خطط الحرية وتدابيرها

 

يجري التفكير عادةً في التعدُّد كشرط للحرية. التعدد السياسي والتعدد الفكري، تعدد الأصوات وتعدد أشكال الانتظام الاجتماعي، تعدد العالم وتعدد رؤى العالم. لكن ما سيجري إظهاره هنا هو أن الحرية ذاتها متعددة، متحركة، لا تستقر. الحرية متعددة بتعدد اللاحرية، وهذه كثيرة الصور ومتغيِّرتُها. إدخال التعدد إلى الحرية والتفكير في الحرية كتعدد يكمّلان بعضهما، مثلما يكمّلان بعضهما كذلك تعريف الحرية كوضع محدد من جهة؛ والعمل المنسَّق من أجل بلوغ هذا الوضع من جهة ثانية، حتى إذا بلغناه تحققت الحرية وزالت.

أياً يكن الوضع الحرّ المُقدَّر، فإنه ليس الحرية، والحرية ليست هو. ذلك أن الحرية ليست وضعاً، بل هي حركة وفاعلية خروج نشطة مستمرة، عملية تحرُّر. ليس أننا لا نحتاج إلى أوضاع مستقرة، إذ لا بد منها لتدبُّر الحياة، للراحة ولتجدد القوى، للأمان وللتعافي. لكن بناء الأوضاع المستقرة على أنها أكمل الأوضاع، باسم الحرية أو غيرها، يُفضي سريعاً إلى انقلاب هذا الأوضاع إلى قيود خانقة، سجون. وهذه لا تستقر دون جهد نَشِط لإخماد كل تطلُّع إلى الخروج والتغير، أي هي بالفعل أوضاع غير مستقرة إلا لمُنتفِعين محددين منها. ومثلما نعرف من التجربة، كان استقرارنا السوري هو استقرار حكم السلالة الأسدية ومحظيّيها، واقترن ببؤس وعدم استقرار ملايين السوريين.

يستأنف هذا التناول تفكيراً في الحرية تضمنه مقالي «الحرية: البيت، السجن، المنفى، العالم»، وذلك عبر أمثلة على اللا-حرية المحتملة، وعلى ما يُحتمَل أن تكون الحرية في مواجهتها. ويبني عليها أن الحرية نسبة، تختلف باختلاف القيود التي تُلغيها. فلا تكون هي ذاتها في البيت كما في السجن، في الوطن كما في المنفى، للنساء كما للرجال، وفي كل حال مفهوم الحرية في هذا التناول أقرب إلى ما دعاه إيزايا برلين في أربع مقالات في الحرية الحرية السلبية، التحرر من، على نحو يتصل بالخبرة السورية، منه إلى الحرية الإيجابية، الحرية من أجل، التي تحوز بعداً نقدياً، متجهاً إلى تحقيق أهداف اجتماعية وسياسية وأخلاقية أوسع.

الأمثلة هنا تُظهر أن الحرية واسعة الحيلة مثل اللا-حرية، فلا هي تركن إلى حال، ولا هي تستسلم مهما تكن الحال خانقة، ولها على الدوام خططها وتدابيرها لتغيير الحال أو التغيير فيها.

البيت

في البيت نسترخي، «نتبذّل»، نتحلّل من أعراف اجتماعية ونأخذ راحتنا، ربما نتحرر من قدْر من الثياب، وحتماً من ثياب الخروج، وننفلت بالتأكيد من طرق المخاطبة ولغة الجسد التي نعتمدها في أي فضاءات عامة. في البيت نحن أقل اجتماعيةً حتماً مما نحن خارجه. يقوم البيت على الاستقرار والخصوصية، فيه نرتاح ونسترجع قُوانا، ونَبِلُّ من مرض أُصبنا به. خصوصيتنا فيه مؤمنة، وإن وفق مواثيق للخصوصية محددة اجتماعياً وثقافياً. يبدو أن مفهوم البيت يقوم عليها (الخصوصية)، وليس على الحرية. حتى إذا فقدنا الخصوصية في البيت ذاته، كان مرجّحاً أن يفضي ذلك إلى «حرب أهلية»، وإلى «خراب البيت». تنشأ توتُّرات عائلية حين تتآكل الخصوصية حتى في البيت، أو حين تصير الخصوصية حَجْراً كما يبدو أنه يحدث للنساء في بيئات محافظة. ومناخ الحرب الأهلية في الأُسُر الممتدة التي تُقيم في بيت واحد، بين الحَماة والكَنّة بخاصة، متولّد عن فقدان الخصوصية. يتجه هذا الصراع إلى الخفوت في العقود الأخيرة بفعل انتشار نموذج الأسرة النووية. 

فإذا طابق البيت مفهومه على ما يمكن أن يقول هيغل، وكانت الخصوصية فيه مؤمّنة، جَنَحت الحرية بخصوص البيت إلى أن تُطابق الخروج منه، أن نجول خارجه، ونلتقي بأناس آخرين، فنتعلم ونتجدد. السجن كتجربة هو منع الخروج من البيت. هنا، أي حين لا حرية في البيت، تَنزِع الحرية لأن تطابق الخروج من البيت. أول ما يَحوزه المراهقون من حرية هو الخروج غير المراقَب من البيت، وهذه حرية لا تزال غير متاحة لنسبة كبيرة من النساء في مجتمعنا. 

على أن من الحرية كذلك أن يأتي الخارج إلينا في البيت، أن يأتينا زوّار وضيوف. مجيئهم وذهابهم يُحيي البيت ويفتحه على العالم حوله، فلا يكون مِعزلاً أو حيّزاً خاصاً فقط، ولكنه بقدر ما فضاء عام أيضاً، أو بالأحرى فضاء اجتماعي ومشترك مع بقائه خاصاً. فصل البيت عن الحياة العامة، سواء في صيغة ليبرالية أو في صيغة بطريركية محافظة، يُضعف الحرية في النطاقَين معاً، العام والخاص. فكأننا مواطنون فقط حين نخرج من البيت. لكن هل يتوقف الناس عن كونهم مواطنين في فترة الحجر المنزلي الراهنة بفعل أزمة كورونا؟ بالعكس، المواطنة تُقاس في ظروف الجائحة بالضبط بالالتزام بالبيت. هل لا نؤكد حريتنا إلا بأن ننتهك الحجر الذي يمكن أن تستغله حكومات لفرض حالة استثناء مكتوبة في مثالها السيادي، على ما رأي جيورجيو أغامبن؟ الخطأ في هذا التحليل أنه اختزالي، يُهمل الصفة النوعية للأزمة: أننا نحتاج في هذه الظروف المخصوصة إلى حماية أنفسنا وغيرنا بالاستقرار في البيوت، أو حيث لا نؤذي ولا نتأذى، على أن نعمل على حماية مُواطَنتنا وحقوقنا حتى ونحن معزولين عن بعضنا عزلاً مؤقتاً. 

والواقع أن تصوُّر البيت كحيّز إضافي للمواطنة أقرب إلى فكرة الحرية الإيجابية، الحرية مع آخرين ومن أجل خير مشترك. في فصل البيوت وخصوصيتها عن الحياة العامة، بالمقابل، قدْر غير قليل من البخل، ما يتجاوز عدم إعطاء شيء لغيرنا، وعدم أخذ شيء من غيرنا، إلى عدم التفاعل مع غيرنا، بما يوهن المشترك بين الناس، أو يُضعف الاجتماعية.

وفقاً لهذا التصور تبدو الاستضافة مقوِّماً لمفهوم البيت ذاته، بقدر ما هي كذلك الخصوصية أو درجة من الانغلاق. مفتاح البيت بيدنا، نحن أصحابه، من نفتحه ونغلقه، لكن البيت مفتوح لأصدقاء وشركاء. جزء من حياة البيت هو أن يُزار، أن يدخله غير أهله ويخرجون منه. فكأن البيت لا يكون بيتاً لنا إلا إذا لم يكن مجرد بيت لنا، إلا إن كان بيتاً لغيرنا. كأن الضيوف هم من يعمرون بيوتنا. 

ولعل الأصل في ذلك أن البيت لا يوجد إلا بين بيوت، أقرب أو أبعد. البيوت الكثيرة تسبق الواحد منها دوماً، بما يدعو إلى القول إن البيت مكوّن من بيوت أكثر من العكس. والاستضافة والضيوف هما تعبير عن هذا الواقع. البيت الذي لا يُزار، الذي يفقد العمومية يفقد الخصوصية معها، لأن هذه لا توجد إلا كفرق أو إلا في تَقابُل مع العمومية. دون ضيوف، يفقد البيت عموميته، يصير مِعزلاً. هنا تتحول الخصوصية إلى سِرّية. تجربة التواري التي يَخبُرها مناضلون سياسيون تصير هنا قاعدة بدل أن تكون استثناء. المسكن السري ليس بيتاً، إنه ملاذ أو منجى، مؤقت تعريفاً.

هذا إلا حين يُمارَس العزل على البيت عمداً، يُنبَذ ويعامل كغريب، تُفرض عليه حياة سرية فرضاً. مثلاً، وضع داعش على بيوت المسيحيين في الموصل علامة ن، أي نصراني. هذا يضع البيت والحركة منه وإليه تحت الرقابة، فيتعذر على الضيوف القدوم، ويتعذر على أصحاب البيوت أن يزوروا غيرهم. ومعلوم أن ذلك كان أحد أوجه مشروع متطرف في عدائيته للحرية والاجتماع البشري، والحياة ذاتها.

ثم إن من الحرية فيما يخص البيت أن نغيّره، سواء التغيير فيه فيصير كأنما هو بيت آخر، أو بالانتقال منه إلى بيت غيره. التغيير في الحالين يعني أننا لسنا مُدانين بالعيش في البيت نفسه، أَرَغِبنا في ذلك أم لم نرغب. البيوت تتغير، وتَغيُّرها من الحرية. ولعل في هذا ما يقف في وجه رومنسية البيت الأول والنوستالجيا إلى بيت الطفولة. 

وفي الحالات كلها، الخروج من البيوت وفتح البيوت على الخارج وتغيير البيوت، نوسّع عالمنا أو سراحنا. السراح - كما في عبارة إطلاق سراح - هو مساحة تحرك المرء. نحن ضيّقو السراح، ولعلنا مقيدون، حين لا نخرج من البيت أو لا نُزار أو لا نغير البيت. 

السجن

يبدو السجن بيتاً يحال بيننا وبين الخروج منه. لكن هذا تعريف أصلح في الواقع لـ«الإقامة الجبرية». السجن أكثر من ذلك بكثير. فمن جهة يسوده غيرنا وبعدوانية متفاوتة، ومن جهة أخرى لا نستضيف غيرنا فيه، ولا نغيره. 

تبدو الحرية بخصوص السجن أنها أولاً وقبل كل شيء الخروج منه. هذا هو بالفعل التصور السائد، عند السجناء وعند الجميع. لكن الحرية أوسع حيلة من أن تقبل التأجيل إلى حين خروج من السجن، قد لا يأتي قبل سنوات طوال. 

في السجن، الحرية ممكنة، أو بالأحرى ثمة حريةٌ ما ممكنة. فبقدر ما أن السجن أساساً حرمان من الخصوصية، انكشاف، فإن الحرية فيه هي إنشاء مساحات من الخصوصية للواحد منا أو لخلطائه. السجن بيت مقلوب من حيث أنه يجردنا من الخصوصية، الشيء المقوِّم لمفهوم البيت. لكن كما أننا نعدّل من خصوصية البيت بالاستضافة والضيافة، فإن ما نعمل على تعديله في السجن هو الحرمان من الخصوصية. ما يمثل الحرية في البيت هو الضيوف، الحركة منه وإليه لمن ليسوا من أهله، أما ما يمثل الحرية في السجن فهو الخصوصية، المساحة الخاصة لأنفسنا التي قد نستطيع حمايتها من اقتحام السلطة السجانة أو حتى غيرنا من السجناء ممن نعيش معهم طوال الوقت. 

يحدث أن يكون هذا ممكناً، وقد كان ممكناً في سجن عدرا الذي قضيت فيه بين ربيع 1992 ومطلع 1996، أكثر من المسلمية (كانون الأول 1980، نيسان 1992)، وفي كليهما أكثر من تدمر الذي قضيت فيه معظم عام 1996. في عدرا، أمكن لنا أن نسوّر أسرّتنا بشراشف لنمتلك حيزات خاصة، لا نكون فيه تحت عيون بعضنا طوال الوقت، وهو ما لم يكن ممكناً في المسلمية التي لم يكن فيها أسرّة أصلاً، وكانت كثافتنا في المهاجع أكبر قبل أواخر 1991. ما يميز السجنَين عن تدمر أن علاقتنا بالسجانين استقرت عبر السنين على نحو تدنت فيه نسبت التدخلات التعسفية الطارئة. أما في تدمر فقد كنا في انكشاف تام، مباحين في كل وقت. تدمر معسكر تعذيب، وليس سجناً. 

ثم إنه في السجنين، المسلمية وعدرا، كانت «الزيارات» نوافذ حرية تضاف إلى الخصوصية، وهذا مثلما أن الضيوف ممثلو الحرية في البيوت. زوار السجين هم بصورة ما ضيوفه، مهما تكن الزيارة مؤلمة لهم وله. من لا يُزارون من السجناء، كما نعرف من تجاربنا السورية في الحقبة الأسدية، هم محرومون بدرجة مضاعفة من الحرية. ينقلب السجن إلى «تغييب قسري» حين تُمنع الزيارات. 

لا يتحتّم أن تكون الخصوصية في السجن فيزيائية، ضرب من بيت صغير مسوَّر، أو صومعة حول السرير الشخصي كما كنا نسميها في عدرا. الخصوصية يمكنها أن تكون معنوية، ضرب من مساحة خاصة لا تُقتحم رغم أنها مكشوفة. هذا الضرب من الخصوصية يتطور شيئاً فشيئاً، بضرب من تفاهم ضمني بين السجناء، وإن عبر مسار من توترات ونزاع. 

الوجه الأهم لحرية السجين هو بالطبع الخروج من السجن. في العربية السورية، هناك عبارات مترادفة الدلالة للخروج من السجن: إطلاق السراح، إخلاء السبيل، الإفراج، كنا نستخدمها كلها. ولكن إذا أخذنا بالاعتبار أن من اعتقلنا أخلى سُبُلنا بعد أزمنة متطاولة من قطعها، لم نكن نعرف في أي وقت متى تنتهي، وأنه كان مسيطِراً ورقيباً بعد خروجنا من السجن مثلما قبله وأثناءه، فإنه يصح القول إننا لم نخرج من السجن أبداً في «سوريا الأسد». أُخلي سبيلنا فخرجنا، لكن سراحنا بقي ضيقاً، وبقينا في متناول السلطة السجانة. وهو ما يعبّر عنه بعضنا بالقول إننا خرجنا من السجن الصغير إلى السجن الكبير. 

ولعل من المناسب فتح قوسين هنا لملاحظة اعتراضية. فقد كنت تحفظت بشدة على عبارة «السجن الكبير» في كتابي بالخلاص يا شباب لأنها بدت لي نازعة إلى محو الفرق بين حياة السجن القاسية وبين حياة لم تكن رخيّة خارجه، لكن تتوفر فيها مساحات للحركة والنشاط لا تُقارَن بما في السجن. بدت لي العبارة تحريضية، بقدر لا يحترم قسوة تجربة السجن وراءنا. بدلاً من تقريب الحياة خارج السجن إلى السجن عبر عبارة السجن الكبير، عملت في الكتاب بالعكس على تقريب حياة السجن من الحياة خارجه عبر فكرة الاستحباس. الاستحباس هو التهيؤ النفسي للسجين الذي تسنّى له بصورة ما أن يستوطن السجن، يجعل منه بيتاً، فيخفف بذلك من وطأته. وهو نافذة حرية إضافية تضاف إلى الخصوصية وإلى الزيارة. 

على أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن الاستحباس تحرُّر في السجن وليس تحرراً من السجن، وهو ليس إنكاراً لشرط السجن ولكنه تعايُش إيجابي مع شرط كان تغييره يتجاوز قدراتنا. في الاستحباس لا نجلب البيت إلى السجن، لكن ننشئ في السجن بيتاً بديلاً، مؤقتاً. وقد يكون من شرط الاستحباس طول المقام في السجن، وليس قِصَره. كأننا مع الزمن نعثر على مساحة من التصالح مع الضرورة ومن التغلب عليها أو التحكم بها. 

عادت عبارة السجن الكبير لتبدو أكثر شرعية من حيث أنها تمثل استمراراً لحياتنا في السجن بقدر ما هي حياة في ظل حكم السجان نفسه، وفي صورته النشطة كجلاد عام. وهو ما أخذ يتمثل لكثيرين منا بقدر أكبر من الوضوح بعد الخروج من سوريا، والتنبه إلى أشياء يمكن أن تكون بسيطة في تركيا وأوروبا، لكنها لم تكن بسيطة بحال في «السجن الكبير»: الحصول على كتب، السفر، الكتابة والمشاركة في نقاش دون ممارسة رقابة ذاتية، التجمع مع شركاء لشأن عام... أغلق القوس. 

وتبدو عبارة السجن الكبير تمثيلاً لتجربة معتقلات أكثر من معتقلين، وبخاصة بعد الثورة. العبارة واردة في شهادة لمعتقلة سابقة، هناء. والسجن الكبير هنا اجتماعي، سجن عادات وأعراف بطريركية متحجرة، أفضت إلى تطليق بعض المعتقلات، أو عزلهن، أو حتى قتلهن بعد تجارب اعتقال وتعذيب، واغتصاب، جارحة. وهو يضاف إلى البلد كسجن كبير يعاني منه معظم من سبق أن كانوا معتقلين. 

ينعكس ذلك بطبيعة الحال على تصور الحرية، لتشمل الخروج من هذا السجن الكبير بكل أشكاله، خروج النساء بخاصة لكونهن يتحملن الوطأة الأشد لأعراف فاسدة ولا إنسانية. ولعل هذه المعركة لا تتأجل بعد أن خسرنا التغيير السياسي، أي تغيير نظام السجن الكبير، بل صارت معركة راهنة اليوم، حيثما كان خوضها ممكناً. 

 * * * * *

ثم إنه من الحرية التي لم تُتَح لنا في سوريا هي أن نرجع، نحن السجناء السابقين إلى سجننا، نجول في الأماكن الذي قضينا فيها سنوات، ونخرج باختيارنا. في هذا فتح للسجن، أمامنا وأمام غيرنا، على العالم خارجه، بما يضعه تحت أعين الناس ورقابتهم بدل أن يبقى رمزاً للرقابة عليهم. وفيه خطة لتحويل السجن إلى «طلل» نقف عليه مودِّعين، أو بالضبط إلى متحف، موضع لتحف تحولت من صور غادرة إلى صور حميدة، وصارت تاريخاً. المتحف هو الماضي معاصراً لنا، أو هو تعبير عن حريتنا، قدرتنا على إقامة علاقة حرة بالتاريخ. بجعل السجون أطلالاً، أطلالَ سجون تُزار ويُجال فيها، تكون حريتنا قد صارت غير عكوسة، نكون قد صرنا في عالم سياسي مغاير تماماً. نعاكس بهذه الخطة خطة الحكم-السجان: يزول السجن السياسي، وتصير السجون مساحات تذكُّر واعتبار، مساحات حرية إضافية، في مقابل خطة أن يكون البلد ككل سجناً أكبر أو استمراراً للسجون الصغيرة. 

الوطن

بدلالته المعاصرة، الوطن هو البيئة السياسية التي نتمتع فيها بالحرية والمساواة في الحقوق كمواطنين. 

من الحرية في الوطن أن لا نُحبَس فيه لأننا نريد أن نكون مُساوين لمن يحكمونه، كتحقيق لمواطنتنا. والحرية في الوطن هي ألا يكون سجناً مهما يكن كبيراً، فنستطيع الخروج منه والعودة إليه. وهذا مع قدرتنا على الكلام والفعل فيه كما لو كنا «لاجئين سياسيين» مُصاني الحقوق خارجه. كانت حنّه آرنت قد رأت أن اللاجئين يُحرمون من «الحق في الحقوق» لكونهم مفصولين عن أية جماعة سياسية، وهذا في عالم ترتبط فيها الحقوق بوجود جماعة سياسية سيدة (أو مطالِبة بالسيادة و«تقرير المصير»). لم يتغير الوضع جدياً بين أيامها المزامِنة للحرب العالمية الثانية والتالية لها وأيامنا هذه. لا زال الناس محتاجين إلى أوطان يمكن أن يكون لهم حقوق فيها، لأن حقوقهم خارجها ليست حقوقا حقيقية. وهذا من جهتين: لأنهم في حماية الدولة المستضيفة وفي أمانها، أي في نظام حقوقي متكوِّن قبلهم، ولا تأثير لهم على دينامياته؛ ومن جهة أخرى لأنه يشيع أن تتواطأ الدول المستضيفة مع اللاجئين الأقل تسيُّساً لإنكار الأهلية السياسية للأكثر تسيُّساً والصفة السياسية لقضية اللجوء أصلاً. ربما يُفسَح مكان خاص لعدد قليل من «اللاجئين السياسيين»، بما يحجب حقيقة أن الجميع لاجئون سياسيون في الواقع.

ثم إنه لا حرية في الوطن مثلما لا حرية في البيت، إن لم يكن مفتوحاً لنُزار فيه ونستضيف أصدقاءنا. هذا يغيّرنا ويغيّرهم، فيغيّر حريتنا وحريتهم في أوطان مفتوحة. ما يشهد لحرية أوروبا، وإن كانت تضيق بها اليوم، ليس أن الأوروبيين يزورون بلداناً كثيرة بنسبة عالية، بل أن بلدانهم تُزار ويفضَّل العيش فيها من قِبَل نسبة عالية من سكان بلدان لا تُزار.

ثم إن من الحرية في الوطن أن نستطيع التغيير فيه، تغيير هياكله وأنظمته والأفكار فيه على نحو يلبّي حاجة السكان للاستقرار والحرية معاً. تبدو الأوطان كلها اليوم ممانِعة للتغيير وغير متوافقة مع الحرية بالتالي. العالم في أزمة من حيث أن ديناميات إنتاج البدائل لا تعمل. هذا نذير بانفجارات قادمة.

المنفى

مثلما أن السجن ليس مجرد بيت نُمنَع من الخروج منه، بل هو بيت نُحرَم فيه من الخصوصية، فإن المنفى ليس مجرد منعنا من العودة إلى البيت. العالم خارج البيت ليس عراء متجانساً، والمنفى ليس مجرد نفي للبيت، فله بُنية ذاتية، وفيه بيوت، وفيه مخيمات، وفيه سجون...

أول الحرية في المنفى أن يكون لنا بيت، ألا نبقى في العراء. بيت وليس مجرد مأوى في معسكر لاجئين، أو «هايم» كما يسمى في ألمانيا. العيش في معسكر لاجئين في المنفى يوفّر لنا بعض الأمن دون شك، لكنه يحرمنا من الحرية، ومن الخصوصية. 

في المنفى، قد ننعم بحرية لم نتعب من أجلها، ولم ندفع لها ثمناً. نستهلك حرية أنتجها غيرنا. لذلك فبعد البيت، الحرية هنا هي أن نُسهم في صنع الحرية في منافينا، نجتمع بغيرنا، نُنتج معاني، نناضل ضد تقييدات محتملة، ضد إنكار جَدارَتنا السياسية بخاصة، وضد ردِّنا إلى حالات إنسانية مما هو شائع في المنافي الأوروبية. ومثلما يكون الاستحباس علامة على حرية ممكنة في السجن، فإن «الاستنفاء»، التمكن بصورة ما من جعل المنفى وطناً، هو علامة على حرية ممكنة بدورها. حين تنحصر خياراتنا بين العيش في المنفى دون توطُّن، أو العيش فيه كوطن مؤقت، فإن الخيار الأخير يستجيب لحاجتنا إلى أن نألف شرطنا القسري. قد يفارق المرء هذا الشرط القسري بعد زمن يقصر أو يطول «مُوجَعَ القلبِ باكياً» مثلما توقّع المتنبي أن يغادر مشيبه بعد أن أَلِفَه، لكن من «يستنفي» يقاوم المنفى بفاعلية أكثر، مثلما من يستحبس يقاوم السجن بقوة أكبر.

هنا أيضاً ربما يلزم فتح قوسين. يبدو مثيراً للسخرية كلام أي سوريين على منافٍ أوروبية، بخاصة حين يأتي الكلام من مشتغلين في شؤون الثقافة والفن بيننا. أوروبا تبدو وطناً عالمياً للفنانيين والمثقفين، تُتاح لهم فرص تعلم وإنتاج، فضلاً عن شروط أمان وحرية حركة، ما كان يتاح لهم ما يُدانيها في الوطن، وفي عموم منطقتنا من العالم. ويشيع القول إن الفنان والمثقف منفي في كل حال، يعيش في ضرب من منفى معنوي، حتى لو كان مقيماً في بلده، وإن هذا المنفى شرط إبداعية ضروري. التعلم أكيد، لكن من المجادل فيه في تصوُّري الكلام على فن وفكر في انفصال عن بيئات حية نعيش فيها. لا يغتني العالم من منح التراث الأوروبي رتبة تراث العالم، الفن العالمي والفكر العالمي. أما عيش الواحد منا مغترباً أو منفياً في كل مكان فيبقى هو نفسه إن كان المرء مقيماً في أوروبا. نحتاج دون شك إلى تفاعل حر ومستمر مع تراثات مغايرة، والأوروبي مِن أغناها، لكن ليس أنسب شروط ذلك اضطرار المرء إلى ترك بلده دون أن يستطيع العودة إليه، ولو كانت شروط عيشه في أوروبا مُيَسَّرة. ثم إن معظم من يعيشون في المنفى من فنانين وكتّاب اضطرهم إلى ذلك ما يتعرضون لهم من مخاطر تتراوح بين منعهم من التعبير الحر عن أنفسهم وصولاً إلى تهديد الحياة، وهذا بفعل انخراطهم في الصراع من أجل الحرية.

أوروبا منفى. الكلام على منفى أوروبي يبقى وجيهاً لأننا لا نستطيع العودة إلى بلدنا، وإن كان على المرء أن يُقِرّ بميزات وضعه قياساً إلى اللاجئين في غير أوروبا، وقياساً إلى أكثرية ساحقة من السوريين في الداخل، بخاصة من لا يستطيعون السفر، إن بسبب الفقر أو الافتقار إلى وثائق. أُغلِق القوس.

ولذلك فإن حرية المنفي في المقام الثالث تتمثل في أن يستطيع العودة إلى «الوطن» آمناً كريماً من منفاه، والعودة إلى منفاه إن شاء. هذا ليس حال السوريين اليوم، ولا هو حال الفلسطينيين. لا تزول عن المرء صفة المنفي إلا إذا استطاع العود لبلده مع حفظ حقه في السفر. 

هل من حرية المنفي أيضاً أن يناضل من أجل عالم بلا منافٍ؟ بلا شك. لكن فقط مع إضافة أساسية: إن عالماً بلا منافٍ هو عالم بلا أوطان.

العالم

لا نستطيع الخروج من العالم، لكن نستطيع العمل من أجل الخروج من نظامه الحالي، أي أن نغيّر فيه أو نغيّره. ولما كنا هنا نفكر في أنفسنا كبشر، لا كمواطنين، فإن لا أحد منا يكون حراً أن كان من بيننا من ليس حرّ. أو إن انعدام الحرية في أي مكان يهدد الحرية في كل مكان، إن حاكينا صيغة لمارتن لوثر كنغ بخصوص انعدام العدل. ميزة التفكير في العالم هو أن نفكر كعالميّين، لا كوطنيّين. ذاك لا يستبعد هذا، وهذا لا يستبعد ذاك.

لكن ثمة شكل من تهديد الحرية في العالم يتمثل في تصوُّرنا للعالم كبيت واحد أو دولة واحدة، نعيش فيه كلنا وفقا للقواعد والقوانين نفسها. تبدو هذه طوبى مُفقِرة وخَطِرة، مهدِّدة لتنوع سُبُل العيش وتمثُّل العالم. على مستوى البلدان المفردة، يعتقد عموماً أن مستويات من اللامركزية والحكم الذاتي أكثر توافقا مع الحرية، ومن باب أَوْلى هذا أصح على مستوى العالم.

على أن فكرة العالم الواحد محرِّرة ما دُمنا نشهد مستويات من التفاوت الفادح على مستوى فرص العيش والحرية والحقوق بين المجتمعات والمناطق المختلفة. والتحدي الذي تتعين الاستجابة له بالتالي يتمثل في ضمان مستويات حد أدنى من سبل العيش والحرية للجميع، كمسؤولية عالمية وكتكريم لبشريتنا المشتركة، والعمل على حماية الاختلافات الثقافية. أي كيف نكون متساوين في بيوت متعددة. 

وكمثال يُتطلَّع إليه، يمكن التفكير في تقارب عالمي على مستوى الدخول والحمايات الاجتماعية والحقوق، وعلى «دول» أكثر لا أقل. العائق الكبير هنا هو السيادة: هل تبقى الدول، كثيرة أم قليلة، سيدة؟ أم هناك سيادة عالمية واحدة؟ أم مراتب من السيادة تكون العليا منها من نصيب سلطة عالمية، مع سيادات جزئية لسلطات محلية كثيرة؟ 

أياً يكن، كرامتنا الإنسانية ليس مصانة بالتفاوتات الهائلة في الدخل والحرية والسيادة القائمة اليوم. ومن يتحمل المسؤولية عن هذا الذل هو أغنياء العالم وأقوياؤه أولاً، ومعهم نظراؤهم المحليون. في هذا ما يذكّر بأن الحرية لا تزال معركة سياسية واجتماعية عالمية، ينبغي أن تُخاض وتُكسَب.

الحياة

من المشروع أن نتساءل عن إمكانية الحرية ما دمنا ميّتين في النهاية، ما دام سراحنا الزمني آيلاً إلى نهاية لا مهرب منها ولا خيار لنا فيها.

لَعَمرُكَ إِنَّ المَوتَ مَا أَخطَأَ الفَتَى
لَكَالطِّوَلِ المُرخَى وَثِنيَاهُ بِاليَدِ

هكذا يقول طرفة. والحال أننا أحرار ليس رغم أننا ميّتون، بل لأننا ميّتون، لأنه رغم لا-حرية النهاية أو حتميتها القاطعة، فإننا لا نكفّ عن الحركة والتغيُّر والمغامرة والاختيار قبلها. ما يجعل حياة عن حياة مختلفة، فتروى أو لا تروى، هو ما نفعله في السراح المتاح، هو تصرُّفنا رغم قِصَر «الطِّوَل المُرخى». ليس مدى ارتخاء الطول ولا طوله هو ما يحدد اختلاف حيواتنا، بل ما نفعله خلال فسحة الوجود المتاحة. لو لم نكن فانين ربما لما اختلفت حيواتنا بقدر اختلافها ونحن موقنون بفنائنا، ولما اتسمت بالزخم والتوتر، ولما عنت الحرية فيها شيئاً. نريد أن نكون أحراراً لأن وقتنا متناهٍ في هذا العالم. 

على أن الحياة لا تبقى هي نفسها في مراحل أعمارنا المختلفة. لا يبدأ طلب الحرية مع الميلاد، وإن يكن كل ميلاد فرصة لجديد غير مسبوق في العالم بحسب حنّه آرنت. يبدأ طلب الحرية مع المراهقة، حين يريد الفتى أو الفتاة الاستقلال عن الأهل، دون أن تملك أو يملك ما يؤهِّل للاستقلال. مع الشباب تأخذ الحرية شكل التغيير في النفس وفي العالم، الخروج إلى العالم بصور مختلفة، بما في ذلك الخروج على خروجاتنا السابقة. ومثلما سبق قوله في الحرية: البيت، السجن، المنفى، العالم، فإننا إذا استطعنا تغيير أنفسنا مرة في العمر، فإنه يتعذر أن نفعل ذلك مرتين، ما يعني أننا قلما نموت أحراراً إن متنا متقدمين في السن.

مع التقدم في السن، تأخذ الحرية دلالة مغايرة. في شبابنا ونضجنا، الحرية توافُق تغيير ما نُحدثه في العالم وما نُحدثه في أنفسنا. تأخذ الأمور بالانتظام بعد حين يطول أو يقصر. حتى المشتغلون بالإبداع، وبالتالي بتنمية احتياطيات الحرية في العالم، يستقر أمرهم على أسلوب أو نَسَق. يغلب مألوف الناس عموماً على قدرتهم على المغامرة والتجديد. هنا ربما تكون الحرية أقرب إلى التوقف عن فعل أشياء تتجه لأن تكون متماثلة أو محدودة الاختلاف، فلا نضيف بجديدنا جديداً، وتقل القيمة المضافة لفعلنا في العالم. التوقف ليس سهلاً، بالنظر إلى أننا أَلِفنا أن نفعل ما نفعل، ونستمد منه الشعور بالاعتبار في العالم، وهو بحد ذاته ليس فعل حرية في العالم، وأن أمكن له أن يكون فعل تحرُّر نفسي. يحدث أن نتساءل لماذا يصرّ السياسي على منصبه، وهو سبعيني أو ثمانيني؟ ولماذا يثابر الكاتب أو الفنان على جديد بلا جديد؟ التوقف محرِّر في مثل هذه الأوضاع. إنه بدء بحد ذاته. ويكون محرِّراً أكثر إن كان بداية لشيء مختلف. 

 * * * * *

يبقى أن تعدُّد الحرية يقود إلى التفكير في ما إذا لم تكن في تعدُّدها ذاته جزءاً من متعدّد أكبر، يشمل أوضاعاً لا تعني الحرية فيها شيئاً. هذا ما سيكون موضوع تناول مستقل لاحق.