حين يستاء سوريون من تجنيس سوريين!

 

شكّلت عملية إيقاف ملفات تجنيس فئة من السوريين، الذين كان قد تم ترشيحهم لنيل الجنسية التركية في فترات سابقة، صدمة كبيرة بدّدت أحلامهم وأضاعت صبر شهور طويلة أملاً بالحصول على الجنسية، وضاعفت مشاعر الاستياء والظلم لدى شرائح واسعة من السوريين اللاجئين في تركيا.

فما أسباب قرار إيقاف «الملفات العالقة» الذي صدر في 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، ومن هي الفئة المستهدفة؟

للوصول إلى الإجابة علينا أولاً أن نسرد حكاية تجنيس السوريين، التي أضحت اليوم واحدة من أكثر المواضيع الشائكة إثارة للسجال والحيرة، ليس داخل المجتمع التركي وأحزاب المعارضة فحسب، بل وبين اللاجئين السوريين أنفسهم أيضاً.

فمنذ ما قبل صدور قرار الإيقاف، كان ملف «الجنسية الاستثنائية» مثيراً للحساسية المفرطة داخل الأوساط السورية المقيمة في تركيا، نتيجة الآلية التي تم اعتمادها في منح الجنسية الاستثنائية، والتي تشترط توفّر الشهادة الجامعية لدى طالب الجنسية.

ديديم دانيش، الأستاذة في جامعة غلطة سراي التركية، وخلال مشاركتها في المؤتمر الدولي للاجئين السوريين الذي انعقد في إسطنبول، نهاية شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، قالت: «تشكّلت حالة من الاستياء الملحوظ بين السوريين، ومن بينهم أكاديميون، نتيجة شعورهم بالظلم والغبن». وتطرقت دانيش بعد ذلك لتصريح وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، الذي أشار آنذاك إلى أن ما يقرب من 93 ألف سوري حصلوا على الجنسية التركية، ثم تساءلت باستغراب: «لماذا لم تستخدم الحكومة المعايير المتعارف عليها دولياً لمنح الجنسية، كسنوات الإقامة أو الولادة أو الزواج أو غير ذلك؟».

البدايات؛ عشوائية المعايير وفوضى الترشّح

مع حلول العام 2016 بدأت فروع إدارة الهجرة التابعة للولايات التركية بالاتصال المباشر، وإرسال رسائل نصية، إلى أرقام هواتف نحو 7000 لاجئ سوري، تبلغهم من خلالها بترشيح أسمائهم لنيل الجنسية التركية الاستثنائية، طالبة منهم مراجعة الفروع لتأكيد موافقتهم واستكمال أوراق التجنيس.

وتستند آلية منح الجنسية الاستثنائية إلى القانون التركي رقم 5901 المادة 12، الذي ينصّ على: «إن الأجانب المشار إليهم أدناه بإمكانهم الحصول على الجنسية التركية بقرار من مجلس الوزراء بناءً على اقتراح من الوزارة المختصة، ولكن على أن يكون المتقدم ليس لديه أي عائق في احترام الأمن القومي و النظام العام.

  • الأشخاص (الأفراد) الذين جلبوا المنشآت الصناعية إلى تركيا أو الذين سيقدّمون لتركيا في المستقبل الخدمات في المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والثقافية والفنية، والذين برهنوا على عروضهم للوزارة ذات الصلة.
  • الأشخاص الذين يُعتبر تجنيسهم ضرورة.
  •  رجال الدين ممّن يعرّفون بـ (مهاجرين)».

أغلب من شملتهم الدفعة الأولى من المرشحين آنذاك كانوا من فئة المعلمين المتطوعين في المدارس السورية المؤقتة، نتيجة تنظيم قوائم بأسمائهم لدى مديريات التربية التركية بناءً على بيانات بطاقات الحماية المؤقتة، الكيملك.

وسبق ذلك أن قامت تلك المديريات بطلب أسماء المعلّمين القائمين على رأس عملهم، مع ذكر اختصاصاتهم، من إدارات المدارس السورية المؤقتة بهدف ترشيحهم للجنسية. وكانت المدارس آنذاك تُدار من قبل مستثمرين وممولين سوريين لقاء أقساط يدفعها الطلبة السوريون. وقد قام أولئك المديرون برفع لوائح بأسماء معلمين ومعلمات، تَبيّنَ لاحقاً أن بعضهم كانوا من حملة الشهادة الثانوية أو المعاهد المتوسطة، وغابت أسماء بعض حاملي الشهادات الجامعية عن تلك اللوائح لأسباب لم تُفصح عنها إدارات المدارس في ذلك الوقت.

سلمان عبد الكريم، أحد المدرّسين الذين تم إسقاط اسمهم عن لائحة مدرسته ليُفاجأ لاحقاً بأن غالبية زملائه في المدرسة تم ترشيحهم لنيل الجنسية؛ يقول: «بقيت أنا واثنان من زملائي الجامعيين خارج التجنيس في الوقت الذي نالت فيه الجنسية زميلتان تحملان الثانوية العامة، وكانتا تعملان كمشرفتين في روضة المدرسة، وتجمعهما صلة قربى بأحد مموليها الذي نال هو الآخر الجنسية رغم افتقاره أيضاً للشهادة الجامعية».

أمّا المعلمة بدرية العباس، الحاصلة على الجنسية التركية عبر الدفعة الأولى، فتبدي استغرابها من حصول أشخاص غير جامعيين على الجنسية التركية بالرغم من «وضوح معايير الحكومة التركية في منح الجنسية التي تشترط وجود شهادات الليسانس وما فوق».

ومن بين ما يقرب من 12 ألف و800 مدرّس، لم يتم الاتصال بنحو 45% من ذوي الشهادات الجامعية والقائمين على رأس عملهم، وبقوا خارج الترشّح في تلك الدفعة.

صدرت أسماء مرشحيّ الدفعة الثانية في أواخر العام نفسه لتشمل جزءاً ممن سجّلوا شهادتهم الأكاديمية في دائرة الهجرة وقاموا بتحديث بياناتهم فيها، من أطباء ومهندسين وحقوقيين، وفئة قليلة من المعلمين الذين لم تحالفهم الظروف في الدفعة الأولى. كما شملت الدفعة أيضاً فئة واسعة من الحاصلين على أذونات وإقامات العمل في شتى المهن والتخصصات، عبر ترشيحهم من قبل وزارة العمل، فيما حملت وزارة الصحة التركية على عاتقها رفع أسماء كوادر الأطباء والممرضين السوريين، ممن تعاقدت معهم داخل المشافي والمراكز الصحية الحكومية.

وبحسب تصريحات وزير الداخلية التركي، فإنه حتى شهر آذار (مارس) من العام الجاري 2019، بلغ عدد المجنسين من حملة الشهادات العلمية أقل من عشرة آلاف شخص، من أصل أكثر من 76 ألفاً كانت قد صدرت قرارات تجنيسهم حتى وقت إطلاق الوزير لتصريحاته تلك. وما يزال منح الجنسية الاستثنائية مستمراً حتى اليوم عبر هذه الآليات، إلا أن أعداد المرشحين أخذت بالتقلّص شيئاً فشيئاً بحلول العام 2019 في بعض المناطق والولايات، وخصوصاً في إسطنبول التي تشهد مؤخراً حملة ترحيل السوريين إلى ولاياتهم المسجلين فيها.

الجنسية العشوائية تطرق أبواب طلبة الجامعات أيضاً

مع بداية العام 2017 أضيفت قوائم الطلبة السوريين المسجّلين في الجامعات التركية إلى ملفات التجنيس الاستثنائي، ونال قسم منهم الجنسية التركية.

اللاجئ أمجد الساري هو أحد الطلاب المرشحين لنيل الجنسية الاستثنائية منذ شهر شباط (فبراير) 2019، ويتابع دراسته اليوم في السنة الثانية بقسم التلفزيون والسينما في جامعة «نيشان تاشه» الخاصة في إسطنبول. ويرجّح أمجد أن غالبية من تم ترشيحهم هم الطلبة المسجلين ضمن الجامعات التركية الخاصة، مستنداً بذلك على إفادة موظّف التجنيس حين راجعه لاستكمال الأوراق، إذ قال له؛ «يبدو أن جميع طلاب جامعتكم قد تجنّسوا»، وأضاف أمجد: «نسبة كبيرة من زملائي المسجلين في الجامعات الحكومية لم يتم ترشيحهم، ومنهم من تخرّج مؤخراً والبعض على أبواب التخرج».

يستبعد أمجد أن تكون هنالك أية شروط أو معايير تؤهّل الطالب لنيل الجنسية؛ «أعرف زملاء في العديد من الجامعات تم ترشيحهم بمجرد تسجيلهم وبدء دوامهم بمختلف الاختصاصات، وآخرون لم يسعفهم الحظ، وهناك طلاب حصلوا على الجنسية ولم يكملوا حتى دراستهم الجامعية وتركوها بعد حصولهم على الجنسية». كما يستبعد الساري أن تتخطى نسبة المجنسين من طلبة الجامعة الـ 40% رغم كل الشائعات التي تتحدث عن وصول النسبة إلى أكثر من 80%.

أما ماجد سليمان، الطالب في السنة الثانية بجامعة «ماردين أرتكلو»، والذي لم يُرشّح اسمه للتجنيس حتى اللحظة، فيؤكّد بأن «نسبة المجنسين من الطلبة المسجلين في جامعات ولاية أورفا وهاتاي ومرسين قد تخطوا الـ 80%، وهي تقارب نسبة المجنسين السوريين من خارج الجامعة في تلك الولايات، وغالبيتهم لا ينطبق عليهم معيار الشهادة الجامعية».

منظمات وجمعيات تحظى بتجنيس أعضائها

لاحقاً راحت منظمات مجتمع مدني وجمعيات سورية ناشطة في تركيا تصدر قوائم خاصة بأعضائها وناشطيها وموظفيها، وترفعها بصورة مباشرة أو عبر الوزارات والدوائر التركية، إلى مديرية الهجرة لتشملهم كذلك آلية التجنيس الاستثنائي، بالرغم من افتقار العديد من أعضاء ونشطاء تلك الجمعيات للشهادة الجامعية.

التمييز بين السوريين: إجحاف وإحباط وملفات عالقة!

«على الرغم من مبالغات أحزاب المعارضة المعهودة لتحميل الحكومة المسؤولية، إلا أن ما تحدثت عنه دانيش بما يخص حالة الاستياء المثارة بين السوريين أنفسهم نتيجة التجنيس، هو كلام في منتهى الدقة، لكن المسؤولية لا تقع كلها على عاتق الحكومة التركية، وإنما على السوريين أيضاً».

بهذه العبارات يستهل حسين خليل حديثه، الذي يشرح فيه تفاصيل أهمّ الإشكالات التي تواجه ملف التجنيس الاستثنائي، والتي «ساهمت بإفرازها مختلف العوامل الاجتماعية والسياسية والقانونية والثقافية وحتى الأخلاقية» حسب وصفه. ويُعدُّ خليل، وهو أحد المجنّسين القدامى، من النشطاء البارزين في متابعة قضايا وملفات تجنيس السوريين، نظراً لطبيعة عمله الخاص بالترجمة والإعلام ضمن دوائر الهجرة ومكاتبها.

الإشكالات المسببة لحالات الاستياء، بحسب رؤية خليل، موزعة على فئتين: الأولى هي فئة السوريين الذين تنطبق عليهم كافة معايير التجنيس الاستثنائي دون نيلهم فرصة الحصول على الترشيح؛ والثانية تتمثل في الذين تم ترشيحهم لنيل الجنسية منذ البداية، وما تزال ملفات تجنيسهم عالقة في المرحلة (الرابعة)، أو ما يطلق عليها مرحلة «الدراسة الأمنية».

ويشير خليل إلى أن «أفراد الفئة الأولى يشعرون بالظلم والإجحاف لعدم ترشيح وزارة الداخلية لهم، أسوة بزملائهم ممن ترشحوا للجنسية أو حصلوا عليها، ناهيك أن بعضهم يفتقر أصلاً لوجود المؤهل الجامعي. أما أفراد الفئة الثانية فيسكنهم القلق والخوف الدائم من عدم الانتقال إلى بقية المراحل، وفقدان حقهم بنيل الجنسية».

الحقوقي سعد الإبراهيم من أفراد الفئة الأولى، وهو يُعبّر عن استيائه حيال ما يصفه بـ «الانتقائية الظالمة» في آلية التجنيس، مضيفاً: «لا أقصد بأن هذه الانتقائية ظلمٌ شخصيٌ بحقّي، ولكن كلما نظرتُ إلى أحد طفلَيّ لا أنفكّ عن التساؤل: أين الحق والعدل في حصول أبناء زميلي على الجنسية عبر أبيهم الذي قدم من دمشق ودخل تركيا عبر المطار منذ أقل من عام، في الوقت الذي يُحرَم فيه طفلايّ من هذا الحق؟ رغم أنهما ولدا هنا في تركيا، وأيضاً بالرغم من أنني دخلت كلاجئ منذ 7 سنوات، وشهادتي أعلى مرتبة من شهادته».

يعلّق خليل على الحالة الأخيرة فيقول: «شعور السيد إبراهيم، ومعه كل الحق، لا يلبث أن يتحول تلقائياً إلى حالة من العداء والكراهية تجاه زميله السوري من جهة، وتجاه المؤسسة التي ظلمت أطفاله وحرمتهم من حق المساواة من جهة أخرى».

يستعرض خليل بعض الأسباب التي تؤثر على آلية الترشّح دون أن ينتبه لها كثيرون من اللاجئين، منها مثلاً تغيير رقم الهاتف أو تغيير عنوان السكن دون إبلاغ الهجرة بذلك، إضافة إلى إهمال تسجيل العنوان في دائرة النفوس، وعدم تحديث البيانات في دائرة الهجرة، والتأكد جيداً من تسجيل الشهادة الجامعية، لأن بعض موظفي الهجرة يتظاهرون بتسجيلها للأسف، وهذا ما يدفع كثيرين للتشكيك في آلية الترشيح.

أما ما يتعلّق بالفئة الثانية، وتعليق ملف التجنيس في المرحلة الرابعة، وهي المرحلة التي تتوسط مراحل التجنيس السبعة التي يمرّ بها ملفّ المرشحين، فتوجد أسباب كثيرة، أهمها: ارتكاب صاحب الملف لجرم يحاسب عليه القانون مهما صغر، وهذا يتم بمجرد عرض الملف على المؤسسات الأمنية والقضائية خلال المرحلة الرابعة، أو أن يكون المرشح خاضعاً لاستجواب أو محاكمة، أو اكتشاف وجود غرامة مالية غير مدفوعة، بالإضافة أيضاً إلى تغيير مكان السكن أو عدم وجود المرشح في المنزل أثناء مراجعة الشرطة، أو نقص في أوراق التجنيس أو عدم تسجيل أحد المواليد الجدد أو اكتشاف وثيقة مزورة من بين الأوراق المقدّمة في الملف.

وينوّه خليل إلى أن السلطات المختصة ليست من عادتها إخبار الشخص بتعليق ملفه أو رفض التجنيس، مضيفاً أنه في حال تأخر الملف لأكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر، فمن الأفضل أولاً مراجعة قسم الشرطة التابع للحي والسؤال عن الملف. ويشير أيضاً إلى أن حالات إهمال الملف أو نسيانه أو ضياعه واردةٌ جداً.

أسباب أخرى كثيرة ومختلفة تتسبب في تعليق الملف، حسب خليل، ولا ينفي أبداً أن يكون بعضها راجعاً لمزاجية الموظف المسؤول، كأن يكون عنصرياً أو تابعاً لفئة مناوئة للحكومة أو أن يكون فاسداً، وحصل أن أُهملت ملفات في أكثر من مكان.

إلا أن المفاجئ في الأمر هو ما حصل مؤخراً من إيقاف وإزالة تلك الملفات العالقة من نظام دوائر التجنيس، ومعظمها مرّ عليها أكثر من عام أو عامين دون انتقالها إلى المرحلة الخامسة. وجرى ذلك دون صدور أي بيان أو تصريح من الدائرة ذات الصلة لشرح الأسباب والدوافع، أو إذا ما كان هذا التوقيف نهائياً أم مؤقتاً.

ويقدّر أحد المتابعين لمعاملات التجنيس وخطواته عدد من شملهم إيقاف الملف بأكثر من 50 ألف مرشّح، ويعلّق بالقول: «أغلب الظن أن إيقاف ملفاتهم العالقة وإزالتها هو بمثابة قرار ضمني برفض تجنيسهم، على الرغم من خلوّ بيانات عدد كبير منهم من أيّة مخالفة قانونية تُذكر».

ويطمح غالبية السوريين اللاجئين في تركيا للحصول على جنسيتها منذ إعلان فتح باب الجنسية الاستثنائية، وخاصة بعد فقدانهم الأمل في العودة إلى بلادهم، نتيجة التغيّرات التي طرأت على السياسة الدولية حيال أزمة سوريا ما أدّى إلى استمرار وجود نظام الأسد في السلطة، بهدف الحصول على حقوقهم كمواطنين في تركيا، والتخلّص من القيود المفروضة عليهم كلاجئين، مثل منعهم من التنقل داخل تركيا إلا بموجب إذن سفر مؤقت، وحاجتهم الماسة للعمل وتأمين أمورهم الحياتية بالشكل المقبول.

ولعل من أشدّ الأسباب التي تدفعهم لطلب الحصول على الجنسية هي رغبتهم في تسجيل وتقييد أبنائهم الذين ولدوا داخل تركيا، وباتوا اليوم بحكم «المكتومين».