حوار مع جان بيير فيليو: ليس بإمكان الديكتاتورية أن «تنتصر»

جان بيير فيليو مؤرخ ومستعرب فرنسي، يعمل أستاذاً لدراسات الشرق الأوسط في معهد الدراسات السياسية وكلية باريس للشؤون الدولية، كما شغل منصب أستاذ زائر في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا وكلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون.

حصل كتابه القيامة في الإسلام (منشورات جامعة كاليفورنيا، 2011) على كبرى جوائز مؤتمر التاريخ الفرنسي. كما نشرت دار هرست (لندن) ومنشورات أكسفورد (نيويورك) كتب الثورة العربية: عشرة دروس من الانتفاضة الديمقراطية في عام 2011، وتاريخ غزة عام 2014 (والذي نال جائزة كتاب فلسطين من ميدل إيست مونيتور)، وأخيراً من الدولة العميقة إلى الدولة الإسلامية: الثورات العربية المضادة وتراثها الجهادي عام 2015. كما نشرت أعماله حول الإسلام المعاصر والعالم العربي في خمس عشرة لغة.

منذ سقوط حلب في العام الماضي، أعلن عدد من الدبلوماسيين والكتاب والمراقبين، بما في ذلك كثيرٌ من مؤيدي المعارضة السورية، «موت» الثورة السورية، أو شيئاً من هذا القبيل. هل توافق على أن الثورة انتهت وأن الأسد «انتصر»؟ وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يجب (أو يمكن) أن يقوم به الديموقراطيون السوريون في هذه المرحلة، سواء داخل أو خارج البلاد، لمواصلة الكفاح؟

تشهد سوريا عملية ثورية منذ عام 2011، رد عليها نظام الأسد بثورة مضادة لا ترحم تحت ستار «الحرب الأهلية». لم أعتقد يوماً أن بالإمكان الانتصار التام أو الانكسار النهائي في «حرب» كهذه، لكني مقتنع أن استدخال ديناميات حربية كان الفخ المميت الذي نصبه الأسد لتحويل الطاقات الثورية في اتجاه معركة يائسة من أجل البقاء. لقد أمضيت جزءً من صيف 2013 في «المحرر» في حلب، والذي كان الثوار قد سيطروا عليه قبل حوالي عام. بدا لي أن البعد العسكري للمواجهة بين حلب الشرقية «المحررة» والغربية «المؤيدة» مسألة ثانوية بالمقارنة مع الحاجة الماسة لتطوير حكم ذاتي بديل في المناطق «المحررة». لكن هذا ما حاولت قمعه الدكتاتورية ومَن وراءها مِن روسٍ وإيرانييين: إمكانية نشوء البديل. لقد ذهلتُ من محاولة الثوار «فتح» حلب الغربية خلال صيف 2016، وقد ساهمَت هذه الأوهام العسكرية في الانهيار الذي حصل في الخريف التالي. الآن لا شك أنه لا يمكن هزيمة نظام الأسد عسكرياً، لكن لم تكن لدي أوهام حول إمكانية ذلك. وبالمثل، لم أفكر يوماً أن بإمكان الدكتاتورية أن «تنتصر» لأنها لن تستعيد المدن بل الأطلال والخرائب.

في سياق مشابه، تبدو الحرب السورية اليوم، وفقاً للمراقبين أنفسهم، قد أوشكت على النهاية. ثمة فكرة دراجة اليوم على نحو متزايد بين صناع القرار الغربيين، وهي فكرة فرض انتقال ديموقراطي في دمشق من خلال تمويل إعادة إعمار البلاد. هل تجد هذه الفكرة واقعية؟ وإلا فما هي الوسائل الأنجع في هذه المرحلة لتحقيق التحول الديموقراطي؟

ينبغي أن يكون واضحاً وضوح الشمس أن نظام الأسد لا يرى في «إعادة الإعمار» سوى استمرار للحرب الوحشية التي يشنها ضد شعبه بوسائل أخرى. ليس هناك أية إمكانية للقيام بإعادة الإعمار موثوقة ومستدامة وشاملة في ظل الديكتاتورية الأسدية. أولاً لأن هذا النظام سيعتبر سكان مناطق المعارضة أعداءه، وسيمنع من هاجر منهم من العودة ويخضع من بقي. ثانياً لأن ما يسمى «إعادة الإعمار» هو السبيل الأوحد لدى نظام الأسد لتسديد جزء من الديون الهائلة التي تراكمت عليه أمام رعاته الروس والإيرانيين. إن شبكات الجريمة المرتبطة بمراكز السلطة في موسكو (أو غروزني بالنسبة للشيشان) وطهران (أو بيروت بالنسبة لحزب الله) بدأت نشاطها بالفعل في هذه العمليات المربحة للغاية. لكن على المانحين أن يفهموا لمرة واحدة أنه ليس في دمشق دولة تهتم برفاهية مواطنيها، بل نظام مهووس بحساباته الخاصة بالنهب والقمع، ونظام كهذا لن يتردد على الإطلاق في رفض أية مساعدة دولية مشروطة ولو بالحد الأدنى. لذلك لا أرى أن هناك فائدة من استخدام «جزرة» أموال إعادة الإعمار لدفع نظام الأسد لتقديم أي تنازلات. إن أية مساهمة في ما يسمى «إعادة إعمار سوريا» في ظل الظروف الحالية، تعني التواطؤ مع دكتاتورية متهمة بارتكاب أشنع الجرائم بحق شعبها.

يقوم كتابك الأخير من الدولة العميقة إلى الدولة الإسلامية على فرضية أن أهم أسباب استشراء الجماعات الجهادية مثل داعش هو استبداد وازدواجية الأنظمة العربية نفسها، ولا سيما نظام الأسد. لكن التصور الشائع في الغرب اليوم، بعد سقوط الموصل ومن بعدها الرقة، أن داعش على أعتاب هزيمة كاملة، في حين ما يزال نظام الأسد قائماً، وكذلك الديكتاتورية العسكرية التقليدية في أماكن أخرى في المنطقة، كما في مصر، أصبحت أكثر تغولاً من أي وقت مضى. هل كانت فرضيتك خاطئة إذن، أن أنك ترى أن انحسار داعش اليوم مجرد وهم أو حالة مؤقتة؟

كانت أطروحتي الرئيسية في الكتاب أن الديكتاتوريات هي التي أطلقت العنان للعنف الجهادي المنفلت، في سوريا اختياراً وفي مصر اضطراراً، وذلك للإيقاع بالقوى الثورية في تبادل إطلاق نار يضطرهم في النهاية للقتال على جبهتين.

الآن من الواضح أن انقلاب السيسي في يوليو / حزيران 2013، رغم القمع غير المسبوق الذي لم يتوقف منذ ذلك الحين، فشل من مواجهة التصعيد المتنامي من جهة الجهاديين، في البداية في شبه جزيرة سيناء والآن في عمق الأراضي المصرية. لذلك لا يستطيع القمع العسكريتاري المحض هزيمة الخطر الجهادي الذي يساهم هو في تغذيته، حتى حين يكون المتمردون الجهاديون بموازين القوى أضعف بمئة مرة على الأقل من الجيش والأمن المصري.

الوضع السوري مختلف قليلاً، فقد تلقت داعش أول هزيمة كبرى لها خلال «الثورة الثانية» التي أعلنتها القوى المناهضة للأسد في كانون الثاني 2014 شمال وشرق سوريا. لكن أولوية نظام الأسد، وبالطبع روسيا وإيران، تمثلت في سحق تلك القوات التي هزمت داعش وليس في محاربة الجهاديين. لنتذكر كيف تمكنت داعش في كانون الأول 2016 من استعادة السيطرة على تدمر، والتي كانت قد سيطرت عليها بين أيار 2015 وآذار 2016، بسبب انشغال القوات التابعة للأسد بمعركتها مع المعارضة في حلب. وقد تم طرد داعش من تدمر لاحقاً في آذار الماضي. بالمقارنة مع أول ظهور لـ «الدولة الإسلامية في العراق»، والتي أعلن عنها عام 2006 وتلقت هزائم كبيرة خلال 2007، أصبحت داعش الآن أشد بأساً وأوسع انتشاراً في الشرق الأوسط والعالم. إن العوامل نفسها التي سمحت لداعش بالعودة بعد عام 2007 ما تزال موجودة، بل أصبحت أسوأ بكثير، وأبرزها استبعاد السكان المحليين من عمليات صنع القرار.

شهدت أوروبا تحولاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حيث أخذت تبتعد عما يمكن وصفه بالعالمية والأممية والتعددية الثقافية، باتجاه مفاهيم قومية وانعزالية تقليدية، وربما عتيقة، ولا سيما بالنسبة للعلاقة المشحونة مع الغرباء والمهاجرين. هل ترى أن هذه الروح الجديدة سوف (أو بدأت) تنعكس في السياسات الأوروبية المستقبلية تجاه سوريا، وبشكل عام تجاه الشرق الأوسط؟

يمكنني استحضار مقارنة تاريخية هنا.

سيكون لـ «جدار الخوف» الذي سقط في العالم العربي عام 2011 آثار مصيرية لا تقل أهمية عن آثار سقوط جدار برلين عام 1989. لكن الأوروبيين الذين شعروا بأن مستقبلهم الجماعي مرتبط بما يحدث على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط كانوا قلّة، فبدلاً من تنظيم حراك تضامني فعال مع القوى التقدمية في الانتفاضات الديموقراطية، فضّلَ معظم صناع القرار الأوروبيون النأي بالنفس. وقد تسبب نزوعهم الضمني نحو «الاستقرار» وضد «الحرية» إلى نتائج كارثية تمثلت بموجات اللجوء والهجمات الإرهابية.

ختاماً، ذكرتَ في حديث لك مؤخراً الحاجة الماسة إلى نظام دولي أخلاقي يستند إلى قواعد واضحة، حيث شرحت كيف تسبب غياب مثل هذا النظام بالبؤس الشديد الذي تعيشه سوريا. كيف يمكن تحقيق هذا الحلم عملياً؟ كيف يمكن للمواطنين العاديين، السوريين وغيرهم، السعي نحو تحقيق ذلك؟

بالعودة إلى الإجابة السابقة، أكرر أنه ليس هناك «استقرار» حقيقي دون ضمان للحريات الجماعية والفردية الأساسية. وبغض النظر عن الكليشيهات المعتادة، الديكتاتوريات هي في الأساس غير مستقرة، أولاً لأنها تقوم على منطق «الحرب الأهلية» داخلياً، وثانياً لأن تلك الديناميات المشؤومة تعزز «تصدير» الإرهاب خارج الحدود. لقد كنتُ دبلوماسياً لحوالي عقدين من الزمن قبل انضمامي إلى الأوساط الأكاديمية عام 2006. لذلك أعرفُ بالتجربة كيف تتسبّب الخيارات الخاطئة أخلاقياً بالمزيد من المتاعب والأزمات لا أكثر. انظر إلى حصيلة سبع سنوات من السياسات «الواقعية» المزعومة في الشرق الأوسط. ملايين اللاجئين، مدن تاريخية تحولت إلى أطلال، مجتمعات بأكملها تشردت وتهجرت، مستويات غير مسبوقة من الكراهية الطائفية، اقتصادات هائمة على وجهها، أنظمة تعليم وصحة محطمة، وكل ذلك على حساب مئات مليارات الدولارات التي كان يمكن إنفاقها بشكل أفضل على مشاريع التنمية والمأسسة. هذه «الواقعية» العمياء والقاسية فقدت تماماً صلتها بواقع حياة وتطلعات النساء والرجال الذين يعيشون في المنطقة. إن المقاربة الأخلاقية هي السبيل الوحيد لإعادة التواصل مع هذا الواقع الإنساني الذي سيشكل مستقبل الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي تعني الكثير لبقية العالم.