داعش في شمال الفرات: معارك مُستأنفة وحشود جديدة

 

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية يوم الإثنين الماضي الثاني عشر من الشهر الجاري عن استئناف عملياتها العسكرية المسماة عاصفة الجزيرة ضد تنظيم داعش المتحصّن في آخر جيوبه على الضفة الشمالية للفرات، وذلك بعد أكثر من أسبوع على إعلان إيقافها احتجاجاً على القصف التركي الذي استهدف مناطق سيطرتها في مدن رأس العين وتل أبيض في محافظتي الحسكة والرقة.

وكانت الحكومة التركية قد أعلنت أواخر الشهر الماضي عن نيتها تنفيذ عمليات عسكرية شرق الفرات بهدف إخراج قسد منها، فلجأت الأخيرة إلى إعلان إيقاف العمليات كأسلوب للضغط على قيادة التحالف الدولي الذي يعتمد عليها برياً في حربه ضد التنظيم في مدن هجين والشعفة وقرى السوسة والباغوز شرق دير الزور، ودفِعها إلى اتخاذ خطوات لوقف التصعيد التركي. لكن هذا ربما لا يكون السبب الوحيد الذي دفع قسد إلى إعلان إيقاف عملياتها العسكرية، ذلك أن هذا الإيقاف جاء بعد سلسلة من الهزائم الميدانية في المنطقة، واسترداد التنظيم لمعظم المناطق التي خسرها منذ إطلاق المرحلة الثالثة من عملية عاصفة الجزيرة أيار الماضي، وهو ما أربك قيادة قسد، التي ألقى قادةٌ فيها باللائمة على المقاتلين العرب في صفوفها، وعلى نشاط خلايا داعش خلف خطوطها عبر عمليات الاغتيال وتفجير المفخخات، وهو ما يعني أن إيقاف العمليات كان ضرورة لالتقاط الأنفاس وترتيب الصفوف.

هذا الإيقاف الذي شمل الجبهات الثلاث الرئيسية، جبهة هجين البحرة وجبهة بادية هجين وجبهة الباغوز، استغلّه التنظيم من خلال شنّ هجمات مباغتة وخاطفة على مناطق سيطرة قسد، خاصة مناطق غرب هجين وباديتها وحقول نفط التنك وصيجان والأزرق شمال شرق دير الزور، وكذلك من خلال تنشيط خلاياه الموجودة في مناطق سيطرة قسد، وعلى وجه الخصوص في مناطق الشعيطات والشحيل.

رغم توقف العمليات العسكرية على الأرض، إلا أن طيران التحالف لم يتوقف عن تنفيذ طلعات في سماء المنطقة واستهدافها، بل إنه زاد من عنف غاراته بهدف إيقاف تسلل مقاتلي التنظيم واستهداف نقاط تجمعهم، وهو ما أدى بالإضافة إلى قتل أعداد من عناصر التنظيم، إلى مجازر كبرى بحق المدنيين الذين تستمر معاناتهم وتتصاعد، كان آخرها مجزرة الشعفة يوم لاثنين الماضي، التي ذهب ضحيتها 24 مدنياً وعدد كبير من الجرحى، فيما تناقل ناشطون محليون أنباء عن قصف بالفسفور الأبيض تعرضت له هجين.

لكن التطور البارز على صعيد العمليات العسكرية خلال الأسبوع الماضي، كان تحرّك الجيش العراقي بعد عودة التنظيم للسيطرة على قرية الباغوز على الحدود العراقية السورية، وبحسب تصريح صادر عن الجيش العراقي، فإن تحركه هذا يهدف إلى حماية الحدود من تسلل عناصر التنظيم، وشمل استهداف الأراضي السورية في قرية الباغوز بعمق يتراوح بين 5 و10 كم بالمدفعية الثقيلة.

حتى اللحظة، لا يزال هدوء حذر يسيطر على مناطق الاشتباك باستثناء غارات طيران التحالف والمدفعية العراقية، لكن التطور اللافت الآخر أيضاً كان دخول قوات نظام الأسد، الذي يسيطر على الضفة المقابلة من نهر الفرات، على خط القصف المدفعي الذي يستهدف منطقة سيطرة التنظيم. وقامت مدفعية النظام المتواجدة في قرى العباس والصالحية باستهداف أطراف مدينة هجين الجنوبية على ضفة نهر الفرات، وذلك بهدف منع عناصر التنظيم من التسلل عبر النهر، بعد قيام عدد منهم في وقت سابق من هذا الشهر بالتسلل إلى قرية السكرية المحاذية لمدينة البوكمال التي يسيطر عليها نظام الأسد والمليشيات الإيرانية الموالية له، وخطف عنصر من ميليشيا الدفاع الوطني من أبناء مدينة البوكمال.

وأدى توقّفُ الأعمال العسكرية والخسائرُ التي منيت بها قوات سوريا الديمقراطية إلى تزايد الشرخ بين المكونين العربي والكردي فيها، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بالتقصير في العمليات العسكرية ضد التنظيم، ويتناقل ناشطون محليون أنباء عن تغيير لبعض القادة الميدانيين، وإسناد بعض المواقع لقادة من المكون الكردي، كانوا قد قاتلوا سابقاً في مناطق عين العرب والرقة، كبديل لبعض القيادات العربية من مجلس دير الزور العسكري وقوات النخبة.

عمليات التحشيد والتعزيزات التي استقدمها التحالف، والحديث عن مشاركة فرنسية في العمليات عبر ضباط فرنسيين، تعني أنه من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تصعيداً عسكرياً كبيراً ضد التنظيم في آخر جيوبه شمال نهر الفرات، خاصة وأن التنظيم قد خفّف كثيراً من تحركاته على الضفة الأخرى التي يسيطر عليها النظام وحلفاؤه، ما يعني أنه بدوره ينظم صفوفه ويستعد لمعركة كبرى وفاصلة قد تكون طويلة الأمد في المنطقة.