حيّ غويران: من فصول مأساة المعتقلين-المفقودين

 

بدأت الأنباء المُفجعة ترد إلى حي غويران في مدينة الحسكة منذ نهاية شهر تموز الماضي، إذ وصلت إلى دائرة الأحوال المدنية (النفوس) قائمةٌ كبيرةٌ تضمّ أسماء معتقلين ومفقودين قضوا في سجون النظام، وكان على الأهالي المفجوعين بفقدان أبنائهم في سجون النظام أن يعيشوا محنة الاضطرار للذهاب إلى السجل المدني واستخراج «قيد نفوس» لابنهم، فإن تمّ منحهم هذه الوثيقة فهذا يعني أن ابنهم ليس في قوائم الموت القادمة إلى الحسكة؛ أما في حال ورود اسمه في القوائم فإن ما سيتلقّونه هو شهادة وفاة، ليُطلب منهم تثبيتها عبر المحكمة. وحسب الشهادات التي استلمها ذوو المعتقلين، فإن أسباب الوفاة المذكورة هي من نوع صدمة سكّري، أو ذبحة صدرية، أو نوبة ربو حادّة، وفي بعض الأحيان تنفيذ أحكام إعدام بعد محاكمات ميدانية. في كلّ الحالات، وعلى غرار مناطق أخرى من سوريا، لا معلومات موثّقة عن مكان الوفاة وموعدها، ولا يتم تسليم الجثامين. 

انتشرت بيوت العزاء في الحي، الواقع تحت سيطرة قوات سوريا الديموقراطية حالياً، دون أي صخب، وخلال عشرة أيام وصلت أسماءٌ لخمسين شهيداً في منطقة لا تتجاوز شارعين في الحيّ.

حيّ غويران هو أحد الأحياء الكبيرة في مدينة الحسكة، شهد منذ بداية الثورة حراكاً مدنياً وتظاهرات، وعُرِفَ ملجأً للنشطاء والمنشقين الهاربين من النظام. استمرَّ الحراك فيه بشكل منتظم وحاشد حتى مداهمة الحي من جانبيه الشرقي والغربي، حين شنّ النظام حملات اعتقال ضخمة طالت أبناءه داخل وخارج الحي. المداهمة الأولى طالت 350 من أبناء الحي بقي مصير معظمهم مجهولاً، وتبعتها عدة حملات أخرى على فترات حتى عام 2012، عندما بدأ العمل المسلح ضمن الحي ضد قوات النظام.

لاحقاً، شهد الحيّ سيناريو مشابهاً لما حصل لاحقاً في باقي المدن السورية، إذ أُجبِرَ مقاتلو الجيش الحرّ على الخروج منه بعد حملة عسكرية قامت بها قوات الأسد في آب 2014، تخللها قصف مدفعي وغارات جوية أسفرت عن مقتل العديد من أبنائه، وتمّت الهجمة بمساعدة من وحدات حماية الشعب، التي كانت قد سيطرت على أحياء في الحسكة، وذلك بذريعة أن المقاتلين هم جزء من تنظيم داعش. وبعد مفاوضات تمّت آنذاك بوساطة الائتلاف السوري المعارض وفصائل الجيش الحرّ المتواجدة في الحيّ، أُجبر المقاتلون على الخروج منه باتجاه الجنوب نحو المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش، بعد رفض وحدات حماية الشعب وقوات الأسد نزوحهم باتجاه الأجزاء الخارجة عن سيطرة النظام في المناطق الأخرى من الخارطة السورية، ليُقتل كثير منهم، ومن بينهم منشقّون عن قوات النظام، على يد داعش بتهم «الردة» والانضمام «للصحوات».

تزامناً مع تلك الحملة، تمّ اعتقال عدد من أبناء الحي النازحين إلى أحياء أخرى في الحسكة، منهم من تم اعتقالهم على يد قوات الدفاع الوطني حيث يسيطر النظام، ومنهم من اعتُقل على يد وحدات حماية الشعب، وتم وضعهم في نقاط تجميع وتسلّمتهم قوات النظام منها.

لم يكن أمام المئات من أبناء الحي سوى التواصل مع النشطاء، والمناشدة بأن يتم الضغط على وحدات حماية الشعب (العماد الأساسي لقسد حالياً) لتقوم بإغلاق ما سُمّي «طريق الموت»، الطريق الذي يربط مدينة الحسكة بالقامشلي، والذي يستخدمه النظام لنقل المعتقلين والحصول على الدعم العسكري من فوج طرطب المتواجد بالقرب من القامشلي، إضافة لمطار القامشلي، الذي يعتبر الشريان الأساسي لقوات النظام في المنطقة.

يخضع هذا الطريق، بفروعه كلها، لسيطرة وحدات حماية الشعب منذ بداية العام 2012، وتمرّ عبره جميع القوافل والمركبات المتجهة شمالاً من مدينة الحسكة، إضافة للمركبات التي نقلت آلاف المعتقلين.

عندما يتمّ اعتقال أحد في مدينة الحسكة أو ريفها من قبل قوات النظام، يتمّ نقله لاحقاً في قوافل النظام التي تعبر الطريق، متجاوزة حواجز وحدات الحماية، وأبرزها حاجز القرميد وحاجز مفرق عامودا، إلى أن تصل إلى فرع الأمن العسكري في القامشلي. وبعد ذلك، في الغالب، سيتم نقل المعتقل في طائرة إليوشن، التي تقلع عادةً ثلاث مرات شهرياً من مدينة القامشلي إلى دمشق، ليتم احتجاز المعتقل في أحد أفرع أمن النظام أو سجونه.

يروي (رامي – اسم مستعار) للجمهورية، وهو أحد أبناء الحي، ما حصل لأخويه بعد أن تلقى مؤخراً نبأ استشهاد أحدهما: «اعتُقل أخي في 22 آب 2014 تزامناً مع الحملة العسكرية على الحي أثناء نزوحه إلى حي النشوة جنوب المدينة، وتم ترحيله في اليوم نفسه إلى مقر الأمن العسكري في مدينة القامشلي، ومن ثم تلقينا مؤخراً نبأ وفاته من دائرة الشؤون المدنية، وقد تم تسليمنا ورقة مختلفة عن القوائم الأخرى، تتضمن أنه أقرّ بالتهم الموجهة إليه وتم إعدامه في سجن صيدنايا في أول أيام عيد الفطر من سنة 2018».

أما المعتقل (قصي – اسم مستعار)، فقد تلقت أسرته نبأ مقتله تحت التعذيب، واضطُر والده، تحت ضغط النظام، أن يوقع على استلام شهادة وفاة تقول إنه توفيّ نتيجة ذبحة صدرية. ويروي أحد أقاربه للجمهورية أنه كان يبلغ من العمر 19 عاماً، وتمّ اعتقاله من قبل فرع الأمن العسكري، ثم أُفرج عنه بعد أشهر ليعود إلى منزله لمدة أربع ساعات فقط، ثم تعتقله بعدها دورية دفاع وطني كانت قد داهمت الحيّ، ويُنقل لاحقاً إلى القامشلي ومن ثم إلى سجن صيدنايا قرب دمشق.

حال هؤلاء مشابهٌ لحال 750 معتقلاً -حسب ما علِم الأهالي من تسريبات السجلّ المدني- وصلت أسماؤهم في الآونة الأخيرة إلى حي غويران، ويتم الإعلان عن دفعاتٍ منها بشكل يومي. ويتوجّه لوم نشطاء وأهالي ضحايا بشكل كبير إلى وحدات حماية الشعب، إذ سمحت بمرور قوافل المعتقلين عبر أراضٍ تسيطر عليها، ولم تعرقل عمل هذه الآلية القاتِلة، ويجد الأهلي أنفسهم وحيدين أمام هذا الواقع، في ظلّ غياب أطرافٍ سياسية وحقوقية تتبنّى قضيتهم وتضغط باتجاه وقف هذه الانتهاكات.