خريف دمشق: مشاهدات في دار الأوبرا، أيلول 2010

إلى جيهان وناندا

سأبدأ بمقتطفات قصيرة من بروشور مهرجان البزق الأول في دار الأوبرا السورية، أنقلها حرفياً، وهي لا تخلو بالطبع من أخطاء لغوية قد يُحَنُّ إليها، ولذا يُرجى الصفح عنها.

كلمة المدير الفني إدريس مراد:

الطنبورة، البزق، الباغلمة: لهذه الآلات حكايات عديدة. على أنغامها خلّدت أساطير ورقص العشاق. لهذه العائلة باع طويل في الموسيقى السورية وخاصة المنطقة الشمالية (...) لا بد من الأخطاء، ولكن المهم هو أن نستفيد من أخطائنا في الخطوات المقبلة. أخطط لهذا الملتقى منذ عدة سنوات مدركاً لأهمية هذه الآلة في التخت الشرقي. وشاء الحلم أن يتحقق اليوم.

سعيد يوسف: أول من أدخل البزق إلى القامشلي. قال عنه الفنان الراحل الكبير محمد الوهاب «أصابعه زيّ الحرير»، كما قال عنه أمير البزق الراحل محمد عبد الكريم «لا تموت آلة البزق في سوريا طالما هناك شخص يُدعى سعيد يوسف»، وأوصى خلال مرضه بأن يتنقل بزقه إليه، وفعلاً عزف سعيد يوسف على بزقه في أحد مقابلاته في التلفزيون السوري. ورغم كل إغراءات العيش في أوروبا ما زال متمسكاً بوطنه سوريا ومدينته القامشلي التي سميت نسبة إلى أحد أغانيه «مدينة الحب».

انتهت مقتطفات البروشور

 

مساء المهرجان

التردُّد الكردي المزمن فاضح، مكشوف للجميع. البطاقات المجّانية في الداخل. اتصالان هاتفيان كي تهبط الآنسة الشقراء وتسلّمها للمنتظرين. احترقت بطاقة لم يرضَ بها أحد من شبان المعهد العالي للمسرح، طُلقاء القلوب والألسنة. أبو الخوخ، صاحب القلب الطويل، أخّرته الفتيات المرافقات، الجلبيات على الأرجح، بعد صموده ساعة كاملة في الحديقة الصغيرة المقابلة لمكتبة الأسد، وأخيراً أبعده عنا برد هذه الأيام إلى مقهى في باب توما، وهو يمشي على مهل مهله بمحاذاة بردى صوب جسر الرئيس، وبصحبته فتاة يؤلمها ظهرها.

أمام البوابة، توجّس بعض الشبان الأكراد وهم ينتظرون: المهرجان فخّ سينتهي بهم إلى الاعتقال. فدوريات الأمن مرابطة في ساحة الأمويين، ودار الأوبرا كبيرة ومليئة بالدهاليز والسراديب، وتصلح لأن تكون سجناً. هذه التجمّعات الكردية خطرة، على الرغم من تغيُّب أبو الصعود في حروبه الإلكترونية. لا يعنى الجادّون مثله بحفلاتٍ كهذه، فلو كان اعتصاماً كردياً أمام البرلمان لأتى بالتأكيد.

تصدّى شاب من كوباني لتفسير معنى اسم «آري» للأصدقاء الدروز، فقال إن الأكراد مضطرون دائماً إلى تقديم مثل هذه التفاسير، ولكن قد يتأنّث اسم الذكر عند تعريبه (شورش مثلاً يتحول إلى ثورة)، وقد يُذكَّر اسم الأنثى، ثم أضاف: «آري هو أي واحد من العرق الآري. أجدادنا آريون. الأكراد والألمان من نفس الأصل، ولهذا يشجعون منتخب ألمانيا لكرة القدم. ولكن الاسم يعني الرماد أيضاً، مع الأسف». تذكر المعنى الثاني حين نفض رماد سيجارته في المنفضة الأسطوانية المملوءة بالرمل.

هكذا تكلم شاب آخر عند المدخل، ملخّصاً ما ينتظره عشرات غيره: «العازفون نزلوا من سرافيس الدوار الشمالي ووادي المشاريع عند حديقة تشرين، وهبطوا درج الهندسة آتين من دوّار الجمارك، حاملين بغلماتهم العارية كأنها معاول أو بنادق. موسيقيون بالرضاعة. خير إن شاء الله! هذه حفلة البسطاء والفاشلين». لم يستغرب أحد قوله: «كان صلاح الدين (الأيوبي) يصلّي ويربّي النسور ويحارب من أجل الآخرين، لكنه لم يفعل شيئاً من أجل الأكراد». أغاثنا جدنا الشيخ جبر ونجّانا من عازفتي الكمنجة «الجزراويتين» اللتين أقلقتا دلشاد وشيرو، وكنا قد التقيناهما على الطريق إلى طرطوس. ابتعدتا كأنهما لا تعرفان أحداً منا.

قبالة ملصق قديم لفيلم حلاق سيبيريا لمحتُه من وراء الزجاج، همهمتُ لحن حلاق إشبيلية الذي حفظتُه، منذ وقت بعيد، عن الشارة الموسيقية لبرنامج مؤيد البدري الرياضة في أسبوع على التلفزيون العراقي. كان المتأخرون، المترجلون قفزاً من السرافيس والباصات في ساحة الأمويين أو الخارجون من الحمامات، يسرعون ليصلوا قبل إقفال الباب، لأن الحارس، المسلّح بربطة عنق وهاتف لاسلكي على السجادة الحمراء، يستعجل «المتخلّفين» عن الالتحاق بالحفل، كما يستعجل الحارسُ الطالباتِ في المدينة الجامعية عند الساعة العاشرة كل ليلة، حين يمسك القفل في قبضته ويقرع حديد البوابة بحديد المفاتيح.

*****

القاعة متعددة الاستعمالات. كراسيها خضراء وضيقة. استيعابها يفوق بقليل ما يستوعبه فناء دار كردية عادية في اجتماع سري لحزب كردي، حزب صغير تكوّن توّاً بعد انشقاقه عن حزبه الأمّ. تجاورَ بين الجمهور الأكرادُ الأجانب السوريون والأجانبُ الأجنبيون. المنصة مستطيلة صغيرة شبّهها الصيدلاني المكتئب بقبر بوغي بريفا. فوقها كرسيان وأمامها ميكروفونان أسودان. التصميم دقيق، فقوائم الكرسيين تتوازن على أضلاع المستطيل بالضبط. كل عازف يأتي بدوّاسته معه ويرجعها معه إلى الكواليس، يطويها قبل أن ينحني للجمهور وينصرف. دائرة الضوء ترفع حرارة العازفين فيلتمع العرق على جباههم وأنوفهم، ويظهر الغبار في تغضنات أحذيتهم التي لم تلمَّعْ جيداً. إضاءة برتقالية مسلَّطة على قمصان وبناطيل سود: ذلك ما يفاقم إحساس العازفين المرتبكين بالحَرّ المباغت.

الموبايلات تختلس التصوير، رغم التحذير المسجَّل، المذاع بثلاث لغات مصحوباً بموسيقى مَندولين، عقب إطفاء الأنوار. في حفلة نعمى عمران، أثناء مهرجان آخر، عنوانه «لا تزال المرأة تغني»، انقطعت الكهرباء عن دار الأوبرا، فغنّت نعمى لوحدها في الظلام. كلٌّ منا قد ظهر في صور لا يعرفها وليس بوسع أحد تخمين عددها، يعبر بالصدفة في مرمى العدسة ثم يتنقل إلى أرض أخرى أو قارة أخرى. أمل بعض الحاضرين أن تقع تلك الصور بين أيدي أناس لا يهتمون بالأبطال والنجوم، وإنما يلتفتون إلى الكومبارس والمجهولين في الخلفية.

كان أول العازفين أسوأهم. تَقدَّمهم لأنه أكبرهم سناً، وربما كيلا يصدمه الجمهور بالخروج إذا سمعوا كل ذلك النشاز في نهاية الحفل أو منتصفه: أوتار صدئة وأصابع متيبّسة وريشة كالمسمار. سارع كل عازف ليُظهر أعقد ما لديه، فالوقت المُتاح قصير. ظهر عازفان من بعده، أحدهما أصلع مرح، أدّى أغنية أعراس واستعاض عن الدفّ بأن ينقر طنبوره ببنصره أثناء العزف، والآخر نحيل أعسر صارم كأستاذ في مدرسة ابتدائية ريفية. المقطوعات هي أغنيات بلقيس وعارف صاغ الأعسر، مثله مثل أحمد العفريني (أحمديه جَبّ)، والدارج إن سبب براعتهما الإضافي هو أنهما أعسران. كان الاستثناء هو أغنية «الرمّان» الكردية، عزفها الأعسر المتجهّم بالنقر على زند البغلمة وحده، نقراً دقيقاً كمَن يطعّم خشباً بالصدف في مشغل موزاييك. رغب الجمهور في مواصلة التصفيق والتمايل مع اللحن وحتى ترديد كلمات الأغنية، لكن مديرة الدار، حنان قصاب حسن، الجالسة بين عامة الناس، استدارت نحو المصفّقين في الطابق الثاني فلمعت نظّارتها في العتمة وتوقفوا تلقائياً.

أكرادٌ معظم العازفين، أكرادٌ معظم الجمهور، قادمون من ظورآفا وجبل الرزّ وركن الدين والمزة 86، ولكن لم تُسمع كلمة واحدة بالكردية؛ مرة واحدة فقط نطق أحد الشبان بالترحيب نيابة عن العازف: «إيفار باش». تململ بعض الجلساء قلقاً في ظلام الصالة. فكرت بصديقنا آلان المسافر الذي ما كان مثل هذا الحفل سيفلت من تعليقاته.

تلاه عازف آخر بصحبة طبّال خفيف الظل. المرء بخفيفيه: ظلّه ودمه، والطبالون جريئون عادة. أمال عنقه كالضبع صوب الميكروفون وقال مرحّباً، نيابة عن العازف المرتبك: «باسم آري سرحان أرحّب بهمسة». حين ظهرت «همسة»، عازفة البيانو، شهقَ الجالس إلى جواري: «يا عدرا».

كانت الألحان تنتهي فجأة. ولهذا السبب لم يفلح الجمهور في توقع النهاية دائماً كي يصفق في اللحظة المناسبة. حين أضيئت القاعة أثناء الاستراحة، مدّتْ تُهامة يدها فوق الكراسي وصافحتني. كانت جالسة أمامنا ولم أعرفها، لأنها كانت قد أجرت أخيراً عملية تجميل لأنفها.

عازف غير كردي، اسمه إياس، ظهر مبتسماً، مرتدياً بدلة رمادية، ضيقة وبرّاقة. لم يرتح بالجلوس في البداية، واستغرق وقتاً في الدوزنة واختيار الوضعية الأنسب للجلوس، ثم بدأ كالعاصفة، بدأ من الذروة ولم ينزل عنها. خشي عديدون من انقلاب كرسيه إلى الوراء وسقوطه عن المنصة. كان أخطبوط العزف، كما يقول أبو الهوز عن سعيد يوسف الذي كرّمته جامعة أوبسالا بإصدار طابع بريدي يحمل صورته. تذكّرنا مقطوعة الربيع لفريد الأطرش، وسميّنا إياس بهلوان البزق. بحركات الرشّ والتزلُّج على الأوتار، أوشكت الآلة تخرس وتطير من بين يديه. كان يتوقف أحياناً بضع ثوان ويبتسم للجمهور.

زارا، ابن صديقنا عدنان، مفتشاً عن الساعل المتنحنح في العتمة، التفت نيابة عن المحترمين المحيطين به، فسمعناه أثناء الفاصل الوجيز بين عازفين، مستقوياً بأبيه، يقول توبيخه بصوتٍ عالٍ: «يا أخي والله لا أعرف لماذا يسمحون لمرضى الكريب والرشح بحضور الحفلات في أماكن مغلقة».

بصوت خفيض مسموع، صلّتْ فتاة في الصف العلوي: «ميفان، أرجوك، لا تخَفْ (قربان ميفان، نَهْ تِرْس)». فهذه هي المرة الأولى التي يعتلي فيها ميفان أي منصة على الإطلاق، وهو شاب لطيف يعمل في البريد.

تبقى متلازمة الدقائق الأخيرة، بعد انتهاء أي حفلة: التردد عند المغادرة وحيرة الانصراف التي تنقلب لاحقاً إلى شيء من الضيق ولوم النفس لا يزول بسهولة، التشوش في المصافحات وتبادل التحيات عن بُعد بأشكال مختلفة، أو مصادفة وجوه لا تُطاق أحياناً لم يرها المنزوون منذ وقت بعيد، أو الشدّ على الأيدي والإفراط في المعانقات والقبل التي ينالها الهواء أكثر من الخدود، ثم يتشنّج الفكّان لطول بقاء الابتسامة، أو التكشيرة، عالقة بين الشفتين والأسنان.

قبل توجهنا إلى مائدة حجزها لنا أبو آلتشي في نادي الصحفيين، قبل ذهابنا مشياً في ليل أيلول، عبر أحياء هادئة مريبة في أبو رمانة والروضة، صادفتُ الصحفي الكردي غ. جانكير، يدخن الغولواز الأحمر ولا يزال يرتدي بناطيل الجينز الكونز الفضفاضة. صادفتُ زكريا إ. أيضاً، ولم يكن سكران هذه المرة، بل بدت عليه، رغم نحوله، ملامح المستيقظين عند حلول المساء، وقد شبعوا نوماً حتى انتفخت جفونهم ووجوههم. سألني: «متى توفي عبد الوهاب البياتي؟» فأجبته منذ عشر سنين أو أكثر بقليل، فصحّح الرقم: «منذ 12 سنة»، وهو يرسم بسبّابته وإبهامه حلقة تهتزّ صعوداً ونزولاً، علامة على الثقة والتأكيد. ثم أضاف: «الأسبوع الماضي نشرتُ حواراً أجريته مع البياتي». سألته: «هل لا تزال أسماء، ابنة الشاعر الكبير، تربي قططاً في غرف مغلقة بحي المهاجرين؟»، فهزّ كتفيه ولم يجب. تذكرت فتاة عادت من زيارتها، وبشرتها الرقيقة قد حزَّزتها بالخدوش مخالبُ القطط، ثم أصيبت بداء «خرمشة القطة» وامتلأ إبطاها بعُقَد صغيرة مؤلمة. كان زكريا أحد المردّدين «الله» تعقيباً على روعة العزف في الحفل، ولم يكن بين المشجعين، هذه المرة، الشابُّ الذي اعتدنا في الحفلات صيحته المدوّية المعهودة «برافو».