درعا: «الموت ولا المذلة»

 

أعلنت معرّفات الإعلام الحربي المرتبطة بنظام الأسد والميليشيات المقاتلة إلى جانبه عن الوصول إلى اتفاق «مصالحة» في مدينة بصرى الشام، وذلك بعد ساعات من انعقاد جلسة تفاوضية بين الجانب الروسي وعدد من قادة فصائل المعارضة. وفي حين لم يخرج بيان رسمي من المفاوضين حتى اللحظة يوضح ما جرى، فإن مصدراً مطلعاً على مجريات جلسة المفاوضات قال للجمهورية أن أحمد العودة، قائد فصيل شباب السنة في مدينة بصرى الشام، وافق على اتفاق مصالحة مع الجانب الروسي في حين رفض ممثلو غرفة عمليات «البنيان المرصوص» و«العمليات المركزية في الجنوب» و«جيش اليرموك» الاتفاق. وبعد خروج المفاوضين من الاجتماع نشرت قناة تلغرام التابعة للعمليات المركزية في الجنوب السوري عبارة واحدة هي «الموت ولا المذلة» في إشارة إلى عدم قبول الفصائل الممثلة في هذه الغرفة للاتفاق بشكله الحالي.

كما تم نشر تسجيل مصور لعناصر تابعين لأحمد العودة يقومون بتسليم دبابة وسلاح ثقيل للشرطة العسكرية الروسية.

كما اطلعت الجمهورية على تسجيل صوتي للدكتور محمد العمار، عضو اللجنة المسؤولة عن التفاوض في درعا قال فيه: «حاول الروس الاستفراد ببعض القادة العسكريين بعد أن رأوا إصرارنا (في اللجنة المدنية) على تحقيق مطالب واضحة، وحتى وإن استطاعوا انتزاع اتفاق من أحمد العودة وغيره فإنهم غير قادرين على تحقيق مطلبهم الرئيسي وهو فتح المعبر، فهو بيد غرفة عمليات البنيان المرصوص والمعركة هناك لم تشهد خروقات، وقد حددنا مطالبنا وشروطنا بوضوح ولن يمر أي اتفاق لا يحققها».

وكان فريق إدارة الأزمة المؤقت، الممثل للجانب المدني في لجنة التفاوض في درعا قد أصدر بياناً قبل نهاية الاجتماع في بصرى الشام قال فيه: «أن أي اتفاق لا يكون بموافقة جميع أعضاء لجنة المفاوضات، مدنيين وعسكريين، يكون ممثِلاً للموقعين عليه بصفتهم الشخصية فقط، دون أي صفة اعتبارية».

وقد استطاعت قوات النظام منذ بداية الحملة العسكرية على محافظتي درعا والقنيطرة، الشهر الماضي، السيطرة على أجزاء واسعة من الريف الشرقي لمحافظة درعا، شملت منطقة اللجاة وبصر الحرير والغاريتان الشرقية والغربية والحراك، فيما استطاعت قوات المعارضة استعادة بلدة صيدا. أما في الريف الغربي فقد تم نفي أنباء سيطرة النظام على بلدة الشيخ سعد المحاذية للطريق نحو القنيطرة، والمطلة أيضاً على مناطق تمركز «جيش خالد» المبايع لتنظيم داعش في حوض اليرموك. في حين أُكد دخول بلدتي ابطع وداعل في اتفاق مصالحة مع قوات النظام بعد عمليات قصف عنيفة تعرضتا لها.

ويشكل السقوط المتسارع للبلدات في الريف الشرقي، وخاصة منطقة اللجاة التي تعتبر، جغرافياً، من أصعب المناطق التي تخاض فيها عمليات عسكرية لتضاريسها الوعرة وطبيعة أرضها الصخرية، أمراً يدفع إلى التساؤل حول جدّية قرار القِتال من قبل قيادات الفصائل العسكرية في المنطقة. وقد شهدت الأيام الماضية تسارعاً للنزوح نتيجة القصف العنيف للطيران الروسي الذي أحال عدة مدن وبلدات في الريف الشرقي إلى ركام، ما أدى إلى إفراغ عدة بلدات ودخول قوات النظام إليها. إلا أن مجموعات من مقاتلي الجيش الحر استطاعت استعادة بعض تلك البلدات، خاصة وأن سيطرة النظام لم تكن محكمة عليها. وتداول ناشطون أمس تسجيلاً مصوراً لمجموعة من عناصر الجيش الحر تدخل قاعة واسعة في بلدة صيدا وتقوم بتمزيق صورة لبشار الأسد وتطرد عدداً من الأشخاص الموجودين وتتهمهم بالعمالة للنظام، ويتضح من التسجيل أن هذه القاعة هي مقر للجنة المصالحة في صيدا. وكانت ظاهرة «لجان المصالحة» قد انتشرت في السنة الأخيرة ضمن مناطق المعارضة في درعا، وحاولت تلك اللجان الوصول إلى اتفاقات منفردة مع بلدات في أرياف درعا. وقد تعرض أعضاءٌ في هذه اللجان إلى عمليات اغتيال خلال الشهرين الماضيين، وخاصة في الريف الغربي.

ويبدو من شكل العمليات العسكرية أن قادة الفصائل في الريف الشرقي قد ترددوا في اتخاذ قرار بالقتال، في الوقت الذي بادرت مجموعات من مقاتلي هذه الفصائل إلى العودة إلى خطوط التماس واستعادة النقاط التي تم الانسحاب منها أو تلك التي لم تُغطّى.

كما أصدرت مجموعة من فصائل في درعا تضم جيش الثورة وفوج المدفعية وغرفة عمليات البنيان المرصوص ليل أمس بياناً أعلنت فيه «البيعة على الموت» لقتال قوات النظام وحلفائه، هذا ولم تستطع قوات النظام تحقيق أي خرق على جبهات درعا المدينة وكتيبة الدفاع الجوي بالقرب من معبر نصيب.

يتوزع العدد الأكبر من أهالي الريف الشرقي الآن على الشريط الحدودي مع الأردن، ضمن مخيمات عشوائية وارتجالية أُقيمت بعد هروبهم من القصف العنيف الذي استهدف بلداتهم، كما توجّه قسم من النازحين غرباً نحو بلدات القنيطرة، ولاحقَهم القصف حتى الشريط الحدودي.

وفي حين تستمر الأردن بإغلاق حدودها أمام النازحين السوريين، وافقت السلطات الأردنية على استقبال عدد من الجرحى ذوي الحالات الحرجة ضمن مستشفيات في مدن الحدود الأردنية، وقال مصدر للجمهورية إن ثمانية حالات قد دخلت بالفعل إلى مستشفى في مدينة الرمثا الحدودية، إلا أن أي منظمة طبية سورية لم تتحرك حتى اللحظة للتكفل بنقل هذه الحالات إلى مستشفيات تمتلك تجهيزات أفضل لعلاج المصابين.

ونشر صحفيون وناشطون أردنيون تسجيلات مصورة لتجهيز حافلات تحمل مواداً إغاثية لأهالي درعا على الشريط الحدودي، وأظهر التسجيل اشتراك سكان وأهالي من مدن أردنية في تموين تلك الحافلات وتجهيزها لإغاثة أهالي حوران.

لم يتوقف القصف حتى اللحظة، وطال عدداً كبيراً من مدن وبلدات درعا التي مازالت بيد قوات المعارضة على امتداد المحافظة. أما نتيجة المعارك فإنها ستتوقف على قدرة فصائل درعا على إبقاء ظهير معبر نصيب في الريف الشرقي متماسكاً، وعلى تثبيت جبهاتها في مدينة درعا، كما فعلت في معركة «الموت ولا المذلة» العام الماضي، الأمر الذي سيقود إلى تحسين شروط التفاوض مع آلة القتل الروسية، في وقت ظهر فيه بشكل واضح أن قراراً دولياً من الحلفاء والأعداء سويةً قد اتخذ لإنهاء المعارضة السورية في الجنوب.