دار إسقاط: مأوى المسنين الوحيد في إدلب

 

ليس اللجوء إلى «دار العجزة والمُسنين» شائعاً في الثقافة المجتمعية السورية عموماً، ولدى أبناء المناطق الريفية على وجه الخصوص، وذلك لارتباط المسألة بمفاهيم «دينية واجتماعية» من «برّ الوالدين، ونكران الجميل، والعيب، وغيرها». وإذا كانت رعاية الأسرة المباشرة للمسنين تساهم في تخفيف الآثار النفسية الناتجة عن التقدم في السن، وهو ما يُطابق إلى حد كبير المفاهيم والعادات المتوارثة، إلّا أن الحاجة إلى دُور للرعاية باتت ملحّة، مع ازدياد نسبة أولئك الذين يحتاجونها بسبب ظروف الحرب المستمرة منذ ثماني سنوات، إضافة إلى ارتفاع معدلات الشيخوخة، وتعرّض كثيرين لتجارب عنيفة وصادمة كالتهجير وفقدان الأبناء، فضلاً عن الظروف المادية الصعبة، وتغير البنية السكانية في الشمال السوري، وهجرة كثير من الأبناء مع صعوبة اصطحابهم لآبائهم وأمهاتهم.

دار إسقاط، التي سُميّت بهذا الاسم نسبة إلى البلدة التي انتقلت إليها في ريف إدلب الشمالي، هي الوحيدة التي تُصنّف كـ «دار للعجزة والمسنين» في المنطقة. وكانت هذه الدار قد تأسّست في مدينة جسر الشغور في ثمانينات القرن الماضي، وكانت داراً حكومية. إلّا أنه وبعد نزوح الأهالي من المدينة بسبب القصف الشديد في العام 2015، قرر المسؤول عنها نقلها إلى مكان آخر بمبادرة ذاتية، لتأمين الراحة النفسية والصحية والأمان لقاطنيها، ليتمكّن وبمساعدة المجلس المحلي في بلدة إسقاط، الذي قدّم «سكناً ملائماً مجانياً»، من إعادة افتتاح الدار.

القاضي محمد نور حميدي هو مدير هذه الدار، وهو يقول إن الدافع الأساسي لافتتاحها هو تأمين الرعاية للأشخاص الذين تعرضوا لمختلف أنواع الفاقة والمرض والعجز، بعد تركهم كضحايا للإهمال من قبل أسرهم، أو المؤسسات الاجتماعية التي يفترض بها العناية بمثل هذه الحالات.

تضمّ الدار عشرة نزلاء فقط اليوم، بعد أن شهدت موت اثنين من نزلائها خلال العام الماضي، ويتكفل مديرها بتقديم ما يلزم من رعاية صحية ونفسية وأكلاف مادية. ويعمل في الدار موظفان «للعناية بالمسنين»، إضافة إلى مشرفة تقيم مع النزلاء وتعمل على تلبية احتياجاتهم ورعايتهم صحياً والعناية بهم، وتأمين جو أسري يبعث الاطمئنان في نفوسهم. ويتقاضى الموظفون رواتب شهرية من قبل مدير الدار، بينما يقوم بعض المتطوعين بزيارة الدار لتقديم «العون والمساعدة، بما تمليه عليه ضمائرهم»، بحسب تعبير حميدي.

يقول الشاب يوسف، وهو أحد المتطوعين من أبناء بلدة إسقاط: «الواجب والتقاليد في مجتمعنا يفرضان احترام حقوق العجزة والمسنين ورعايتهم وإحاطتهم بالعطف والمحبة، لأن هذه الفئة العمرية تحتاج لاهتمام كبير، ولكن ظروف الحرب في وقتنا الحاضر فرقت الناس وشتت كثيراً من الأسر السورية، وجعلت العديد من المسنين ضحية الإهمال النفسي والاجتماعي والمادي».

تلقّت الدار، ومنذ تأسيسها، دعماً محدوداً بمبادرات فردية، ولمدة ستة أشهر فقط، ليغيب أي دور للمنظمات و«الحكومات المتعددة والمتعاقبة» في رعاية المسنين الذين يحتاجون إلى المأكل والملبس والرعاية الصحية، بعد أن تقطعت بكثير منهم سبل الحياة دون قريب أو زائر. وتتفاوت الكلفة المادية الشهرية اللازمة لاستضلفة النزيل بحسب الأمراض واحتياجات النزلاء، وهو ما يشكل عائقاً أمام استقبال النزلاء الجدد، «إذ لا يكاد يمر يوم دون قدوم مُسنّ أو عاجز يرغب في الإقامة داخل الدار، ولكن ضعف الإمكانات يحول دون ذلك، ويمنعنا من استقبالهم»، يقول مدير الدار.

في الدار 

يتألف مبنى الدار من طابقين، يضم الأول أربعة غرف مخصصة للنوم وصالة كبيرة للجلوس وحديقة تضمّ بحرة ماء وبئراً وعدداً من الأشجار، في حين يحتاج الطابق الثاني منها إلى «الإكساء»، وهو خارج الخدمة حالياً.

بين غرف الدار تسكن كثيرٌ من الوجوه المتعبة والقصص الموجعة، منها ما روته لنا سمر خميس، التي خطف «الحبس» من عمرها سنوات لا «تتذكر عددها» ولكنها وصفتها بأنها «كثيرة». «سجينة المغارة» كما يُطلق عليها أمضت سنوات طفولتها وجزءاً كبيراً من شبابها محبوسة في كهف مظلم، على يد والدها، مع كلب كانت تُقاسِمه كسرة الخبز ورشفة الماء اللتين تبقيهما على قيد الحياة.

ادّعى والد سمر من كفرتخاريم موت «طفلته» لعشرين عاماً، قضتها في كهف، بعد طلاق والدتها ورفضِ زوجة والدها الجديدة العناية بها، إلّا أنها وبعد اكتشاف أمرها من بعض المارة وإخراجها من سجنها، باتت اليوم سجينة فقدان البصر جرّاء تعرضها مباشرة لأشعة الشمس بعد ظلام طويل، لتحط رحالها في دار رعاية العجزة والمسنين عندما كانت في جسر الشغور.

يستقبلنا أحد نزلاء الدار بالقرب من البحرة التي تتوسطها، وهو محمد ابن الخامسة والثلاثين من عمره، الذي يعاني اضراباً نفسياً. كان والداه، اللذان يجهل مكانهما أو اسميهما، قد تركاه أمام باب الدار في جسر الشغور عندما كان بعمر خمس سنوات. لا يذكر محمد شيئاً عن ماضيه، وباتت هذه الدار أهله وسكنه وذاكرته.

غير بعيد عن مكان محمد، تختار أم أحمد (في العقد السادس من عمرها) مكاناً لها، تتجنب الحديث مع أحد، وتغرق في بحر من الحزن والصمت والوحدة، بعد أن هجرها أبناؤها، وشغلتهم مصاعب الحياة عن العناية بها، تقول: «تهدّم منزلي في مدينة إدلب، وبناتي تهجّرنَ كلٌّ منهنَّ إلى بلد هرباً من الحرب، أما ولدي الوحيد فقد تغيرت معاملته لي بعد زواجه وأصبحتُ عبئاً ثقيلاً عليه، فتركني وسافر إلى تركيا مع زوجته. عندما بقيت وحيدة ضاقت بي الدنيا ولم أعد أجد مكاناً للنوم، كما أنني مرضت كثيراً حتى لم أعد قادرة على الاهتمام بنفسي، لذلك قصدت الدار التي وجدت فيها مكان استقرار ورعاية».

وكعادة الأمهات، لا تُحمّلُ أم أحمد أبناءها مسؤولية ما حدث لها، بل تدعو لهم بالخير، وتحمد الله على ما منّ «به عليها» بقبولها في الدار، التي خففت من آثار وحدتها، وساعدتها على مواصلة الحياة.

تحتضن دار إسقاط بعض القصص المخبّأة، فيما تقبع خارج أسوارها مئات وربما آلاف القصص الأخرى، التي تحتاج إلى تسليط الضوء عليها ورعاية أصحابها. يقول مدير الدار: «المُسنّون بركة الحياة، ولا ينبغي لرسالة الإنسان أن تنتهي بعجزه أو كبر سنه، لأن الشيخوخة جزءٌ لا يتجزأ من وجود الإنسان، وحقيقةٌ لا يمكن لأحد أن يتفاداها، وامتدادٌ لتاريخ طويل تتخلله مخاطر وتحديات. ويبقى من واجب الأبناء والمجتمع عموماً رعاية المسنين رغم كل الظروف الصعبة». وهو يأمل باجتراح حلول للمسنين الذين تخلّى عنهم ذووهم أو تقطعت بهم السبل لسبب أو لآخر، بما يضمن رعايتهم وتأمين مقومات الحياة الكريمة لهم.

في الصالة الكبيرة تجلس سمر، ينطلق لسانها بالكلام، وتُفرِجُ عن ابتسامات توزعها كيفما اتفق مع تحسّن حالتها الصحية، بينما يتآلف كبار السن ويتبادلون أحاديث كثيرة عن «الذكريات والأيام الماضية والأولاد والأحفاد». دقائق تمرّ، ليسود الصمت بعدها في المكان من جديد، وتتشبث العيون كلّها بسقف الصالة.