حيض العابرات جنسياً

 

ألمٌ في أسفل البطن والظهر، تقلبات مزاجية حادة، قلق وتوتر، إرهاق، اضطرابات في النوم، شراهة في تناول الطعام، وغيرها؛ هي جميعاً أعراض لما يُعرَف بمتلازمة ما قبل الحيض (premenstrual syndrome/PMS)، التي تبدأ قبل حوالي أسبوع وقد تستمر حتى في أول أيام الطمث. ورغم أن بعض الناس يظنون أن النساء اللواتي يَحِضنَ هُنَّ فقط اللواتي يختبرنَ هذه الأعراض شهرياً، إلا أن الواقع غير ذلك، فهذه الأعراض تختبرها النساء العابرات جنسياً أيضاً بالرغم من عدم نزول الطمث، بل ويختبرها الرجال العابرون جنسياً كذلك.

«كنت بحسّ إني مش طايقة جسمي، مش طايقة حياتي، بطني وجعاني وضهري واجعني، ومش عارفة أتفاعل مع الناس، وحاسة بحالة اكتئاب شديدة ومودي بيتقلب بسرعة جداً جداً»؛ هكذا تصف مَلَك الكاشف (ناشطة سياسية نسوية وعابرة جنسياً) الأعراض التي اختبرتها بعد استمرارها في العلاج الهرموني لفترات طويلة.

«في كل مرة استمررت فيها على العلاج الهُرموني لأكتر من أربع شهور، كنت بحسّ بالأعراض»، تقول مَلَك، مضيفةً أنها في الأوقات التي كانت تتلقى علاجها الهُرموني عن طريق الحقن، كانت تشعر بهذه الأعراض بشكل أسرع من الأوقات التي تتلقى فيها العلاج بالأقراص. وبرغم ضرورة العلاج، إلا أنها وبسبب هذه الأعراض توقفت عن تناوله، لأنها لم تستطع تَحمُّلَ ما أسمته «الاكتئاب» الناتج عن تناول العلاج، في حين أنها بالأصل مريضة اكتئاب مزمن.

«مهرمنة»

بحسب خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة (NHS)، لا يوجد تفسير محدد لأسباب أعراض متلازمة ما قبل الحيض، سوى التغيرات الهرمونية التي تطرأ على الجسم في ذلك الوقت، واختلاف مستويات الهرمونات بالدم.

«ابعدي عني دلوقتي أنا مهرمنة»؛ تقول مَلَك إن هذه الجملة شائعة كثيراً في مجتمع العبور الجنسي، كثيراً ما تقولها الفتيات لبعضهنَّ للإشارة إلى التغيرات المزاجية التي تطرأ عليهنّ بعد تلقي العلاج، ومصطلح «مهرمنة» هنا عائد على الهرمونات المُسبِّبة لهذه التغيرات.

تتلقى النساء العابرات جنسياً العلاج الهرموني في مرحلة ما أثناء رحلة العبور، وبرغم أن هذا العلاج ضروري لتغير شكل أجسامهنّ، لكن التقلبات المزاجية المصاحبة له أحياناً ما تضعهنَّ في مأزق مع هذه الأجسام. تشير ملك إلى أن هذه الأوقات تجعلها تشعر أنها ليست امرأة بالكامل، وأنها مضطرة إلى تناول هذه العلاجات كي تكتمل أنوثتها. علاوة على ذلك، فتأثير هذه الهرمونات لا يزول حتى مع استمرار العلاج. «إحنا بناخد العلاج عشان أجسامنا، بس إحساس إنك عندك أزمة مع جسمك بسبب الهرمونات بِيفْضَل موجود» تقول، «حتى بعد ما جسمنا بيتغير وياخد الشكل اللي إحنا عازينه، فِضلِت أشوف إني باخد الأدوية دي عشان علاقتي بجسمي مش كويسة، وده كان بيحسسني إن أنا بلاستيك أو مش حقيقية كفاية».

أول مرة

تصف مَلَك المرة الأولى التي شعرت فيها بأعراض متلازمة ما قبل الحيض، وذلك بعد خضوعها لأول عملية خلال رحلة عبورها وبدء العلاج الهرموني، بأنها كانت لحظات من الارتباك والحيرة والترقب، مصحوبة ببعض النشوة المتعلقة باقترابها أكثر من الجسد الأنثوي الذي تبتغيه.

«كنت بَسأل نفسي، هل ده اللي بتحس بيه الستات الـ cis (متوافقات الجنس)، ولا ده إحنا حاسينه بشكل مختلف بسبب العلاج الهرموني، ولا أكتر ولا أقل. مَكُنتش فاهمة إحساسي، بس كنت حاسة كويس، لأن ده كان بيبقى مصحوب بتغييرات جسدية أنا طول الوقت بَسعى ليها وبَحِسّ إني مرتاحة لوجودها. كانت بتخليني أحسّ إني مَلَك».

تتفق مع مَلَك صديقتها شيري داوود، وهي أيضاً امرأة عابرة جنسياً، شاركتها اللحظة الأولى لبداية العلاج الهرموني: «كُنا قاعدين على نفس الكنبة لما أخدنا أول جرعة سوا»، وصولاً إلى الإحساس نفسه بالارتباك وعدم الفهم للتغيرات التي تحدث: «مَكُنتش عارفة المفروض اتبسط بِدَه ولا أتضايق. كانت أحاسيسي مرتبكة ومتلخبطة خصوصاً إن ده إحساس غريب عليكي بتحسيه لأول مرة».

ديسفوريا

يشير مصطلح الديسفوريا (dysphoria) أو اضطراب الهوية الجنسية، إلى الضيق النفسي الناتج عن التناقض بين الجنس المحدد عند الولادة والهوية الجنسية للفرد، وهو ما يطلق عليه أحياناً «الانزعاج الجندري» الذي يتعرض له الكثير من العابرات والعابرين جنسياً.

وبرغم أن تجربة الحيض مؤلمةٌ وغير مريحة، إلا أن النساء العابرات قد يشعرن في بعض الأوقات أنهنَّ في حاجة إليها حتى تُخلِّصَهُنَّ من هذا الانزعاج الذي يسيطر عليهنّ، خاصة في الأوقات التي يتلقين فيها تساؤلات مثل: «إنتي عندك رحم؟»، و«إنتي بتجيلك البيريود؟»، وغيرها من الأسئلة التي تضغط على النساء العابرات وكأنهنَّ لسنَ نساء بالكامل.

«الأسئلة دي كلها لما تفتكريها بتحسي إنك مفتقدة الإحساس ده»، تقول شيري عن إحساسها بالدورة الشهرية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن هذه التجربة مؤلمة لأصحابها، وأنه كان من المنطقي أكثر أن لا تفتقدها، إلا أنها قد تكون أساس الانزعاج الجندري الذي تمر به في كثير من الأحيان: «بتحسي ده لما بتسمعي حد بيتكلم عن الـ transition (العبور) وهو مِش ترانس أصلاً، مع إنو مش المفروض إن حد يتكلم في حاجة تخص جسمك أوي كدة».

وتشاركها الرأي مَلَك، التي بالإضافة إلى ذلك ترى أن هذا النوع من الخطاب هو الذي يستخدمه المجتمع والدولة ضد الأشخاص العابرات والعابرين جنسياً، ويضع به معايير لقبولهن/م، معتبرة أن هذه الأسئلة هي غير مشروعة بالمرة، ومؤذية لأبعد مدى للنساء العابرات: «بالرغم من إن أنا من اليوم الأول مش فارق معايا كوني ست ترانس أو أي حاجة، على قد ما كنت في وقت من الأوقات محتاجة أكون يا ست سيز (متوافقة الجنس) يا راجل سيز (متوافق الجنس)، لأن الموضوع صعب».

كما تضيف ملك أن الأوقات الصعبة التي تشاركها مع صديقاتها اللاتي يختبرنَ الحيض شهرياً، من ألم ونزيف وغيره، جعلتها تشعر في بعض الأوقات بالامتنان أنها لا تضطر إلى المرور بهذه التجربة كل شهر مثلهنّ: «الإنسان طبيعي ما بِيحبّش الوجع»، لكنها في أوقات أخرى تدرك أن أهمية الحيض بالنسبة لها تعني أنها قد تتمكن من الإنجاب في يوم من الأيام، وأن نسلها لن ينتهي، وهو ما يجعل الأمر قاسياً عليها: «أنا دِلوقتي عارفة إن أنا لما أموت هَخلَص، وده أصعب شئ ممكن أفكَّر فيه دلوقتي».

رجال يختبرون الحيض

أما حسام أحمد (شاب عابر جنسياً)، فيصف الأيام التي يأتيه الحيض فيها من كل شهر بأنها «أسوأ أيام حياته»، حيث يضطر إلى المواجهة مع نفسه في كل مرة أن جسده ليس الجسد الصحيح الذي يعبر عن هويته الحقيقية: «موضوع مزعج جداً بطريقة صعبة، حرفياً بتبقى أسوأ أيام حياتي، ببقى حاسس إني نفسي أموت، حاجة مش عايزة أعيشها، مش حاسس إنها بتاعتي، مش حاسس إن ده ينفع يحصلي».

لكن برغم الألم، يشير حسام إلى أن مروره بتجربة الحيض شهرياً جعلته أكثر تعاطفاً مع النساء، لأنه حرفياً يشعر بمعاناتهنّ كل شهر؛ يمرّ بنفس الألم؛ يختبر الأعراض نفسها؛ يتعامل مع الطمث بشكل مباشر وحقيقي، وهو ما جعله أكثر تقديراً للنساء وصعوبة حيواتهنّ، إلا أنها تظل في النهاية بالنسبة له «تجربة سيئة بكل المعاني»، تُسبب له «أذى نفسي فظيع، بحس وقتها إني مش حابب الحياة ومش عايز أَكمِّل».

ألم مضاعف

تعرَّضَ حسام للاعتقال في مصر على ذمة القضية رقم 1739 حصر أمن دولة في شباط (فبراير) 2019، على خليفة المشاركة في الاحتجاجات التي أعقبت حادث انفجار محطة السكك الحديدية المصرية الذي عرف إعلامياً بـ «حريق محطة مصر».

وبما أن الدولة المصرية حتى الآن لم توفر أماكن احتجاز خاصة بالعابرات والعابرين جنسياً، ولأن أوراق حسام الثبوتية ما زالت تحمل النوع (أنثى) على عكس هويته الجندرية الفعلية، فقد قضى فترة احتجازه بالكامل، التي تجاوزت 19 شهراً، في حجز النساء بقسم عابدين في محافظة القاهرة، وهي الفترة الأسوأ في حياة حسام، بِحسبه؛ حيث فوق مرارة الحبس ووجوده، كانت فترة الحيض من كل شهر تُسبِّبُ له ألماً نفسياً أكبر بكثير من الألم العضوي والأعراض الجسمانية التي يمر بها.

«وقتها كرهت نفسي، خصوصاً إن أنا اضطريت أمر بالتجربة دي داخل السجن كل شهر لمدة 17 شهر، لأن كان ممنوع يدخلي العلاج الهرموني»، يقول حسام موضحاً أن العلاج الهرموني يساعد في انقطاع الحيض عنه، ويزيل عنه بعض الألم النفسي المرتبط به، وهو ما لم يستطع أن يستمر فيه طوال فترة الحبس بسبب الإجراءات الأمنية، التي منعت دخول الحُقَن له تاركة مصيره للمعاناة متعددة الأبعاد.

بالإضافة إلى ذلك، كان حسام يرى نظرة الدهشة والتعجّب في أعين كل من حوله: «كانت شئ غريب جداً بالنسبة لكل اللي حواليا، في النهاية هما شايفين راجل بتجيله البيريود!»، ويضيف الشاب الذي استمرَّ في محاولات مستميتة طوال فترة حبسه أن يخفي الأمر عن رفيقاته في الحبس دون جدوى: «كل شهر كنت بحاول أداري الموضوع، بس مَكُنتش بعرف غالباً، فكُنت ببقى في حالة سيئة جداً، شمال يمين الناس بتعرف، وده بيأذيني نفسياً جداً. مكنتش بحس إني ناقص رجولة قُدّام نفسي بس، لكن كمان قُدّام الناس؟!».

«تجربة البيريود مع السجن كانت مؤلمة جداً، لأن أنا لما حاجة زي دي تحصلي وأنا راجل مَببقاش عايز حد يعرف ده، فبالتالي ده شئ صعب جداً تداريه في حجز النساء في قسم عابدين، اللي قضيت فيه الفترة كلها»، يروي حسام الذي خرج من حبسه بعد قرار إخلاء سبيله في أيلول (سبتمبر) 2020.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الناشطة والعابرة جنسياً مَلَك الكاشف كانت قد اعتُقِلَت على ذمة القضية نفسها التي اعتقل فيها حسام، وقضت فترة حبسها بالكامل داخل سجن طرة للرجال، وهو ما دعاها عقب خروجها للتقدم بدعوى قضائية ضد وزير الداخلية لامتناعه عن تخصيص مقار احتجاز للعابرات والعابرين جنسياً داخل السجون وأقسام الشرطة، إلا أن محكمة القضاء الإداري رفضت الدعوى في حزيران (يونيو) 2020، ليبقى الوضع كما هو عليه.