درعا: هدنة تموز تترنح

 

منذ أوساط شباط الماضي، بدا واضحاً أن محافظة درعا ستكون على موعد مع تصعيد عسكري، قد يصل حدَّ اندلاع معركة كبرى تهدد بالإطاحة بهدنة تموز، التي قادت العام الماضي إلى اتفاق ثلاثي (روسي – أميركي – أردني) يقضي باعتبار مساحات واسعة من محافظتي درعا والقنيطرة جنوبي سوريا مناطقَ خفض تصعيد.

بالتزامن مع حرب الإبادة على الغوطة الشرقية، تصاعدَ الحديثُ عن ضغط روسي يهدفُ إلى إجبار قرى وبلدات درعا الخارجة عن سلطة النظام على الدخول في اتفاقيات «مصالحة»، تحت التهديد بالحرب الشاملة في حال الرفض. وتزامنَ ذلك مع مظاهرات في عدة قرى وبلدات في محافظة درعا، طالبت فصائل الجبهة الجنوبية بفتح معركة نصرةً للغوطة الشرقية.

وفعلاً، في أواخر شباط، قصفت فصائل المعارضة مواقع لقوات النظام في خربة غزالة ونامر وقرفا وإزرع في وسط محافظة درعا، فيما قصفت قوات النظام مناطق في داعل والغارية الشرقية والغارية الغربية وإنخل والحراك وصيدا وعلما بالمدفعية الثقيلة وصواريخ الفيل للمرة الأولى منذ إعلان هدنة تموز.

وليس ثمة معلومات مؤكدة عن الطرف البادئ بأعمال القصف التي لا تزال مستمرة بشكل متقطع شبه يومي حتى الآن، لكنها كانت إيذاناً بمرحلة جديدة في درعا، وترافقت مع تحركات واسعة النطاق شملت قيام فصائل الجبهة الجنوبية بتعزيز تحصيناتها ودعم قواتها على خطوط التماس بالسلاح الثقيل والمقاتلين، خاصةً على جبهات شمال شرق المحافظة، بالتزامن مع تحركات مماثلة لقوات النظام والميلشيات الداعمة لها.

منذ العاشر من آذار، بدأت حركة نزوح واسعة ومنظمة للسكان من قرى وبلدات شمال شرق درعا، حتى أصبحت بلدات بصر الحرير ومليحة العطش والمسيكة في اللجاة خاليةً من سكانها تقريباً، مع حركة نزوح جزئية من مناطق أخرى في شمالي شرق درعا وشرقيها. وقد أفادنا عاملون في مجالس محليّة بأن معظم النازحين توجهوا إلى: بصرى الشام والجيزة ومعربة وغصم والطيبة ونصيب وصيدا، في جنوبي وجنوبي شرق درعا، كما أفادت معلومات خاصة للجمهورية بنزوح عدد من سكان إزرع الخاضعة لسيطرة النظام، إلى مناطق درعا الخارجة عن سيطرة النظام. فيما عقدَ مجلس محافظة درعا الحرة اجتماعاً مع المجالس المحلية في أواسط آذار، بهدف تشكيل لجنة طوارئ وإعداد الملاجئ والأقبية وخطط الطوارئ والإغاثة تحسباً لأي معركة.

توزع السيطرة في درعا / تجمع أحرار حوران

خريطة من إعداد تجمع أحرار حوران، تُظهر توزع السيطرة في عموم محافظة درعا بتاريخ 15/1/2018
خريطة من إعداد تجمع أحرار حوران، تُظهر توزع السيطرة في عموم محافظة درعا بتاريخ 15/1/2018

لتحميل الخريطة بدقة عالية، الضغط على الرابط

تزامنت هذه التطورات مع الإعلان عن اجتماعات للأطراف الدولية ذات الصلة في الأردن، يفيدُ ما رشحَ عنها بأن روسيا باتت مصرةً على أن تبدأ مناطق درعا بالدخول في اتفاقيات «مصالحة»، فيما لم يبدُ واضحاً موقفُ الأطراف التي يُفتَرَضُ أنها داعمةٌ للمعارضة، والذي تراوحت الأحاديث الشائعة في درعا حوله بين القول إنها ستدعم فصائل الجبهة الجنوبية في معركتها، وبين القول إنها تضغط على الفصائل والمجالس المحلية للقبول بالمصالحات، دون أن تعلنَ أي من الأطراف حقيقة الأمر للرأي العام.

منذ العاشر من آذار أيضاً بدأ طيران الاستطلاع التابع لقوات النظام بتكثيف تحليقه في سماء درعا، وفي الثاني عشر من آذار شنت المقاتلات الروسية غارات على مواقع في درعا للمرة الأولى منذ إعلان الهدنة تموز، استهدفت مناطق في اللجاة وشمالي محافظة درعا وشرقيها. فيما نسفت قوات النظام بكمية كبيرة من المتفجرات الطريق الواصل بين مليحة العطش وإزرع في الرابع عشر من آذار، وهو الطريق الذي يمكن أن تستخدمه قوات المعارضة في حال فكرت بالتقدم نحو إزرع. ومنذ العشرين من آذار، بدأت الأوضاع الميدانية تأخذ منحىً أكثر خطورة، مع بدء قوات النظام محاولاتها للتسلل برياً إلى مناطق في اللجاة وغيرها، وهي المحاولات التي تصدت لها فصائل المعارضة، وبدت كما لو أنها جسُّ نبضٍ واستطلاعٌ لمعرفة مدى جهوزية الفصائل.

في أواخر آذار، تزايدت الأحاديث المتكررة عن مفاوضات بين وجهاء وشخصيات فاعلة في درعا من جهة، والقوات الروسية من جهة أخرى، تمهيداً للدخول في «مصالحات»، وهو ما عبَّرت عن رفضه معظم فعاليات درعا من مجالس محلية وفصائل مسلحة وغيرها في بيانات متعددة، بالتزامن مع استهدافات واغتيالات شملت عدداً من المتهمين بأنهم من عرّابي المصالحات في عدة مناطق.

تقولُ مجمل التطورات السابق ذكرها أن محافظة درعا قد تكون على أبواب معركة واسعة، ما لم يتم تثبيت الهدنة مجدداً من قبل الأطراف الراعية، وهو الاحتمالُ الذي يبقى وراداً، رغم ملامح التصعيد المستمر، التي من بينها نقلُ قوات النظام أرتالاً عسكرية من محيط الغوطة الشرقية إلى درعا في الأيام الماضية، بعد أن أنهت تلك الأرتال أعمال الإبادة والتهجير في حرستا والقطاع الأوسط من الغوطة الشرقية.

تفيدُ الإحصائيات التقريبية بأن نحو 900 ألف شخص يقطنون مناطق درعا والقنيطرة الخارجة عن سيطرة النظام، بينهم نحو ثلاثين ألف مقاتل. وهذه الأرقام الضخمة، إلى جانب عوامل أخرى متعلقة بضمان روسيا وأميركا للمصالح الإسرائيلية، التي تقتضي ضرورة عدم اقتراب قوات تابعة لإيران من الجولان السوري المحتلّ، ومُتاخَمَةِ محافظةِ درعا للحدود الأردنية، كلها تقود إلى الاستنتاج بإن النظام وحلفاءه ليسوا بصدد معركة شاملة تنهي وجود فصائل المعارضة في جنوب سوريا، فهي ستكون مكلفة جداً على المستوى البشري والسياسي.

يشير مسار التطورات الميدانية إلى أن فصائل المعارضة في حال خاضت هذه المعركة، فهي ستحاول السيطرة على إزرع في وسط درعا، بهدف تأمين مناطقها في اللجاة وفي عمق درعا حتى معبر نصيب الحدودي، وهو ما يضعه النظام في حسبانه حتماً، بدليل نسفه لطريق مليحة العطش- إزرع كما ورد أعلاه. أما قوات النظام، فهي قد تهدف عبر المعركة المحتملة إلى السيطرة على اللجاة والمناطق القريبة منها، وهو ما سيعني تأمين مناطقها في وسط درعا وعمقها، وتأمين الطرقات القادمة من جنوب سوريا إلى دمشق وريفها، وإنهاء خطر اللجاة على السويداء وريف دمشق.

اللجاة منطقة شديدة الوعورة شمال شرق درعا، ومتصلة بالبادية السورية شرقاً وريف دمشق شمالاً وغرباً وريف السويداء جنوباً وشرقاً، ويشكل تواجد الفصائل المستمر فيها خطراً على النظام، يمكن أن يتجدد في حال تغيرت موازين القوى الدولية. وستعني سيطرة النظام عليها تأمين طريقه للتجارة والسفر من الحدود الأردنية إلى دمشق، ليكون بديلاً عن الأوتوستراد الدولي إلى معبر نصيب، الذي فشلت قوات النظام مراراً في استعادة السيطرة عليه عبر مجمل المعارك التي اندلعت في أقصى جنوب درعا، وآخرها معارك المنشية العام الماضي، التي انتهت بإعلان هدنة تموز المترنحة.