خط إسرائيل الأحمر في سوريا

في هذا النص، الذي نشره موقع Foreign Affairs يوم 14/12/2017، يسلّط الكاتب مير خافيدانفار الضوء على المصالح المتضاربة، والمتقاطعة، بين إيران وروسيا وإسرائيل على الأراضي السورية في ظلّ معطيات الواقع الجديدة، مع إحكام النظام السوري قبضته على كرسي الحكم، مبيّناً أهمية الدور الروسي في رعاية مصالح حليفيه الإيراني والإسرائيلي.

مير خافيدانفار هو محلّلٌ إسرائيلي وُلِد في إيران، وتركها عام 1987 بعد الثورة الإيرانية بثمانية أعوام. خافيدانفار متخصّصٌ بالشرق الأوسط وتحديداً الشؤون الإيرانية، وعلى وجه الخصوص في مجال السياسات الإيرانية المعاصرة، الذي يُدّرسه في مركز إنتيرديسبليناري في مدينة هرتسليا في إسرائيل، كما أنه أحد كبار الباحثين في مركز إزري للدراسات الإيرانية والخليجية، وكان قد أسّس أيضاً المرصد الإيراني-الإسرائيلي.

حلَّ خافيدانفار ضيفاً محاضراً في عديد من الجامعات والفعاليات في أكثر من 20 دولة حول العالم، محاضراً بخمس لغات مختلفة (الفارسة، والعبرية، والإنجليزية، والبرتغالية، والإسبانية). ويُضاف إلى ما سبق تأليفه عدداً من الكتب، وكتابته لعدة جهات إعلامية.

 

استهدفت صواريخ إسرائيلية في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر (ديسمبر/كانون الأول 2017) موقعاً عسكرياً يُؤوي قواتٍ إيرانية، وفقاً لما أشارت إليه بعض التقارير، بالقرب من مدينة دمشق. وأرادت إسرائيل إيصال رسالةٍ واضحةٍ حملتها هذه الصواريخ: إسرائيل لن ترضى بوجودٍ دائمٍ للميليشات الإيرانية ونواتها العسكرية في سوريا. ترى القيادة الإسرائيلية أن ذلك خطٌّ أحمر، خطٌّ شدَّدَ عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصراحةٍ تامةٍ في رسالةٍ مرئيةٍ صدرت له بعد الهجوم ببضعة ساعات: «لن نسمح (لإيران) بأن تضرب جذوراً عميقة في الجهاز العسكري في سوريا، كما تمنّي النفس بتحقيقه، في سعيها لمحو دولتنا».

لم يكن هناك أيّ غموضٍ يلفّ الغاية التي أرادتها إسرائيل من إرسال رسالةٍ إلى إيران، هي لا تريد أن تصبح سوريا قاعدةً أخرى للنظام الإيراني وحلفائه، فالقوات التي تتمتّع بالرعاية الإيرانية تؤرّق، أصلاً، الإدارة الإسرائيلية التي صرّحت بأنها تعتقد أن حزب الله يحوز على ما يزيد عن 100 ألف صاروخ. وعلى الجانب الآخر، تعمّقُ طهران علاقتها بحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، والجناح العسكري لحركة حماس. وفي عام 2015، عقب توقيع الاتفاق النووي بين إسرائيل والولايات المتحدة، أكّدَ المرشد الأعلى آية الله خامنئي أن إسرائيل «لن تعيش لترى نهاية الـ 25 عاماً هذه.»  وأن «إيران ستقدّم الدعم لأيّ أحدٍ يوجّه أسلحته صوب إسرائيل». 

ولكن طهران لم تكن هي الوحيدة المعنية بتصريحات خامنئي، فقد شهد الصراع في سوريا نقلةً هامةً في موازين القوى في ضوء بداية التدخل الروسي في سوريا في خريف 2015، إذ أدركت إيران أنها لم تعد على رأس هرم القوى الأجنبية في سوريا بدخول روسيا. ولا يزال هناك، حتى اللحظة، توافقٌ بين الأهداف الروسية والإيرانية في سوريا، ولكن هذا يتغيّر مع دخول الحرب مرحلةً جديدة. وبالتأكيد لن يتوّرعَ الرئيس الروسي فلادمير بوتين عن التحرك في وجه إسرائيل متى وجدَ ذلك ضرورياً، ولكن هناك مصالح مشتركة تجمع البلدين، روسيا وإسرائيل، في سوريا، وهذه المصالح المشتركة قد تُعينُ إسرائيل على إنفاذ خطها الأحمر في سوريا.

تحالفاتٌ متغيّرة

أعلنت إيران نفسها أحد أهم الداعمين الرئيسين للرئيس السوري بشار الأسد منذ مايو/أيّار 2011، وترى طهران أن الأسد هو ضلعٌ محوريٌّ فيما يُسمّى محور الممانعة ضد إسرائيل والنفوذ الأمريكي في المنطقة. ولا يخفى على أحدٍ التاريخ الطويل من التناصر بين دمشق وطهران، فقد كانت سوريا واحدةً من بضعة دول انحازت إلى جانب إيران خلال الحرب بين العراق وإيران، ومنذ وقتٍ طويل، استصلحت إيران سوريا كنقطة عبورٍ لتسليح حزب الله في لبنان.

والآن، وبعد أن أحكم الأسد قبضته على الحكم في سوريا، يظهر أن طهران أصبحت تمنّي النفس بتحقيق ما هو أبعد من مجردِ إبقاء الأسد على رأس الحكم في سوريا، ففي أواخر عام 2016، تطرّق محمد باقري، الرئيس الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية، إلى نية إيران بناء قاعدةٍ بحرية في سوريا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، نشرت البي بي سي تقريراً عن النوايا الإيرانية ببناء قاعدةٍ عسكريةٍ دائمةٍ جنوب دمشق، أي على بعد 50 كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية فقط، في خطوةٍ اعتبرتها إسرائيل تهديداً مباشراً، وكان ردّها عليها مباشراً كذلك، فالهجمة التي نفذّتها إسرائيل يوم 1 ديسمبر/كانون الأول استهدفت ذاك الموقع بحسب ما أشارت إليه بعض المصادر، لتودي بحياة 12 جندياً إيرانياً، وتجرح العشرات.

اعتبارُ الوجود الإيراني والميليشيات التي تدعمها إيران في سوريا خطّاً أحمراً هو أمرٌ يلقى دعماً واسعاً وإجماعاً لدى الحزبين في إسرائيل، فحتى خصوم نتنياهو لم يُظهروا أي اعتراضاتٍ على هذه التوجهات (بخلاف ما حصل عام 2012، عندما اعترضت كثيرٌّ من الشخصيات السياسية الإسرائيلية على خططه باستهداف المنشآت النووية قبيل الاتفاق النووي).

ولكن الخطط الإيرانية في إقامة مقراتٍ دائمةٍ في روسيا قد لا تمثّل مشكلةً إسرائيليةً فحسب، إذ بالرغم من أن روسيا عملت مع إيران على دعم نظام الأسد ضد ما أسمته «إرهابيين إسلاميين»، فقد بدأت الصدوع بالظهور في منظومة المصالح الروسية الإيرانية المشتركة لمّا كان الحديث عن مستقبل سوريا.

يأمل الكرملين في النهاية أن يكون في تورطه في النزاع السوري برهانٌ على قدرته على لعب دورٍ جيوسياسيٍّ مهم، فقد تجلّت محاولات بوتين واضحةً، بين ضمّ شبه جزيرة القرم والتدخل في سوريا، في إعادة التأكيد على ثقل روسيا بفرض نفسها لاعباً محورياً في مناطق تمثّل أهميةً حيويةً لمصالح الولايات المتحدة. وعقب الانتصارات الأخيرة التي حقّقتها روسيا على داعش وقوات المعارضة في سوريا، بدأت روسيا بدفع البلاد نحو صفقة سلامٍ تهدف إلى الجمع بين السواد الأعظم من كتل المعارضة ونظام الأسد على طاولة المفاوضات للحديث عن مستقبل البلاد. ولا بدَّ أن الوجود الدائم للميليشيات الشيعية الإيرانية سيكون عقبةً في وجه اتفاقية من هذا النوع، بل وتهديداً للاستقرار في الإقليم.

ولا بدَّ أيضاً من عدم إهمال الكلفة المهولة لإعادة إعمار سوريا، وهي كلفةٌ لن تستطيع روسيا أن تتكفّل بها وحدها، فبحسب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ستكلّف إعادة إعمار سوريا 250 مليار دولار على الأقل. ولن يستثمر الغرب أو السعوديون على الإطلاق في مشروعٍ كهذا إن تبدّى لهم وجود حربٍ بين إسرائيل والقوى التي تدعمها إيران في الأفق. وهكذا بالرغم مما يُخيّل للكثيرين عن التحالف الإيراني-الروسي، فقد قدّمت إسرائيل في هجماتها الأخيرة على سوريا صنيعاً غير مباشر للمصالح الروسية.

أصدقاءٌ من بعيد

يُدرك الكرملين أن الضغط الإسرائيلي يستطيع أن يقوّي موقفها إذا ما أرادت إقناع الأسد بأن عليه عدم الانقياد لخطط إيران الجلية في بناء قاعدةٍ عسكريةٍ دائمةٍ في سوريا، بل إن موسكو تتعاون استراتيجياً مع الإسرائيلين لردع المطامع الإيرانية على هذا الصعيد.

ولو قارنا بين بوتين وغيره من القادة الروس والسوفييت، سنرى أن بوتين قد تفوّق على أسلافه في تعزيز علاقاته الطيبة مع إسرائيل. وربما يمكن ردّ، ولو جزئياً، إقباله على الإنصات، بل وإبداء الاهتمام، بما يُقلق إسرائيل إلى علاقته الشخصية الوثيقة مع يهود روسيا. وعندما كان بوتين طفلاً، عاش في شقةٍ لا تتجاوز مساحتها 20 متراً مع عائلةٍ يهوديةٍ ملتزمة، وهناك أناتولي راكلين، الذي علّم بوتين رياضة الجودو، وهو أيضاً يهودي. كما أن معلّمة بوتين الألمانية في صغره تعيش الآن في تل أبيب في شقة اشتراها لها بوتين بنفسه.

هذه العلاقات الدافئة كانت أساساً لتعاونٍ استراتيجي، ولو قمنا بقياس ذلك في الشأن السوري، فقد عمد الإسرائيليون والروس إلى وضع آلياتٍ تضمن عدم حدوث أيّ صداماتٍ بين القوات الجوية لكلا البلدين. فبعد مدةٍ وجيزة من بداية التدخل الروسي في سوريا، قام البلدان بإجراء خطّ اتصالٍ ساخن بين مركز القيادة الجوية الروسية في قاعدة حميميم، وبين قيادة القوات الجوية الإسرائيلية. ووفقاً للجنرال آموس جيلاد، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، اتفق البلدان على إجراءات خفض تصعيد تضمن أمن الطائرات الروسية التي تدخل الحدود الجوية الإسرائيلية عن طريق الخطأ. وبهذا أمَّنَ الطيّارين الروس من احتمالية قيام الإسرائيليين باستهداف طائراتهم وهم ينفذّون مهامهم بالقرب من الحدود السورية الإسرائيلية بفضل هذه الاتفاقيات. وفي المقابل، كان بإمكان الطيّارين الإسرائيلين تنفيذ غاراتهم على الأهداف الإيرانية وثكنات حزب الله داخل الأراضي السورية دون أي قلقٍ من الاصطدام عن طريق الخطأ بالمقاتلات الجوية الروسية. وفعلياً، يتجلّى في عدم استخدام روسيا لمقاتلاتها الجوية لحماية حلفائها الإيرانيين أو حزب الله في سوريا من الهجمات الإسرائيلية رضى بوتين بدعم الجهود الإسرائيلية، التي تسعى لإنفاذ خطها الأحمر في وجه التوسع الإيراني العسكري.

هل سيدوم الودّ؟

تتعقّد التوترات حالياً بين إيران وإسرائيل في سوريا، ولا شكّ أن الردَّ الإيراني على الهجمة الإسرائيلية الأخيرة هو مسألة وقت. وغالباً، سيأخذ هذا الرد منحى هجمات تُرهب المواطنين الإسرائيليين في الخارج بصورةٍ مشابهة للهجوم الانتحاري الذي استهدف حافلة سياحٍ إسرائيليين في مدينة بورغاس البلغارية في يوليو/تموز 2012، والذي كان حزب الله هو المسؤول عنه على الأرجح. تستطيع إيران أيضاً أن تضغط على الأسد لتعزيز وجودها العسكري في سوريا، وربما حتى مهاجمة إسرائيل مباشرةً من الأراضي السورية. ولكن، وبغض النظر عن المنحى الذي سيأخذه الردّ الإيراني، لا يُعتقد بأن رد طهران سيكون كافياً لردع إسرائيل عن الإغارة على الأهداف الإيرانية في سوريا، وستستمر إيران في السعي للتوسع عسكرياً في سوريا بالرغم من التحذيرات الإسرائيلية، وهو أمرٌ سيستفزّ المزيد من الهجمات مستقبلاً.

تتطلّب تهدئة هذه الدورة الخطيرة تدخلاً دبلوماسياً، ولا أقدرَ من بوتين على الوساطة بين إيران وإسرائيل لعقد اتفاقية بفضل المصداقية والنفوذ الذي يتمتّع بهما. إفساحُ المجال لإسرائيل لتقويض الوجود العسكري الإيراني في سوريا هو أمرٌ يخدم المصالح الروسية في الوقت الراهن، ولكن في حال كان هناك تصعيدٌ يؤدي إلى صراعٍ إسرائيليٍ-إيراني على الأراضي السورية، فستتغيّر هذه الحسابات. ووقتها فقط، أي بعد إضعاف القوات التي تدعمها إيران، ستضغط روسيا على الطرفين للوصول إلى حلٍّ دبلوماسي.

لقد راهنت روسيا كثيراً في سبيل الإبقاء على نظام الأسد، والخططُ الإيرانية لتوسيع رقعة نفوذها واستعمال سوريا كقاعدةٍ لتهديد إسرائيل تشكّل خطراً على الرهانات الروسية. وعلى المدى الطويل، ليس من المرجّح أن يسمح بوتين للتوسع الإيراني بالاستمرار بدون رقيبٍ ولا حسيب، وسيكون للجهود الدبلوماسية الروسية، في ظلّ ما سبق، دورٌ في الحدّ من نفوذ القوات الإيرانية وحجمها في سوريا. وهذه بالتأكيد ليست أسوأ نتيجة من المنظور الإسرائيلي.