خالد الأحمد: المستشار المنفي

 

قد توجد تشابهات بينه وبين بشار الأسد، فهو سوري قومي لأبٍ قيادي في حزب البعث، يتقن الإنكليزية ويشتم المؤسسات العفنة للدولة السورية، وعينه على السلطة. وقد ذاق طعم السلطة فعلاً لأعوام بعد بدء الثورة في سوريا. على دماء ضحايا النظام صنع مجده الخاص، وباستخدام مصطلحات مربكة ونشاطٍ سري وعلاقات غير رسمية أصبح المستشار المقرَّب، ثمّ المنفي، لكن بالتأكيد ليس المتقاعد، فنشاط خالد الأحمد في أربعينات عمره «يفوق نشاطه في العشرينات» كما يقول. 

ولدَ خالد عبد الله الأحمد عام 1980 في مدينة حمص، لأبٍ كان قد أُزيحَ قبل أشهر قليلة من عضوية القيادة القطرية لحزب البعث بعد قرابة عشر سنوات من تسلمه لذلك المنصب، لينشأ خالد محاطاً بذكريات المجد الغابر، الذي لم يكن استبداله برئاسة منظمة طلائع البعث تعويضاً كافياً. على أي حال، سيكبر خالد خلال الثمانينات محاطاً برعاية خاصة من إخوته الأكبر، الذين كان من بينهم أُستاذا جامعة من خريجي كليات المعسكر الشرقي والاتحاد السوفييتي. لكن الوقت تغير لاحقاً عندما أصبح خالد في سنّ دخول التعليم العالي، إذ أصبحت اللغة الإنكليزية التوجه الرائج عندها. لم يَمِل خالد إلى الإيديولوجيا التي يلّقنها حزب والده ومنظماته، ليتوجَّه الشاب نحو الحزب السوري القومي ضمن الهوامش التي بدأت تتسع أمام هذا الحزب ومناصريه منذ بدء تسلم بشار الأسد مهامه كوريث لأبيه منتصف التسعينات.

في سنته الرابعة من الجامعة، وقُبيلَ دخوله الامتحان النهائي، توفي والده عبد الله الأحمد نتيجة حادث سير قرب مدينة حمص، لكنّ خالد كان قد وضع قدمه على بداية الطريق بالفعل في ذلك الوقت، ثم تابعَ صعوده بعدها بالتدريج. وقبيل انطلاق الثورة السورية كان قد أصبح ضمن حلقة مقربة من رأس النظام السوري، منتفعاً في طريقه هذا من علاقاته ضمن الحزب السوري القومي، ومن عوامل أخرى قد يكون من بينها حضور والده ضمن حلقة السلطة الرسمية لفترات طويلة والعلاقات التي نسجها خلال ذلك الوقت. ذلك بالإضافة إلى تحدّثه الإنكليزية بطريقة جيدة، ما سمح له بتكوين علاقات عديدة مع صحفيين أجانب، يبدو أن واحدة منها ستساعده للغاية عند انطلاق الثورة في سوريا عام 2011.

 بعد عام على انطلاق الثورة، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مراسلات مسربة من البريد الإلكتروني الشخصي لبشار الأسد، أبرزت عدداً من الأسماء التي جاء بعضها مفاجئاً باعتبار أن أصحابها من خارج الحلقة التقليدية المعروفة التي تحيط بالنظام، والتي تضمّ قيادات الأجهزة الأمنية والسياسية، وانضمّ إليها لاحقاً في عهد بشار الأسد رجال أعمالٍ ومحاسيب من خارج الهرمية التي صنعها حافظ الأسد. لكنّ الذين جاءت أسماؤهم في التسريبات ليسوا كسابقيهم، بل ظهروا كمستشارين يعطون رأيهم في قضايا بالغة الحساسية بالنسبة للنظام، ومن أبرز تلك الأسماء خالد الأحمد، الذي أعطى استشارات أمنية وسياسية لبشار الأسد. كان الأحمد أيضاً صلة وصلٍ مع صحفي أجنبي شارفت مسيرته الصحفية على النهاية قبل أشهر من ذلك الوقت، عندما أعلن شماتته بصحفية أميركية، تعرضت للتحرش في ساحة التحرير بمصر، لأنها من «مناصري الحرب». ثم جاءت الأحداث في سوريا وعلاقاته فيها إنقاذاً لمهنته كصحفي، لتبدأ العلاقة بين خالد الأحمد ونير روزن باعتبارها مرحلة جديدة في حياة الشخصين، اللذين انتهى بهما المطاف إلى التأثير ليس في سياسيات النظام السوري فقط، بل إلى التلاعب بجهات دولية من بينها مكتب مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا ستيفان ديمستورا.

وقد أظهرت تواريخ المراسلات تواصلاً مبكراً بين الأحمد وبشار الأسد، لكن الأمر الذي لم تظهره بشكلٍ واضح كان تَسلُّم الأحمد لمنصبٍ أمني مهمّ في ميليشيات الدفاع الوطني التي تمّ تأسيسها صيف العام 2012. هناك تشابهات بين علم «الدفاع الوطني» وعلم الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولعلّ علاقة الأحمد بتأسيس القوات تفسّر هذه التشابهات، وهي العلاقة التي توضح من هو بسام الذي ذكره الأحمد ضمن واحدة من مراسلاته مع بشار الأسد. والمذكور هو بسام مرهج الحسن مدير المكتب الأمني في القصر الجمهوري، الذي خلف العميد محمد سليمان بعد مقتله عام 2008. بسام الذي ارتاح أول الأمر في العلاقة مع ابن منطقته حمص، سينقلب إلى أحد الحانقين على الأحمد بعد كتابة الأخير تقارير بابن أخت الحسن، صقر رستم زعيم ميليشيات الدفاع الوطني في حمص ومن ثم العضو في أمانتها العامة في دمشق، على إثر خلافات بين رستم وأجهزة الأمن في حمص والاشتباكات التي دارت بين الطرفين عام 2013، فقد اقترح تقرير الأحمد نقل رستم من موقع قوته إلى دمشق ليتسلم منصباً أعلى إسمياً، فيما كان ذلك القرار يعني عملياً إزاحته عن موقع عسكري هام للغاية.

في خطابه الذي أذيع في بداية شهر كانون الثاني 2012، ذكر بشار الأسد للمرة الأولى كلمة المصالحة الوطنية، التي خصّص قسماً من خطابه لشرح معناها. إثرَ ذاك الخطاب، بدأ إعداد العدة لإطلاق مشروع المصالحات، الذي كان هدفه في البداية الوصول على اتفاقات هدنة مع فصائل المعارضة. وقد أُنشئت وزارة الدولة لشؤون المصالحة الوطنية لأول مرة في وزارة رياض حجاب في شهر تموز 2012، وشغلَ موقع الوزير فيها علي حيدر، رئيس أحد الفروع المنشقة في الحزب القومي السوري، وهو بالذات الفرع الذي كان خالد الأحمد قريباً منه.

ليس من المعروف بالضبط من كان فعلاً وراء فكرة المصالحة، لكن الصحفية الأميركية رانيا خالق - أحد أبرز الصحفيين المروجين لرواية النظام والبروباغاندا الروسية- ربطت الفكرة لاحقاً بخالد الأحمد، وذلك في تقريرٍ نشرته عام 2018، وامتدحت فيه الأحمد بشدّة. كان للكلمة، التي رفضتها جموع السوريين الثائرين بعد كل ما حصل، صدىً آخر خارج البلاد، إذ ارتبط وقعها بمشاريع المصالحة والحقيقة التي بدأت منذ الثمانينات في أمريكا اللاتينية واستمرت حتى بداية التسعينات في مرحلة الانتقال الديموقراطي بعد عقودٍ طويلة من حكم العسكر، فيما عُرفت عالمياً بشكلها الأوضح من خلال لجنة الحقيقة والمصالحة التي ترأسها الأسقف ديزموند توتو في إفريقيا الجنوبية، والتي كانت من أبرز مشاريع مرحلة ما بعد نهاية نظام التمييز العنصري «الأبارتهايد»، وكانت جلساتها تذاع حول العالم. تم استخدام الرمزية التي تحملها كلمة المصالحة «reconciliation» في حملات العلاقات العامة لدعم النظام السوري، وفي تضليل الساسة والباحثين، ليتساءلوا: هل هناك مصالحة فعليّة تحدث في سوريا؟ وذلك رغم غياب الكلمة الثانية التي ارتبطت بالمصالحة، «الحقيقة»، عن السياق الذي بدأه النظام. في كل الأحوال، لم تضطلع وزارة المصالحة ولا خالد الأحمد بمشاريع مصالحة كبيرة خارج مدينة حمص، إذ انتقل الإشراف على عدد من تلك العمليات إلى أشخاص آخرين مرتبطين بالفرقة الرابعة، مثل مذيعة التلفزيون السوري كنانة حويجة التي لعبت أدوراً كبيرة في عدد من تلك الاتفاقات كما حدث في داريا وريف حمص الشمالي.

حازَ الأحمد مكانة عالية بين حاشية الأسد، وبدأ ينتقل من الاستشارات المرتبطة بالتطورات داخل سوريا إلى لعب دورٍ مستشارٍ دبلوماسي، ومبعوثٍ سري في لقاءات مع مسؤولين من الولايات المتحدة والأمم المتحدة. كان ذلك بمساعدة صديقه القديم نير روزن، الذي انتقل للعمل في منظمة الحوار الإنساني السويسرية التي ترعى اجتماعاتٍ لكبار صانعي السياسة الخارجية في العالم بشكلٍ سنوي ضمن منتدى أوسلو المعروف. بين عامي 2014 و2018، حلّ خالد الأحمد دون انقطاع ضيفاً رئيسياً في ذاك المنتدى، متحدثاً بشكلٍ غير رسمي باسم النظام السوري، ليتغير تعريف المنظمين بالأحمد من رجل أعمال إلى مستشار غير رسمي للحكومة السورية. سمحَ حضور شخصيات رفيعة المستوى في منتدى أوسلو لخالد الأحمد بخلق صلات مع شخصيات دولية من بينها ستيفان ديمستورا، التي تقول تقارير صحفية إنّه سمح لروزن والأحمد بصياغة مشروعه عن تجميد الصراع في حلب عام 2015.

مع دخول العام 2018 وعودة سيطرة النظام على مساحات واسعة من الأراضي السورية على حساب  فصائل المعارضة، بدا أنّ الحاجة قد انتفت لحضور مستشار المصالحات التي أوشكت على إتمام مهمتها، ومندوب غير رسمي للعلاقات مع إدارة أميركية سابقة كانت قد انتهت فترتها منذ عامين. لم يبقَ الكثير ليفعله أو يقدمه خالد الأحمد لبشار الأسد، ويبدو أن بسام الحسن الحانق عرفَ تماماً أنّ الوقت بات مناسباً للعمل على الاطاحة بهذا المستشار الذي دخل القصر الجمهوري من الشباك وليس من الباب، لتبدأ حملة تقارير قادها الحسن وفضحت فساداً مالياً وعلاقات دولية غير معروفة أو غير مصرَّح عنها للأحمد، ما وضعه في موقف حرج لم تستطع  مقالة رانيا خالق المشار إليها أعلاه إنقاذه منه. وهكذا، وعلى الرغم من كل الخدمات التي ذكرتها خالق في مقالتها، تم إبعاد الأحمد لينتقل مع زوجته المذيعة السابقة في قناة الدنيا إلى لبنان ويمنع من العودة إلى سوريا. لم يستسلم خالد الأحمد مع ذلك، إذ حاول استغلال علاقات سابقة وتسهيلات قدمها لرجل الأعمال سامر فوز في الحصول على منصبٍ ضمن امبراطورية الأخير في لبنان، لكنّ تراجُعَ حظوة فوز نفسه داخل البلاد كان قد بدأ منذ العام 2019. كان رهان خالد الأحمد هذا خاسراً إذن، لكن ليس إلى الدرجة التي تدفع ابن الحادية والأربعين للاستسلام، إذ يحاول خالد اليوم الانتقال للانتفاع من «خبراته في المصالحة» بحيث يعمل مستشاراً للأنظمة الديكتاتورية، معتمداً على سيرة ذاتية ناجحة حسب مقاييسه.

ومن أجل سهولة الحركة، بدأ الأحمد التنقل بين بيروت وقبرص للحصول على جنسية الأخيرة مقابل استثمارات فيها، إلّا أن جنسية جزر فونوتو في المحيط الهادئ، والتي تعطي حاملها قدرة على الدخول إلى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من دون الحاجة إلى تأشيرة، كانت أقلّ ثمناً على ما يبدو. مقابل 130 ألف دولار أميركي يمكن لأي شخص البدء بمعاملات سهلة للغاية للحصول على جنسية تلك الجزر، ليظهر اسم الأحمد مجدداً ضمن تحقيق لصحيفة الغارديان، لكن هذه المرة باعتباره أحد الحاصلين على جنسية تلك الجزر، وهي مسألة خلقت ضجة إعلامية في بريطانيا والاتحاد الأوروبي حول سهولة الحصول على جنسية فونوتو حتى من دون زيارتها من الأصل.

في نيسان من العام الجاري، ظهر ضمن قاعدة بيانات، خصصتها الحكومة البريطانية للكشف عن الشركات المؤسسة على أراضيها، أن خالد الأحمد من مواليد عام 1980 ويحمل جنسية جزر فونوتو قام بتأسيس شركة باسم فينيكس (طائر الفينيق). يبدو أن الرجل تخلى عن أشياء كثيرة في حياته، لكن ليس من بينها ميله إلى أفكار ورموز تنتمي إلى عوالم الحزب السوري القومي، الأفكار والرموز التي تحضر في سيرته بطريقة تدفع إلى إعادة التفكير مراراً في نوعية هؤلاء الذين يتحكمون بمصير آلاف البشر في المنطقة.

يتحرك خالد الأحمد اليوم بكل حرية مع جنسيته الجديدة التي اشتراها بصفقة رابحة للغاية، ستسمح لزوجته بنشر صور إلى جانب المعالم الكبرى في مدن أوروبا على حسابها على انستغرام، وتسمح له بتقديم نفسه للفاعلين بوصفه خبيراً في مجال بات يعرفه السوريون باسم «المسار الثاني»، وهو مجال الاستشارات السياسية غير الرسمية التي تدر كثيراً من النفوذ والمال حول العالم.