدرٌ آخر في إدلب من مهجري الغوطة أن قوائم مماثلة تستمر بالوصول إلى بلدات الغوطة، كما أن الباقين في مراكز الإيواء حتى الآن معرضون للتجنيد الإجباري في أي لحظة.

المهجرون في إدلب قلقون على ما تبقى من عوائلهم هناك، خاصةً أن خيارات الخروج من الغوطة قليلة للغاية، وهي صعبة جداً في كل الأحوال. رامي، من مهجري دوما، قال للجمهورية: «الناس هناك يحاولون التأقلم مع الأوضاع الجديدة، لكن هل تتخيل أن تعيش في بلدة مدمرة تماماً ومن دون أي خدمات حتى الآن، وأن تنتظر دورية أمن قد تقتحم بيتك في أي لحظة لتجنيدك أو اعتقالك».

لكن ما قد يكون له تأثير عميق على مستقبل المنطقة أيضاً، هو تفريغها من الشبان القادرين على المساهمة في تحسين ظروف الحياة في بلداتها ومدنها، التي تعرضت إلى تدمير شديد خلال سنوات الحصار الذي ضربه النظام على المنطقة، وخلال الحملة العسكرية الأخيرة التي استخدم فيها أقصى أنواع القصف المُدمّر لإخضاعها. يتابع رامي: «كنا نعتقد أننا رأينا كل أنواع الأهوال خلال سنوات الحصار والقصف والمعارك، لكن حجم القصف والتدمير الذي شهدناه في الحملة الأخيرة كان غير مسبوق حتى بالنسبة لنا».

على الرغم من مرور أشهر على سيطرة النظام على الغوطة الشرقية، لا يمكننا القول إن حصاره لبلداتها قد انتهى فعلاً، ذلك لأنه عدا عن تقطيع أوصال المدن والبلدات، فإنه يحاصر شبان الغوطة في أحيائهم وبيوتهم، التي لا تضمن أمانهم حتى في حال بقائهم فيها.