خطة إعلامية لإعادة انتخاب الأسد

 

لم يظهر ذلك جلياً حتى الآن، إلا أنّ مختلف حلقات نظام الأسد تنشغل اليوم بالانتخابات الرئاسية المُزمَع إجراؤها في شهر حزيران (يونيو) القادم، والتي انطلق الإعداد لها منذ نهاية العام الماضي على كافة المستويات. ففي شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي خاطب المكتب الإعلامي التابع للقصر الجمهوري وسائلَ الإعلام الحكومية، طالباً منها الشروع بتنفيذ خطةٍ تستمر لمدة ستة أشهر من أجل التحضير للانتخابات الرئاسية.

وتنقسم الخطة، بحسب ما قاله للجمهورية أحد العاملين في صحيفةٍ حكومية، إلى ثلاث فترات: أهمها الفترة الأولى، والتي ينبغي أن تعمل فيها وسائل الإعلام على تسليط الضوء بشكلٍ أكبر على شخص بشار الأسد. وأضاف الصحفي: «منذ شهر كانون الأول الماضي بدأت اجتماعاتٌ مكثّفة على أعلى المستويات الإعلامية من أجل التحضير للانتخابات الرئاسية. للوهلة الأولى شعرنا بأن الوقت مازال مبكراً للحديث عن الانتخابات في وسائل الإعلام، ولكن عندما علمنا بالخطة الموضوعة عرفنا بأن الأمور أكبر وأعقد مما نتخيل، وأننا مطالبون، حسب ما نُقل إلينا من رؤسائنا المباشرين، ببدء الحملة الإعلامية منذ الشهر الأول، وسنعمل فيها على تحسين صورة الرئيس والمؤسسات الحكومية، وتحديداً في الجانب الخدمي، الذي ستتحدّث فيه وسائل الإعلام عن حرص الحكومة على حل مشاكل المواطنين، وهذا ما سترونه جلياً في الأيام القليلة القادمة على كل وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي».

ويضيف الصحفي: «الفترة الثانية ستبدأ عندما يعلن رئيس مجلس الشعب موعد الانتخابات وفتح باب الترشح، وربما نشهد مسرحية أخرى كتلك التي حدثت قبل سبعة أعوام عندما جاء النظام بمرشحين وهميين لمنافسته في الانتخابات، وتفوّق عليهم بنسبة نجاح كاسحة. الفترة الثالثة ستكون في وقت الانتخابات، من تغطية إعلامية للإقبال منقطع النظير على الاقتراع، وصولاً لإعلان النتائج وفوز المرشح بشار الأسد حسب الخطة الموضوعة».

الظهور الإعلامي المكثف

لا شك أن الظهور الإعلامي المكثف لبشار الأسد في الأشهر الأخيرة لم يكن عبثياً، فهو يأتي ضمن الخطة الموضوعة لتعزيز صورته والادعاء بأنه قريب من الناس في كل الأماكن. فقد حرص بشار الأسد مع زوجته وأولاده على الظهور في كل مناسبة لالتقاط الصور والحديث لوسائل الإعلام، وخاصةً عندما ظهر في أكثر من مناسبة وأكثر من منطقة من مناطق الساحل السوري، والتي اشتعلت فيها حرائق أواخر العام الفائت، جاءت على مساحات واسعة من الأراضي والأشجار المثمرة، ما أثار نقمة عارمة من أهالي وسكان تلك المناطق على بشار الأسد ونظام حكمه، بعد أن فقدوا أرزاقهم. ولأنّ الحرائق جاءت في وقتٍ حساس، وبسبب التخوف من ردود أفعال، لم يجد بشار الأسد بداً من زيارة تلك المناطق والتحدث مع السكان مع وعود بمساعدات مالية للتعويض عن الضرر الحاصل، وهي وعود لم يُنفَّذ أي منها جدياً حتى الآن.

ثم أعقب ذلك بظهورٍ مشابه في ذات المناطق مع زوجته في مطلع العام الحالي للمشاركة في زراعة أشجارٍ عوضاً عن تلك المحترقة. وتوالى الظهور الإعلامي بأكثر من مناسبة، من زيارته إلى التكية السليمانية بدمشق التي احتضنت معرض «منتجين 2020» لمنتجين قدموا من مدينة حلب التي تحظى بثقلٍ اقتصاديٍ كبير. وزارَ رأس النظام أيضاً مركز خدمة المواطن الإلكتروني بدمشق الذي بدأ حديثاً بتقديم خدماته، وهي زياراتٌ لم تكن ضمن الاستراتيجية الإعلامية لظهوره خلال السنوات الماضية.

أما الحضور الإعلامي الأبرز لبشار الأسد فكان في السابع من شهر كانون الأول من العام الماضي، عندما شارك في الاجتماع الدوري الموسع الذي عقدته وزارة الأوقاف في جامع العثمان بدمشق. هذا الظهور رسم إشارات استفهامٍ حوله، لا سيما أنّ الكلمة التي ألقاها طويلة جداً على اجتماعٍ كان من المفترض أن يحضره بشار الأسد كضيف. وقد شملت الكلمة مختلف مناحي الحياة الفكرية والعقائدية والأخلاقية والمجتمعية، ليصل في النهاية إلى للحديث عن مفهوم الليبرالية الحديثة «الهدّام للمجتمع والأخلاق». هذا اللقاء كان من ضمن بداية الاستراتيجية لتقديم صورة مرحلية جديدة لبشار الأسد قبل الانتخابات، ذلك إذا علمنا أنّ المكتب الإعلامي للقصر الجمهوري وجّه وزارة الإعلام وكل المؤسسات التابعة لها لتسليط الضوء على هذه الكلمة وتداولها في كل البرامج والأحاديث الإعلامية على نحوٍ غير مسبوق، حتى أن الراديوهات والقنوات المحلية ما زالت تعرض مقتطفاتٍ من هذه الكلمة بشكلٍ مستمر حتى الآن.

اجتماع مطوّل مع الصحفيين الحكوميين

دعا بشار الأسد، مطلع الأسبوع الماضي، مجموعةً كبيرة من الإعلاميين إلى القصر الجمهوري. الصيغة العامة كانت دعوةً للمناقشة حول ما طرحه في كلمته أمام علماء الدين في جامع العثمان، وخاصة فيما يتعلق بالليبرالية الحديثة، لكن في باطنها ليست إلا مناسبةً لتوجيه الصحفيين حول المواضيع التي سيجري طرحها خلال فترة التحضير للانتخابات. ووجهت الدعوة لعدد من المذيعين في القنوات التلفزيونية والاذاعية الحكومية والصحفيين من الصحف الرسمية ووكالة الأنباء سانا، واستمر اللقاء مدة 5 ساعات بحضور بشار الأسد ومستشارتيه لونا الشبل وبثينة شعبان ووزير الإعلام عماد سارة.

تدور أحاديث كثيرة عن هذا اللقاء غير المُعلَن في أوساط الإعلاميين في دمشق، وتقول التفاصيل التي حصلت عليها الجمهورية، والتي يتداولها أشخاص حضروا الاجتماع، إن اللقاء بدأ بحديث مطول لبشار الأسد، وكعادته تحدث فيه من الشرق والغرب عن الأوضاع في سوريا وعن الحرب الكونية والظروف المعيشية والوضع الاقتصادي والسياسي والمعيشي والحصار، وكل ما يردّده بالعادة في لقاءاته وخطاباته. ثم طلب من الحضور توجيه الأسئلة حيث قال لهم: «اسألوا ما تريدون دون خوف أو خجل، قولوا كل الكلام الذي تقولونه في ما بينكم أو ما يقوله الناس فيما بينهم». الأسئلة كانت في معظمها بلا فائدة أو قيمة، حتى أن لونا الشبل، عرّابة الإعلام حالياً وصِلة الوصل بين وسائل الإعلام وبشار الأسد، عبّرت عن استيائها بالقول: «معقول أنتم نخبة الإعلاميين في البلد وتسألون مثل هذه الأسئلة التافهة؟».

ورغم ذلك، فإن بعض هذه الأسئلة تطرّقَ لأوضاع الحياة المعيشية للمواطنين من فقدان البنزين والمازوت والخبز والكهرباء، واللافت أن بشار الأسد كان يجيب عن هذه الأسئلة دائماً بكلمة «بعرف». وفي هذا السياق، ينقل أحد الحاضرين لبشار الأسد سوء الوضع المعيشي ويقول له: «ناقل الكفر ليس بكافر»، أي أنه فقط ينقل ما يقوله الناس، فترد عليه لونا الشبل بأن «ناقل الكفر كافر»، فلا يجوز للإعلامي أن يتبنى رأي الشارع، ليدخل هذا الشخص في مشادة كلامية مع لونا الشبل أمام الحضور وأمام بشار الأسد، ويقول لها: «ما بسمحلك تقولي عني كافر، أنا أبي شيخ وجدي شيخ».

شخص آخر من الحاضرين سأل بشار الأسد عن الانتخابات القادمة وقال له: «هل سنرى في الانتخابات القادمة منافسين ضعفاء كما حدث في الانتخابات السابقة؟»، ليردّ عليه بشار الأسد بالقول: «مهما كان الشخص المنافس في الانتخابات القادمة فإنه لن يكون بسمعتي وشهرتي بين الناس، لأني أنا رئيس الجمهورية منذ عشرين سنة».

لا يخشى بشار الأسد منافسة أحد، هذا مفروغ منه طبعاً، لكنه يسعى إلى أن تكون التغطية الإعلامية المرافقة لإعادة انتخابه أشبه بحملة علاقات عامة، تُظهِرُ للجميع خارج البلد وداخله أنه يحكم قبضته على السلطة، وأن لا شيء بمقدوره تهديد استمرار حكمه، بما في ذلك طوابير السوريين لتأمين حاجاتهم الأساسية.