خخّو الشاعر (699-712)

 

يمكن بسهولة الإلمام باللحظة الأولى لألوهية خخّو الشاعر.

كان خخّو شاعراً يعيش في قرية صغيرة بعيدة عن العاصمة، في الواحات الخارجة؛ هذا النوع من القرى يكون في العادة هادئاً وكل شيء فيه – على عكس العاصمة – قليل: الناس والحيوانات والمباني وأيضاً المشاكل، لكن مع وفرة هائلة من النباتات والماء في ذلك المكان البعيد عن الكثافة السكانية. خرج خخّو الشاعر من بيته قبل غروب الشمس بنصف ساعة، ورآها تغرب بين أشجار الغابة ببطء، وما أثار استغرابه أن النقطة المنيرة ظلت تناور شبكة الأغصان والجذور والأوراق، حتى وصلت أخيراً إلى خط الأفق، لم يحجبها أي شيء عن عينيه. وفور غيابها قال بصوت خافت: «في قلب المتاهة تتجمَّد الشوكولاتة».

وفي اللحظة التالية كان خخّو الشاعر جالساً على مكتب الإله في القصر الإلهي في العاصمة. كان أسرع إله يصل إلى ألوهية مصر على الإطلاق.

لم يكن هناك الكثير ليقوم به الإله الجديد، فالأمور على ما يرام في كل أنحاء مصر. نظر خخّو الشاعر إلى أرض مصر ورآها تعيش أزهى عصور الرفاهية، لا شيء ينقص المصريين، ولأنه إله فلم يرضَ بالنظرة الأولى، وألقى نظرة ثانية مدقِّقة فوجد شيئاً واحداً ناقصاً: الشّعر.

صُدم خخّو الشاعر لغياب الشعر عن المصريين، وتذكَّر أن آخر قصيدة كتبها مصري كانت «الاستهلال»، ولما تذكَّر القصيدة تأكد أنها ركيكة لا تمثّل قوة وجمال الشعر المصري العريق، وربما كانت نهاية حقبة زاخرة بالشعر المتميز الطليعي، لذلك قرَّر أن يُشعِر.

والشعر يختلف عن الكتابة. فكما كتبنا في المقدمة، الكتابة عمل حقير لا يصحّ لإله أن يفعله، فإذا فعله لم يضره، أما الشعر فهو عمل جدير بالآلهة، وإن فعله المصريون فسيرفع مقامهم دون أن يصلوا إلى مراتب الآلهة.

بعدما أصبح إلهاً، على الفور ألقى خخّو الشاعر القصيدة التالية: «الكراسي الزرقاء تطير في السماء الحمراء».

لم يمر وقت طويل حتى أدرك المصريون أن لديهم إلهاً جديداً، وهو شاعر حسَّاس لن يُشغل نفسه بالأشياء التي شغلت من قبله، لكنه سيُشغل نفسه بالشعر فقط. وكانت قصيدته الثالثة أكبر دافع لهم. قال خخّو الشاعر: «الشعراء في كل مكان».

بالطبع، كل قصائد خخّو الشاعر على القدر نفسه من الأهمية، فلا يمكن لإنسان أن يدّعي أن قصيدة تَفضُل الأخرى، لكن قصيدته الثالثة أثَّرت على الناس تأثيراً هائلاً. يقول الناقد الفني عبخخّو كريم: «لأول مرّة يشعر المصري أنه قد يشبه إلهه بشكل ما، أنه قد يشعر مثل إلهه بالضبط، أن يقول كلاماً ويسميه ’قصيدة‘، وأن يفخر بما قاله ويمشي في الشوارع رافعاً رأسه بخطوات واسعة متقافزة وذراعين مرحتين».

اهتم خخّو الشاعر باللغة العربية وأصلح ما فسد منها؛ فألغى المثنى والمؤنث وجمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم، وألغى كتابة التنوين بأشكاله الثلاثة وأبقى عليه منطوقاً، ونَصَبَ نائب الفاعل، ونصب المبتدأ، وأضاف إلى الأسماء الخمسة «عم» و«جد» و«ست» و«خال» و«بسكويت»، فأصبحت «الأسماء العشرة»، وألغى الرفع بالواو للأسماء العشرة وجعلها مرفوعة بالألف، وحرَّم تماماً أن تنتهي أي كلمة بحرف الواو، فأضاف حرف الفاء لأي كلمة تنتهي بحرف الواو، وسمى حرف الواو المندمج مع الفاء «واوف»، وطبعاً استثنى أسماء الآلهة من ذلك التحريم.

أما قرار خخّو الشاعر الأهم فكان منع أن يُكتب كلام الآلهة في السطر نفسه مع كلام المصريين، وشدَّد على أن يُكتب في سطر مستقل، فكلام المصريين وكلام آلهتهم لا يجتمعان أبداً.

واهتم خخّو الشاعر بالقصة، لأنها أقرب الأشياء إلى القصيدة، وأهمل الرواية وراقب الروائيين وحبس الكثيرين منهم، وطالبهم بالتخلي عن كتابة «القذرة» – هكذا سماها فلم يكن يقبل بأن تُقال كلمة «رواية» أمامه. وطالب خخّو الشاعر الروائيين بكتابة القصيدة، فكتب قصيدة مهمة في ذلك، قال: «الشعر أفضل من النثر».

وكان عصر خخّو الشاعر عصر ازدهار في كل شيء له علاقة بالشعر. بيعت ملايين النسخ من كل دواوين الشعر، فأصبح الشعراء أثرياء لأول مرة في التاريخ، وبيعت الأقلام والورق بأسعار مرتفعة للغاية، فاغتنى تجّار الأقلام والورق، وأنتجت شركات الأقلام أقلاماً من ذهب، تكتب بماء الذهب، وأنتجت شركات الورق صفحات صُنعت من الذهب، فأصبح الشعراء يكتبون بأقلام من ذهب مليئة بماء الذهب على ورق من ذهب.

وأعلن خخّو الشاعر عن جائزة إمبراطور الشعراء، وجعل قيمة الجائزة كتاباً واحداً فقط يُهديه بنفسه للفائز. فهم الناس أن قيمة الشعر ليست في المال أبداً، وإنما في الجمال، وأنه قصد أن يجعل قيمة الجائزة المادية قليلة كي يلفت أنظار الناس إلى قيمة الشعر الحقيقية. وفهم الشعراء قصده بسرعة، فعادوا إلى الكتابة بأقلام الرصاص على ورق عادي، فارتفعت أسعار أقلام الرصاص والورق العادي، وقرر بعضهم أن يكتب أشعاره على التراب، فارتفع سعر التراب، وقرر البعض أن يكتب أشعاره على الماء، فارتفع سعر الماء.

لكن كل ما سبق لا يُقارن بإنجاز خخّو الشاعر الأكبر. ففي السنة التاسعة والعشرين بعد المئة من ألوهيته، أمر بتسجيل كل ما قاله وكتبه وسيقوله وسيكتبه آلهة مصر، كل ما صدر عن أيّ منهم، أمر بتسجيل كل هذا في كتابٍ سمَّاه كتاب مصر. كما أمر أن يُنشر كتاب مصر في طبعات عديدة، وأن يُهدى إلى كل مولود، وكل عروسين، وكل طالب علم، وكل سيدة، وكل مسنّ، وكل موظَّف حكومي، وكل فلاح… ثلاث نسخ: لكل فلاح، وكل عامل مصنع، وكل مبرمج كمبيوتر، وكل محاسب بنك، وكل بائع ملابس نسائية، وكل من يزور مصر، وكل من يخرج من مصر. ظل هذا الكتاب يُطبع طوال الوقت، حتى بعد زمن خخّو الشاعر. في زمننا هذا يمكن ببساطة أن يجد المصري طبعات عديدة منه، طبعات تحوي كلام الآلهة الثلاثة الأول، وطبعات تحوي كلام الآلهة الأربعة، وطبعات تحوي كلام الخمسة، وهي بالتأكيد التي بين يديك أيها القارئ الآن.

ينقسم كتاب مصر الآن إلى خمسة أجزاء، لكل إله مصري جزء خاص به، وما تقرؤه أيها القارئ الآن هو الجزء الخامس والأخير، ولا بد أنك قد قرأت الأجزاء الأربعة الأولى: الجزء الأول خاص بالإله خيزو الأول، والثاني خاص بخايرو الفلاح، والثالث بخخّو الشاعر، وجزء رابع خاص بخللو الأعظم، ثم الجزء الخامس الذي كتبناه نحن ومنحناه عنواناً فرعيّاً: تاريخ آلهة مصر، وفيه، كما قرأت، نحكي تاريخ آلهة مصر حتى فترة ألوهيتنا، نحن الإله خربتو المطلق.

وربما كان دافع خخّو الشاعر ليأمر بكتابة ونشر كتاب مصر مماثلاً لدافعنا لكتابة تاريخ آلهة مصر، ألا وهو جهل المصريين بآلهتهم. فعلى سبيل المثال، قبل نشر كتاب مصر، لم يعرف الكثير من المصريين أن خيزو الأول ألغى التاريخ الذي سبقه بكلمتين فقط، ولم يعرفوا أنه لم يقل شيئاً سواهما، وتعجّبوا كثيراً حينما رأوا كلمتين فقط في الفصل الأول من كتاب مصر.

نُشر كلام الآلهة كثيراً – قبل الأمر بنشر هذا الكتاب – في كتب وجرائد ومجلات. هنالك أيضاً التسجيلات الصوتية الكثيرة لكل ذلك الكلام؛ على الأقل كان هناك مصدرَان لكل كلمة قيلت، أحدهما صوتي والآخر مكتوب.

تم ترتيب الكلام حسب زمن النطق به، لم توضع أي فواصل بين كلام كل إله، بل دُوِّن الكلام متّصلاً، وقُسِّم إلى فقرات فقط تفصل بين كل خطبة وأخرى، أو بين كل جملة قيلت في مناسبة ما، وما قيل فيما بعدها مباشرة. قيل عن الكتاب بعد ذلك إنه الكتاب الكامل، على سبيل المثال كتب الدكتور عبخخّو فتحي: «في عصر الظلام، افتخر كل من آمن بأديان عصر الظلام بكتاب ما وعدَّه كتاباً مقدساً، حملت تلك الكتب أسماء عديدة، منها مثلاً القرآن والإنجيل والتوراة ورأس المال وثروة الأمم والخنفساء والشعر والتنبؤات والتأملات والاعترافات والطبخ والزهرة الذهبية والأنوار السبعة، كما ظهرت كتب أخرى كثيرة تشرح كلّاً من تلك الكتب شروحات تتطوَّر مع مرور الوقت وتُغيّر وجهة نظر المؤمنين بالأديان. وادَّعت كل الكتب الشارحة بلا استثناء أن كتابها فقط هو الكتاب الكامل، وأن ما سواه تملؤه الأخطاء وبه نقص أو خلل. كان ذلك سبباً من أسباب الصراع المستمر بين المصريين في عصر الظلام، وبين البشر بشكل عام. ونحن إذ نقول إن كتاب مصر كتاب كامل، فإننا لا نلحق بمتديني عصر الظلام في ادعائهم، فكتاب مصر بالفعل كتاب كامل دون حاجة إلى إثبات كماله، كما أن كتب أديان عصر الظلام ناقصة ومَعيبة وهذه حقيقة لا ضرورة لإثباتها بالمنطق الرياضياتي، لأن لا سبيل لإثباتها إلا بالمنطق الإلهي، أما ما يضعه البعض من أسانيد ودلائل على كماله فمجهود ضائع».

ولأن جمع كلام الآلهة أمر خطير، فقد جُمع بأكثر الطرق تعقيداً، وأحبّ أن أنقل هذه الفقرة الصغيرة التي تحكي الحكاية باختصار. في مقدمة كتابه أصعدُ متروياً، يذكر الدكتور عبخخّو سليم، بعجالة، قصة جمع كتاب مصر، فيقول: «لقد تم تكوين عدد غير معلوم من اللجان، بين التسع لجان والمئتين وأربع عشرة لجنة، وحوت كل لجنة عدداً غير معلوم من الأعضاء، بين الخمسة أعضاء والستة وثلاثين عضواً، ثم قام كل عضو على انفراد بجمع كلام الآلهة مرتباً ترتيباً زمنيّاً بلا أي فواصل أو تبويب، من الصحف والمجلات والكتب وتسجيلات التلفزيون والإذاعة. ثم اجتمعت كل لجنة وقام أعضاؤها بمقارنة ما جمعه كل عضو منفرداً، فوجد أعضاء اللجنة الواحدة أن ما تم جمعه متطابق تمام التطابق، فجمعت كل لجنة ما دوَّنه أعضاؤها في مسوَّدة خاصة بها. وبعد ذلك اجتمع رؤساء اللجان كي يفعلوا الشيء نفسه مع المسوَّدات كلها، فوجدوا أنها كلَّها متطابقة تمام التطابق أيضاً، وأخيراً قام رؤساء اللجان بجمع كلام الآلهة في مسوَّدة واحدة، أرسلت بعد ذلك إلى المطبعة».

لم يكفّ خخّو الشاعر عن الاهتمام بالشعر خلال فترة ألوهيته، وكتب آلاف القصائد، كلها منشورة في الجزء الخاص به من كتاب مصر، ما يدفعنا إلى عدم الإطالة وذكر بعض القصائد التي نراها مميزة.

لا يمكن نسيان القصيدة الشهيرة «رجلاً يمشي في الشارع وحيداً»، وهي أكثر قصائد خخّو الشاعر انتشاراً بين المصريين وتأثيراً عليهم. فقد اعتاد المصري أن يقول عندما يدخل إلى أي مكان: «رجلاً يمشي في الشارع…» فيرد الحاضرون جميعاً: «وحيداً». كما استبدل المصريون القصيدة بالتحيات المعتادة مثل «صباح الخير» و«مساء الخير»، وبالمعايدات مثل «كل عام وأنتم بخير». في البداية كان الناس يُلقون القصيدة بحماسة كبيرة، ويرد الآخرون عليهم بحماسة أكبر، ومع الوقت خفَّت الحماسة كثيراً، وأصبح إلقاء القصيدة أمراً معتاداً تماماً.

هناك أيضاً قصيدة لا بد من ذكرها، تُعدّ مثالاً واضحاً على المرحلة الميتافيزيقية لخخّو الشاعر كشاعر، قال: «الأمر معقَّد».

وعلى قِصَرها إلا إنها قصيدة معقَّدة بالفعل، فقد كتب الدكتور عبخخّو الأهواني كتابه الكراسي الموسيقية ليشرحها، رابطاً إياها بأديان عصر الظلام، ووضح بجلاء أنها تهدم كل ما ينتمي لذلك العصر عن طريق ما سمَّاه «الحشو والتفريغ»، وأكد أنها تؤسّس لعصر جديد من المجد عن طريق ما سمَّاه «الإضاءات المنفردة والظلال المتداخلة». وكتاب الأهواني المذكور نُشر في مئة وثلاثة وأربعين جزءاً، أصغر الأجزاء مكون من ألف ومئتي صفحة وهو الجزء السادس، أما أكبرها فكان الجزء الثاني عشر بعد المئة وهو مكون من ثلاثة وأربعين ألف صفحة. والكتاب بمجمله مقرَّر على طلبة الصف الأول الابتدائي. من الممتع حقّاً أن يرى الإلهُ مصريين في السابعة من العمر يقرؤون كتاباً بهذا الحجم ووجوهُهم تعلوها الابتسامات.

احتلت قصيدة «الأمر معقَّد» مكانة مرموقة بين المصريين، وإذا كان المصريون قد اعتادوا على إظهار الحماسة عند سماعهم قصيدة «رجلاً يمشي في الشارع وحيداً»، إلا إن الأمر مختلف بالنسبة لقصيدة «الأمر معقَّد»، فحالما تُذكر القصيدة أو تُقرأ، يحل على السامعين شعور بالهيبة والوقار، وعلى الفور يتركون ما يشغلهم ويندمجون في رياضة فكرية عاصفة، فيسترخون في مقاعدهم، أو على الأرض، وحتى إن كانوا واقفين يسترخون، وينظرون إلى نقطة بعيدة في الأفق، ولا يعلم إلا خخّو الشاعر ما يدور في أذهانهم في تلك اللحظات، فالأمر معقد حقّاً.

ثم انقطع خخّو الشاعر عن إلقاء القصائد مدة طويلة، وكَرِهَ الناس ما يحدث، فالحال العام في مصر لم يعد كما كان من قبل وأدمن المصريون قراءة الشعر الإلهي. بالطبع لم ينقص الانقطاع من مقدار وأهمية القصائد القديمة، لكنهم طلبوا الجديد ولم يجدوه. وأخذوا يتجمّعون في الشوارع رويداً رويداً، مجموعات من خمسة أشخاص، ثم من عشرة، وبعد ذلك مجموعات عديدة من مئة شخص تجمعت في الشوارع والميادين، وبدأ الهتاف خجولاً: «قصيدة جديدة!». ومع زيادة عدد المجموعات ازداد الهتاف حماسة وقوة، وفي يوم ما ملأ المصريون الشوارع وهم يكررون الهتاف نفسه.

امتلأت الصحف بالتحليلات والآراء، ففي عموده اليومي المعنون «ليه؟» كتب الناقد الفني أحمد شوكت: «الانهيار النفسي على الأبواب.. الناس في حاجة إلى الإبداع بعدما غاب عنهم الفن.. التلوث البصري والسمعي قد يقود إلى الجنون.. القصيدة الإلهية لم تعد حكراً على النخبة.. القرار في يد خخّو الشاعر.. حافظوا على مصر».

وقرَّرت كل إذاعات البلد أن تذيع تسجيلات صوتية لقصائد خخّو الشاعر المتنوّعة بصوته الجميل وفي الخلفية موسيقا خفيفة، وانتشرت بوسترات طُبعت عليها القصائد القديمة وفي الخلفية صورة للهرم والنيل وخريطة سيناء في اتحاد أبدي، وتطوّرت أفعال المجموعات في الشوارع فأخذ الناس يُنشدون القصائد القديمة ببهجة حقيقية. واندفعت السيدات في البيوت في البكاء حزينات، كانت الواحدة تقول حزينة: «أين القصائد؟» أو تقول وهي تمسح دموعها: «متى يعود الزمن الجميل؟». كان الناس ينتظرونه، وهو لم يخذلهم.

في أثناء افتتاح مصنع ورق جديد، وبينما كان خخّو الشاعر واقفاً أمام كاميرات التلفزيون يلقي كلمته على الهواء، فوجئ الجميع ببقعة خضراء صفراء ترتسم على كتفه اليمنى، ويبدو أن القوى الناتجة عن الاصطدام بكتفه كانت كافية، فمد يده بكل براءة ولمس فضلات الطير اللزجة، ثم رفع يده إلى عينيه وتمعَّن في الفضلات متعددة الألوان عدة ثوان، ثم صرخ: «عندي قصيدة جديدة».

واهتزت الجماهير في الشوارع طرباً، وازداد عددها زيادة هائلة. كان المصريون كلهم في الشوارع في هذا اليوم في انتظار قصيدة الإله خخّو الشاعر الجديدة، وبعد ساعات من الانتظار أعلن أنه سينزل بنفسه إلى المصريين.

وقف خخّو الشاعر بينهم طالباً منهم أن يصمتوا، يبتسم في وجه أقربهم إليه ويطلب منه بهدوء أن يصمت كي يسمع، ثم يطلب كل واحد من الواقفين من جاره أن يصمت. لكن الصخب كان لا يُحتمل، فرحة الناس بوجوده وسطهم أصابتهم بالجنون، وحماستهم للقصيدة الجديدة التي ستُلقى عليهم بعد لحظات جعلتهم يرددون القصائد القديمة في صراخ هستيري لا ينقطع، وبعد محاولات عديدة منه، صمت الناس واحداً بعد الآخر، حتى لم يعد يُسمع أي صوت في الشوارع.

رفع خخّو الشاعر سبابته، وقال بصوت رخيم: «الفزدق».

لم يكمل خخّو الشاعر القصيدة قط، إذ إنه اختفى بعدما نطق تلك الكلمة على الفور، دون أي أثر، ودون أي مقدمات، فقط اختفى من الوجود، اختفى أمام الجماهير المحبة له الشغوفة به، واستمر صمت الجماهير طويلاً، ولا بد أن الواقفين كانوا يريدون فهم ما حدث، سماع تفسير لهذا الاختفاء اللحظي المفاجئ. لا يملك المحب أن يسكت إن غاب عنه محبوبه، فما بالك أيها القارئ إن غاب عن المصريين إلهُهم؟

بعد ساعات، انفضَّ الناس من الشوارع، عاد كل منهم إلى عمله ومنزله وحياته، ولم يُعثَر على خخّو الشاعر قط.

بعد تحليلات كثيرة، تم التيقّن من أن خخّو الشاعر التَحَمَ في لحظة كونية مع المصريين، صار جزءاً منهم جميعاً، ومنذ تلك اللحظة وحتى اليوم، يكمن جزء صغير منه في كل مصري. حتى من لم يشهدوا اللحظة الكونية وكانوا في أماكن بعيدة، هؤلاء انتقل جزء منه إليهم عن طريق دورة النيتروجين في الطبيعة. وحتى من وُلدوا بعد ذلك بسنوات انتقل جزء صغير منه إليهم عن طريق الجينات. لكن لا أحد يعرف كيف تم الانتقال الأول بالضبط. كان هذا سؤالاً بلا إجابة، وسيظل بلا إجابة. فأسرار آلهة مصر ليست معلنة ولن تُعلن، وحتى إن أُعلنت فلن يعيها أي مصري.

قدَّم خخّو الشاعر إلى المصريين الشعر واللغة وكتاب مصر، ولم يكتفِ بهذه الإنجازات المعنوية العظيمة، بل قدم لهم نفسه في النهاية.