داريّا: الانتظار على مداخل المدينة

 

في مثل هذا اليوم، السادس والعشرين من آب لعام 2016، خرجت أول دفعة من أبناء داريّا في قوافل التهجير القسري، وذلك بموجب اتفاق أفضى إلى سيطرة قوات النظام السوري على المدينة بعد إخلائها بالكامل من المدنيين والمقاتلين الذين كانوا قد صمدوا فيها طوال أربع سنوات من الحصار والتجويع والقصف العنيف والمعارك. وبموجب الاتفاق، تم إخراج نحو سبعمئة مقاتل وأربعة آلاف مدني، المقاتلون ومئات المدنيين إلى الشمال السوري، وبقية المدنيين إلى «مراكز إيواء» في ريف دمشق، لينضموا إلى أبناء المدينة الذين كانوا قد نزحوا سابقاً إلى مناطق عديدة داخل سوريا أو خارجها، وتفرغَ المدينة بذلك من أهلها بشكل كامل.

وكانت مدينة داريّا في غوطة دمشق الغربية تضمّ نحو من 255 ألف شخص قبل قيام الثورة، وذلك بحسب إحصائية صدرت في 2007، لكن الغالبية العظمى منهم نزحوا تدريجياً من المدينة بعد بدء المعارك والحصار منذ عام 2012، الذي شمل إلقاء مئات البراميل المتفجرة من طائرات النظام المروحية. وبعد سيطرة النظام على المدينة منذ ثلاث سنوات، كان ملف العودة إليها أكثر الملفات حضوراً لدى أبنائها المهجرين، ذلك أن النظام منع هذه العودة بذريعة «تأمين المدينة»، ثم بدأ يسمح بها منذ بضعة أشهر على نطاق ضيق جداً، وبعد إجراءات بالغة التعقيد.

واليوم، يعيش أهالي داريا المهجرون الذين لا يزالون يعيشون في مناطق سيطرة النظام حالة من الانتظار والترقب، بعد صدور تصريحات جديدة من مسؤولين في النظام تتحدث عن السماح لسكان المدينة بالعودة إليها، غير أن هذه التصريحات لا تتطابق مع واقع الحال، إذ لم يدخل المدينة سوى نسبة قليلة من أبنائها، ولم يستطع جميع الذين دخلوا البقاء فيها.

ويشترط عناصر النظام على الراغبين بالعودة استصدار «بطاقات دخول»، لا يتم منحها إلا بعد التحري الأمني في فروع أمن الدولة والمخابرات الجوية وفرع المنطقة، وبدون هذه البطاقات فإنه لا يمكن للأهالي دخول المدينة، وهو ما يستغله عناصر النظام لتحصيل أموال يتم دفعها كرشاوى مقابل الدخول المؤقت لمن لا يحملون هذه البطاقة، وذلك بحسب ناشط في ريف دمشق، رفض ذكر اسمه لأسباب أمنية.

وعن آلية إصدار التصاريح، يقول الناشط إن «الأهالي يتقدمّون للحصول على هذه التصاريح بالجملة، ويتم إجراء دراسة لكل الملفات، ثم يتم استدعاء البعض للاستفهام عن نقاط معينة، كوجود تقرير أمني يخص الشخص أو واحداً من أقاربه، أو بسبب ممارسة نشاط سياسي، أو أي علاقة قد تجمع الشخص بجهات أو أفراد في المعارضة»، مشيراً إلى أن الموافقات «تصدر على دفعات، كل 50 أو 100 اسم معاً، وليس هناك معايير واضحة للقبول والرفض، ولم تشمل هذه التصاريح، منذ بدء إصدارها، أكثر من 15 بالمئة من أبناء داريّا».

وكان مروان عبيد، رئيس مجلس مدينة داريّا التابع للنظام، قد قال في حديث لصحيفة الوطن المقربة من النظام في العاشر من تموز الماضي، إن عدد الحاصلين على بطاقات الدخول «بلغ 7500 عائلة، يقيم منها في المدينة 200 عائلة فقط، فيما تقدمت 19 ألف عائلة بطلب للعودة إلى المدينة». مضيفاً أن بطاقة الدخول التي تصدر عن ما أسماه «الجهات المختصة» هي شرطٌ لدخول المدينة، ومن لا يحمل البطاقة ويرغب بمراجعة البلدية فقط، فإنه يحق له الدخول دون السماح له بالمبيت فيها.

وأشار عبيد إلى أن «البلدية تعمل على تنظيف الشوارع وترحيل الأنقاض وذلك من خلال التبرعات المقدمة لها، دون أن يتم إنفاق أي مبلغ من لجنة إعادة الإعمار خلال العام الحالي». فيما أفادت مواقع موالية للنظام بأن لجنة تنظيم نقل الركاب في محافظة ريف دمشق «وافقت على إعادة تفعيل خط السير بين داريا ودمشق، بدءاً من 16 تموز 2019»، لافتة إلى أن إعادة تفعيل الخط «جاءت بعد عودة قسم كبير من الأهالي إلى منازلهم»، على حد وصفها.

ويبدو أن عدد العائدين إلى المدينة قد زاد قليلاً جداً بعد حديث عبيد، إذ ذكرت وكالة خطوة الإخبارية بعدها بنحو إسبوعين أن قوات النظام «سمحت لعدد من أهالي داريا بالعودة الى منازلهم، بعد نحو عام من تقديم طلبات الموافقات الأمنية، حيث دخلت حتى تاريخ 24 تموز 2019، ثلاث دفعات بعدد إجمالي وصل إلى 600 شخص»، مضيفة أن العدد الإجمالي للحاصلين على الموافقات الأمنية وصل إلى «نحو 10 ألف مستفيد، بينما يسكن في الحي عشرات العائلات فقط بسبب قلة الخدمات، فيما تمنع قوات النظام الداخلين من التجول داخل المدينة، ويُسمح فقط لآليات إزالة الأنقاض وورشات الصيانة بالدخول».

وأفاد الناشط الذي تحدثت إليه الجمهورية في ريف دمشق بأن «نسبة الدمار في المدينة بلغت أكثر من 70 في المئة بسبب حملات القصف المكثف التي طالتها أثناء الحصار والمعارك، وقد تمت إعادة تأهيل بعض المرافق في المدينة على نفقة الأهالي والتجار، فيما نفّذَ النظام عمليات هدم ممنهجة لعدة مناطق بهدف إعادة تنظيمها وحرمان أهلها منها».

وتسيطر على داريا اليوم قوات النظام إضافة إلى قوات روسية، بعد فترة من إطلاق يد إيران في المنطقة بعد السيطرة عليها، وهو الأمر الذي تغير في الفترة الأخيرة، حيث تراجع حضور العناصر الإيرانيين لأسباب مجهولة، أو «تم تحجيمه مقابل الحضور الروسي»، بحسب الناشط الذي نوّه إلى أنه خلال فترة وجود القوات الإيرانية «تم شراء عقارات بسعر أغلى من السعر الطبيعي، وامتلاكها من قبل عناصر تابعين للقوات الإيرانية، وخصوصاً في محيط مقام سكينة، الذي يُعتبر من المقامات المقدسة للطائفة الشيعية في المدينة، وذلك بهدف ترسيخ الوجود الإيراني في المستقبل».

وكان موقع المدن قد ذكر في تقرير له مطلع تموز الماضي أن الفرقة الرابعة، المقربة من إيران، هي التي تشرف على كل عمليات إعادة الأهالي وإدارة المدينة، كإصدار تصاريح الدخول والموافقات لتأهيل المرافق، وذلك بعد زيارة وفد من ضباط روس للمدينة مطلع حزيران الماضي. وفي هذا الصدد تقول مصادر الجمهورية إن الفرقة الرابعة تتواجد في المنطقة بحكم أن تأمين محيط العاصمة دمشق مهمتها الرئيسية، مضيفة أنه يتم إصدار بطاقات الدخول عن طريق الأفرع الأمنية بالتنسيق مع الفرقة الرابعة، وأن تزايد الحضور الروسي وتراجع الحضور الإيراني أدى إلى تراجع حضور الفرقة الرابعة مؤخراً، دون أن يؤدي إلى إنهائه.

بالإضافة إلى الحرمان الطويل من دخول المدينة، تعرض كثيرون من سكان مدينة داريا إلى انتهاكات متنوعة على مدار السنوات الماضية، من بينها الاعتقالات الواسعة التي طالت أبناءها أثناء سيطرة فصائل المعارضة عليها وفي فترة المفاوضات، وذلك بسبب رمزية المدينة في مقاومتها الطويلة للنظام، وإنهاكها لقواته قبل سيطرته عليها. ويعد ملف المعتقلين من أبناء المدينة من أكثر الملفات إلحاحاً، ذلك أن مصير المئات منهم لا يزال مجهولاً، قيما تم الإعلان عن استشهاد العشرات تحت التعذيب خلال السنوات الماضية. ويُعتبر الكشف عن مصير المعتقلين من أولويات الأهالي، إلى جانب السماح لهم بالعودة للمدينة.

تتزامن ذكرى اتفاق التهجير مع ذكرى المذبحة المروعة التي ارتكبتها قوات النظام في المدينة في الخامس والعشرين من آب 2012، والتي أسفرت عن استشهاد مئات المدنيين بالرصاص والسلاح الأبيض، ويؤكد سلوك النظام تجاه الأهالي اليوم على أنه لا يرغب في طيّ صفحة الماضي مطلقاً، بل يبدو واضحاً أنه يريد أن يبقيها مفتوحة بكل شكل ممكن، ذلك أن من كان له نشاط معارض من أي نوع لن يستطيع الحصول على بطاقة الدخول بكل تأكيد، وستبقى احتمالات اعتقاله والتحقيق معه قائمة في كل وقت، كما أن إجبار الأهالي على الحصول على هذه البطاقات، وربطها بتحقيقات حول أقاربهم وعلاقاتهم وتواصلاتهم، يبدو نوعاً من العقاب الجماعي لهم، ونوعاً من التذكير المستمر بالأثمان الباهظة التي دفعوها جراء ثورة مدينتهم على نظام الحكم.