دفاعاً عن التفاجؤ واحتفاء بالمفاجئ

 

يستحي كثيرون بيننا، أكثرنا، من عدم توقعنا لأشياء كثيرة، من تفاجئنا الشديد بما لا يحصى من أشياء وقعت في مسار الصراع السوري منذ بداية الثورة إلى اليوم، ما يقترب من 3000 يوم. نستحي لأننا نفترض أن التفاجؤ علامة جهل، سذاجة، قلة تجربة، نقص عقلانية، وعي إيديولوجي أو تفكير غير علمي. لكن يجدر بنا إن شئنا الصدق مع النفس والأمانة حيال الواقع أن نعتبر أن عدم تفاجؤ أي كان هو المفاجئ في واقع الأمر. فعدا أن الثورات هي خروج جمعي هائل على الواقع والمتوقع المُعتاد، وعدا أنها تُدخِل في ميدان السياسة والصراع الاجتماعي أعداداً مليونية من الناس الذين يريدون إسماع أصواتهم غير المتطابقة بطبيعة الحال، بما يجعل التقدير والتوقع الرشيد أمراً أشد مشقة بما لا يقاس، وعدا أنه في عالم اليوم وفي منطقتنا الشرق أوسطية المدولة بعمق يتكاثر المتدخلون حيثما تخلخل وضع قائم، عدا ذلك كله وقع خلال ما يقترب من 100 شهر من الحوادث ما يذهل ويُحيّر إلى أقصى حد، وما حطم قدرة عتادنا الفكري الموروث على التسمية والتحليل، فضلاً عن انفلات الحدث من قدرة أية أطر تنظيمية موروثة على التحكم والضبط والتأثير. مفهوم الحدث بحد ذاته يدلّ على ما يستجد، ما يخرج عن نسق سابق، ما هو جديدٌ ونافرٌ عن تقليد قارّ. 

نجد مُفاجئاً لذلك أن نسمع من بعض أساتذتنا أو نقرأ كتابات لهم تقول إنهم توقعوا ما يجري، أو كانوا متأكدين من حدوث ما حدث، أو أن نسمع من نظراء لنا أنهم كانوا يعرفون دوماً المسلك الصحيح في 100 منعطف حاد مر به صراعنا العجيب، أو أنهم قالوا لنا ماذا كان يجب أن نفعل، وأننا وقعنا هذه الوقعة الرهيبة لأننا لم نسمع ما قالوه. ويُنسب إلى من يفترض أن يكونوا العاقلين بيننا ملكة استباق تتيح لهم فيما يبدو أن يعرفوا ما سيجري قبل أن يجري، والغرض هو إنكار العقل علينا وعلى أشباهنا لمصلحة عاقلين يبدو أنهم كانوا يعرفون طوال الوقت ما يقع وما قد يقع، فينجون من أسوأ عواقبه.  

كان بودنا أن ننجو كذلك لو حبتنا المقادير بملكة الاستباق العظيمة هذه. ذلك أن عواقب افتقارنا لهذه الملكة المقدرة لم تقتصر على أننا لم نتوقع أشياء كثيرة، بل تعدتها إلى أذيات رهيبة حطمت حياة بعضنا وأودت بحياة مئات الألوف ممن كان يودّ كل واحد منهنّ ومنهم لو يتوقع قبل دقائق فحسب، بل قبل ثوان أحياناً، وليس قبل التاريخ كله، ما سيجري لها أو له من اعتقال أو موت بالبراميل أو الكيماوي، أو يفضل لو تقدر هي أو يقدر هو ما سيجري بعد أيام أو أسابيع؛ إذن لتجنب بعض أسوئه، إن لم يكن لتجنبه كله. لنا أحباب وأخوة وأصدقاء، كم كنا نودّ لو أنه كانت هناك ملكة عقلية أو كان هناك علم يساعدنا على التنبؤ بما كان يُحتمَل أن يجري لهم ولنا. غير المتوقع والمفاجئ لم يكن بالنسبة لنا شأناً تحليلياً، بل هو بالضبط قصة حياة أو موت، وليت إخواننا وأساتذتنا الذين لا يفاجئهم شيء تكرموا وأسعفونا، أو يسعفوننا اليوم، أو سيسعفوننا غداً، لتجنب نوازل ودواهم ما زلنا نخشى منها، فيما لا يزال علم الاستباق عصياً علينا. 

يقول أحد أساتذة أساتذتنا إن الإيدولوجي هو الذي لا يفاجئه شيء (لويس ألتوسير)، ويبدو أن هذا الضبط عكس ما يتم تلقيننا إياه من الموبخية العامة لخاتمي العلم، هذه التي لا ينافس خطاب توبيخ الغير في مراتبها غير خطاب التهنئة الذاتية. هم خطأ، نحن صح! تشرفنا بالتعرف على أنفسنا! أنفسنا أيضاً تتشرف بالتعرف علينا! نحن وأنفسنا متشرفون بأننا لسنا مثلهم! غافلون، مُضلَّلون، يستحقون ما يجري لهم! 

صديقنا ألتوسير نفسه، في أرشيف لم يُفرَج عنه إلا حديثاً، وفي سياق ترجمة نقدية لكتاباته إلى الألمانية، يقول متحدثاً على خنقه لزوجته، إن العارض في ذلك الحدث، حدث القتل، أنه ربما كانت إرادة زوجته منذ زمن بأن تموت. حتى ألتوسير الذي كان ينظّر لمفهوم العارض الذي يصبح تاريخاً خشي أن يكمل مفاجأته بالعارض، فحملّه إرادة. العارض مخيف. ولعل الخوف منه هو ما يحمل بعض أستاذتنا وأصحابنا على حذف المفاجئ، أي الحدث، أولاً بأول، مسلمين رقبته، الحدث، لمخطط عام سابق لا يكف عن قطعها. أستاذ آخر لأساتذتنا، عبدالله العروي، يقول إن الحذف المستمر للحدث هو آلية تشكل السنّة، يعني التقليد.    

نحن، الغاضبون من أنفسنا ومن العالم متفاجئون! تفاجأنا ونتفاجأ بأشياء كثيرة، ونحاول أن نستوعب بمشقة ما جرى ويجري. يُخيَّل لنا أن ما جرى كبير ورهيب، لم يكن مدوناً في أي عقل قبل حدوثه، لا في عقل إلهي ولا بشري. لو أمكن لنا أن نؤمن بأن ما حدث كان هناك في عقل ما، لكان لزاماً علينا أن نحاول أن نتطابق مع هذا العقل، أن يكون وعينا مطابقاً كما كان يقول بعض أساتذتنا، وأن نُلام على فشلنا في ذلك. لكن يبدو أننا نُجازَى على كفرنا، عدم إيماننا بأن ألوهةً ما، اسمها الله أو الشيطان أو العلم أو قوانين التاريخ أو الإمبريالية، كانت تدري بما يحدث، في أساسياته على الأقل، إن لم يكن في كل حذفور من حذافيره الكثيرة. 

بيد أننا غير مكتفين بالغضب. نعمل على أن نستوعب ما جرى، أن «نتنبأ» بما مضى. ونعترف أننا نجد التنبؤ بالماضي والإنباء عنه شاقاً كل المشقة، هذا لأننا لا نزال نجد صعوبة في تصديق أن ما وقع فعلاً قد وقع فعلاً، ولأنه حتى حين ننجح في النهاية في تصديق أن ما لا يُصدق قد وقع يستعصي علينا توفير شرح وتفسير وافيان له. لكننا في هذا الاشتباك مع أنفسنا ومع الواقع نتعلم، نتغير، نقر بـ «ذاتية» الحدث العظيم ونحاول الحديث عنه والتحدث بأثره. وأن نتحرر. لنا صديق من الكاميرون، أجوم وينغو، يرى أن الحرَّ من الأشخاص هو صانع ما يُفاجِئ. لكن أليس هذا بالضبط هو الإبداع؟ الحرّ هو من يُبدِع،  من يحدث على غير مثال سبق. وهو فيما نتصور من يقاوم عدم التفاجؤ والاندهاش بأشياء العالم. وإننا لنرتاح إلى حقيقة أن السلفيين، بالمصطلح المستقر للكلمة، يعرّفون أنفسهم برفض الإبداع، أو ما يسمونه البدعة، وبالانحياز للتقليد، أو «السنّة». ولا نرى إلا أن السلفيين، بالدلالة العامة للفظ، يرون رأي سلفيينا الدينيين. يشهد على ذلك أنه لم يفاجئهُم شيء، أنهم: «ألم يقولوا لنا»، وأن لديهم ملكة استباق أتاحت لهم من الحكمة بعد وقوع الواقعة ما يفضلون نسبته إلى أنفسهم قبل وقوعها، أو في بلاغة أخرى لديهم بوصلة تعصم من الضلال وتشير دوماً إلى الاتجاه الصحيح للتاريخ. ويصادف أن الاتجاه الصحيح هو الشمال، وإن لم يكن مغناطيسياً: شمال كوكبي رأسمالي متحضر وحداثي و«عقلاني» و«إنساني»، أو شمال ماضوي سوفييتي تُرى روسيا بوتين وريثته الشرعية رغم كل شيء. القوي صح، هذا ما تقوله البوصلة شخصياً! 

نحن نريد أن نأخذ من الحدثية طاقتها على الإحداث، مفاجئيتها. لا ننكر على من لا يفاجئهم شيء أن هذا نموذج ممكن للإنسان، بل وأن هذا النموذج ناج من المأساوي حتى حين تدهمه المصائب وتسحقه سحقاً، لكننا نريد الحرية رغم المأساوي، لا نريد أن ننجو منها. كنا نفضّل ألف مرة لو لم نُسحق هذا السحق، لكن السحق ذاته لا يدفعنا إلى الحنين إلى أي علم كلّي أو أبوة حائزة عليه. شببنا عن الطوق، يا للحسرة! 

بل إن بعضنا يخشى أشد الخشية أن يكف عن التفاجؤ، أن يفقد التفاجؤ المشحوذ كما يفقد قلم رصاص «بوزته». بعضنا هؤلاء يرعون تفاجأهم بإرادة ورغبة، كمستشعر لصحة نفسية وأخلاقية وأحياناً لا ينجحون تماماً، تنكسر «بوزتهم» مع اللامتفاجئين. ورعاية الدهشة، للمهتمين، تتطلب جهداً وعملاً: ألا تطبّع الفظيع، ألا تجعل من التحديق به استبداناً له، أن تقاوم حرص النظام، الأنظمة، على أن تتوقع دائماً المجزرة كناظم للحياة، بما يبثه من أقاويل وإشاعات وفيديوهات تعذيب واذلال. الرجل الحلبي الذي كان ُيسحل وهو يردد «معزته» لزوجته أدهش في لحظةٍ  قاتليه، هذا ما رأيناه في أعين أحد جلاديه في الفيديو المسرّب الشهير، لقد قاوم بالدهشة، أدهش بالجمال في لحظة تطبيع للبشاعة. حين قال الرجل جملته، كانت شبه تقريرية في نبرتها ولكنها تتضمن ألف اشارة تعجب، في جملته البسيطة الخفورة كان الرجل يعبر عن دهشته من إمكان أن يبتذل الإنسان إلى هذا القاع، فرفض وقرر أن يتفاجأ ويفاجئ 

نتفهّم تماماً ذلك المزيج الإسمنتي من التعب واليأس وخيبة الأمل الذي، إن جفّ، يصبح حاجزاً صلباً أمام التفاجؤ. كثيرون منّا لم يعودوا راغبين في أن يفاجئهم شيء، وهؤلاء، على عكس «الألمنقلكلميين»، لا يعرفون الغيب ولا يرون المستور، بل هم بالأحرى لا يرغبون برؤية شيء، ويفضّلون جداً لو لا يراهم شيء أو أحد حتى إشعارٍ آخر، في حِدادهم على أملٍ ميّت. كثيرون من هؤلاء تفاجؤوا بشدّة وبكثرة خلال السنوات السابقة، وأحبوا تفاجؤهم وحوّلوه لهويّة، لمحرّك الأمل والرغبة في الاستمرار، خصوصاً تفاجؤهم الإيجابي بأشخاصٍ وأعمالهم، تكشّف لاحقاً عن خيبة أمل فيهم. اندفاعنا المتحمّس للتفاجئ الإيجابي سرّع إنتاج أيقونات أكثر من مقدرتنا ومقدرة أصحابها على الحِمل، ولكن خيبة الأمل من هذا الاندفاع قاد لأيقنة مضادّة، قاد لرفض الاعتراف بالأشخاص وصنائعهم، للبحث عن الكرتوني-الفلّيني، الديكوري، الكاذب، المخادع، فيهم. بعضنا يرتعب من فكرة الوقوع في فخّ المفاجأة الإيجابية وأيقنتها مجدداً، فإذ به يمارس أيقنة مضادة وينهش المفاجأة-البطل- الضحية، على طريقة المشهد المتكرر في الأفلام، حين يشدّ أحدهم -غالباً مفتش شرطة يجمع بين العبقرية المهنية والحياة الشخصية المحطّمة- شعر آخر بقوّة لأنه يودّ إثبات أنه ليس شعراً حقيقياً بل باروكة. لكن الأيقنة المضادة لبعضنا لا تتوقّف -في كثير من الأحيان- عند شدّ الشعر، بل مع الشعر يُشد الجلد ويُسلخ ويُمزّق. ويحصل كثيراً أننا نمزّق جلداً آدمياً حقيقياً، لا زيّاً تنكرياً، وهذا مؤلم. جداً. 

في الواقع، توقّع الأسوأ دوماً، من الأشخاص والظروف، هي استراتيجية «الألمنقلكميين» المفضّلة، وهي نبوءة تحقق نفسها، فمن طبيعة الأمور، في الظروف الصعبة، أن يُخطئ الأشخاص، وبشكل شديد الكارثية أحياناً. لا أحد منّا يتحمّل مجهراً فوق رأسه طوال الوقت، فما بالنا بأشخاص يحملون، عدا المجهر، ثقل ظروفٍ قيامية؟ لكن توقّع الأسوأ صار أيضاً استراتيجية من ليسوا «ألمنقلكلميين» نرجسيّين، بل أناس متعبون، يريدون أرضاً يقفون عليها دون أن تهتز تحتهم، أرضٌ يستطيعون المشي عليها نحو تحقيق شروط حياتهم بعد انهيارات كثيرة وخيبات صادمة. أحد هؤلاء، وهو صديقٌ لدود للتنسيقية، اعترف أنه لم يرَ إلا عسكراً متآمرين على عمر البشير في كلّ ما جرى في السودان، بل أنه قرر بشكل إرادي افتراض أن «الكنداكة» آلاء صلاح، التي تناقل أغانيها مئات الآلاف، إنما تُحب بشار الأسد، وقد نراها في زيارة لـ «قصر الشعب» قريباً، حيث سيتم تكريمها لوقوفها مع سوريا الأسد ضد المؤامرة الكونية. 

التفاجؤ مُتعب، لا شكّ في ذلك، لكن تحويل مقاومته لقضيّة يقتضي أن نُطفئ المستشعر الحسّي والأخلاقي الذي يشكّله الاستعداد للتفاجؤ. يعني أن نفقد الإحساس، وأن نحوّل عدم الاكتراث إلى إيديولوجيا. اشتهرت الأرجنتينية مرسيدس سوسا بغنائها قصيدة لليون جييكو، تناجي فيها الله ألا تصير غير مكترثة للألم وللحرب وللظلم... وللمستقبل. فعلاً، إيديولوجيا عدم الاكتراث ماضوية جداً، تعجز عن التفكير بالمستقبل، وفوق ذلك ليست أسهل ولا أهون حملاً من التفاجؤ على المدى البعيد. 

ومؤخراً، فوجئنا بانتفاضتي السودان والجزائر. فوجئنا، وسُعدنا، بأن تتحرك مساحات شعبية واسعة في بلدين عاشا محطات تاريخية صعبة ودامية، وأن تقطع ديناميكية انتصار الثورات المضادة و«عودة النظام الرسمي» العربي محمولاً على التخويف من «المصير السوري» بعد أن تفاجأ، هو الآخر، عام 2011. نعترف أن بعضنا كان يتلمّس مفاجأته خلال الأشهر الماضية كمن يقرص نفسه كي يتأكد أنه لا يحلم، في ذات الوقت الذي كان يرى فيه كُثراً يُقاومون المفاجأة بشراسة، رغم أنهم يرجونها حقّاً، ويتمنون لو تصمد المفاجأة أكثر من صمود مقاومتهم لها.

*****

لكن ما الذي فاجأنا بخصوص سورية بالتحديد؟ أسهل علينا، والحق يقال، أن نحصي ما لم يفاجئنا. ونجد حين نحاول الإحصاء أننا لا نكاد نجد شيئاً. الحقيقة أن من حاولوا مفاجأتنا بجهلنا، الألمـنقلـلكمـيّون، هم آخر من فاجأنا. ذلك أنهم لم يكونوا حدثاً، ولم يطرؤوا مع الثورة، ولم يكونوا مختلفين عن أنفسهم من قبل ومن بعد. كانوا يقولون القول نفسه طوال الوقت مثلما يليق بسلفيين متشددين. يفاجئنا قليلاً أنهم استخدموا ما دهمنا من مصائب لإثبات صواب علمهم القديم المكتمل، مفوتين علينا وعلى أنفسهم كلمة تضامن أو تعبير عن الصدمة والغضب. ربما ما فاجأنا قليلاً هو مثابرتهم على الكره، مثابرة تشبه إلى حد كبير إصرار النظام على ملاحقة الأجساد، حتى الميتة منها، لتهشيمها وتمويت الموت. إلا أن هذه المفاجأة بالذات ليست بالأمر العارض بالمعنى الألتوسيري للعارض المنتج للتاريخ؛ المنتجُ الوحيد لهذا الكره هو إعادة إنتاج أكثر بلاغة وثقافة بقليل للغة النظام. لغة الكره غير القادرة على التفاجؤ والاحتفاء بجمال الآخر ونضارة المفاجئ. 

فاجأنا ما فاجأ الناس جميعاً: داعش والصعود السلفي، انتشار السلفية في بيئات الثورة، فاجأتنا وحشيتها وقدرتها الخارقة على الإيذاء، فاجأنا توسعها ومشهديتها وتفاخرها بالشرّ. فاجأنا أن صارت أجزاء من بلدنا مساحة مستباحة لخلافة خرافية إجرامية، وطّنت غرباء متوحشين في بلداتنا وبيوتنا، وعاملت أهاليها كغرباء. فاجأنا السبي وسوق الرقيق، والصلب، والهوتة، والرايات واللغة والأقنعة. هذا فاجأنا وملأ نفوسنا بالعار وأسكن اليأس في قلوبنا. 

فاجأتنا قبل داعش عدوانية الروس والصينيين، وقلة تحفظهم في دعم نظام إبادة، وعدم رؤيتهم لنا كملايين بشرية تريد أن تتكلم وتتنفس.  

فاجأتنا الصفقة الكيماوية. فاجأتنا الامبريالية التي كنا نظن أنها لا تمانع في تغيير نظامنا «المعادي للامبريالية» حتى وإن لم تتحمس لذلك. ما فاجأنا هو تحمسّها لعدم تغيره، ما فاجأنا هو حرصها الوسواسي على ألا تؤذيه. فاجأنا اليسار في العالم بجهله وعجرفته وعدائه لقضيتنا! فاجأنا حب الفاشيين في العالم لبشار الأسد! وفاجأنا أن النظام الدولي الذي سامح النظام بقتل 1466 في الغوطة الشرقية، وبالاستمرار في قتل محكوميه بأية وسائل آخرى، مقابل نزع سلاحه الكيماوي سيسامحه باستخدام السلاح الكيماوي مرات ومرات بعدها دون عواقب تذكر، ودون أن يقول أحد شيئاً عن جائزة نوبل التي فازت بها زوراً لجنة نزع السلاح الكيماوي.

 فاجأتنا حكومات الغرب بأنها لما تقل شيئاً عن الديمقراطية في سورية في سنوات صراعنا، وفاجأنا خبراء الشرق الأوسط الذين كانوا يعطون الانطباع بأنهم يكرهون النظام ولا يحبوننا، فإذ بهم في ساعة الحقيقة يكرهوننا ولا يكرهون النظام، بل وكان بعضهم في الواقع يحبه.  

فاجأتنا عدوانية إيران المفرطة وكراهيتها لمجتمعنا وفجورها الطائفي ومدى تبعية حزب الله وميليشيات عراقية لها، وفاجأتنا جريدة البراميل، نحن الذين نعتقد أن جوزف سماحة منا وليس منهم رغم كل شيء. 

فاجأتنا عدوانية جماعة أوجلان وتعاليهم، وفاجأنا إنكارهم للثورة وابتداء تاريخ النضال من أجل الديمقراطية والمساواة بهم، ومدى إنكار تاريخ كفاحنا من أجل التحرر والديمقراطية، وفاجأنا مدى حظوة الجماعة بعطف شامل من يسار ومينستريم في الغرب. نتفاجأ ونتوجس: فنحن نعرف أمثلة عن المزايدة الحداثية في تاريخ سورية بالذات، وفي تاريخ المنطقة، أسست حصراً لأشكال فادحة من التمييز. 

فاجأنا معارضون تاريخيون بأن أشد ما يعارضونه هم معارضون مثلهم، وباعتبار كثيرين منهم أن قولاً لأحدنا مشكلةٌ مثل نظام الأسديين ومثل براميل النمر ومشانق مملوك ومحارق جميل الحسن. وفاجأنا معارضون آخرون بشدة تهافتهم وتفاهتهم ورخصهم. فاجأتنا تفاهة «كبير المفاوضين»، ورؤساء ائتلاف لم نكن سمعنا بهم من قبل.

فاجأنا ما تقوم به اليوم فصائل مسلحة معارضة في الشمال السوري، من انغماس لا حدود له في سياسة «الأمن القومي التركي» إلى حد التمرغ الفخور في الاستزلام والتبعية، مع ارتكاب أفعال بالغة الخسّة والعدوانية، على ما يظهر في مثال عفرين. 

فوجئ بعضنا بتواضع أداء وأحياناً قلة استقامة أحزابنا السياسية. 

فاجأنا وكسر قلوبنا خطف سميرة ورزان ووائل وناظم من قبل جيش الإسلام، وأنه بالكاد سُمعت أصوات خافتة من معارضين تعترض على الجريمة، كي لا يقال شيء طوال خمس سنوات وشهور بعدها. 

ولقد شاب مفاجآتنا حزن وخيبة حين رأينا قدرة السوريين على تقسيم أنفسهم تقسيمات لا نهائية، ليست تقسيمات موالاة ومعارضة فحسب بل تقسيمات أوغلت في تفتيتهم. ما كان يلزم كل هذا «التفتق» الذي أمعن في فتق المفتوق أصلاً، وفي إضعاف الضعيف المدنف.
فاجأتنا إبداعية غباء بعض المحسوبين على قضيتنا، وعدوانية غباء بعض آخر منهم.    

لكن أكثر ما فاجأنا على الإطلاق هو... النظام! كنا نظن أننا نعرفه جيداً، وكان يحصل أن نقول إنه مستعد لفعل كل شيء كي يبقى في السلطة، لكننا نعترف أن «كل شيء» الذي كان في بالنا لم يكن شيئاً بالمقارنة مع الأشياء التي فعلها النظام، ويبدو أنها بعيدة عن كل شيء يستطيع أن يفعله. لم نتوقع إمكان إعدام طفل في الثالثة عشر وقطع قضيبه واتهامه بمحاولة اغتصاب نساء الضباط، لم نتوقع مجازر قصف طوابير الخبز بالطائرات، لم نتوقع اغتصاب النساء في كرم الزيتون والحولة والمقرات الأمنية، لم نتوقع اغتصاب رجال وإجبارهم على اغتصاب بعضهم بما في ذلك اغتصاب الأب لابنه أوالعكس، لم نتوقع صواريخ سكود ضد المدن، لم نتوقع أن تُقصف الغوطة من قاسيون، لم نتوقع السلاح الكمياوي ومجازره، ولم نتوقع تسليم البلد لقوتي احتلال عدوانيتين، تتناهشان عميلهما المحلي وأجهزته اليوم.   

في بداية الثورة كانت ميزة النظام الكبرى حيالنا أنه كان يعرف من هو، ومن أعداؤه: نحن! رؤية النظام واضحة منذ خطاب بشار في 30 آذار2011، وقد فاجأ بعضنا بالمناسبة، من شدة سذاجتنا: الحرب وسحق كل من يعترض، نحن لم تكن لدينا رؤيا مماثلة. أردنا الحرية والتغيير، وأملنا ألا يكون الثمن رهيباً. حدس بعضنا بحماة أخرى، وتوجس بعضنا من أهوال قادمة. لكن المفاجئ ليس غير المتوقع حصراً، بل يحدث أن يكون المتوقع المهول، الذي يحطم مقياس حرارة التوقعات قبله. وفي سورية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كان المتوقع مهولاً، وكان غير المتوقع مهولاً كذلك. المقياس تحطم. 

لا يكاد يكون ثمة شيء من المهول الذي لم نتوقعه ممكنُ التوقع من قبل في سورية. ولم يكن هناك من يمكن أن يقول لنا شيئاً كان ممتنعاً علينا أن نقدّره أو نقوله لأنفسنا، وإن أوهم «الألمنقلكلميون» أنفسهم بذلك. نرجح ونجزم بأن أكثرية كبيرة جداً من السوريين فوجئت بأكثر ما فوجئنا به، ولعل كثيرين يثابرون إلى اليوم على نسبة المفاجئ إلى مؤامرة ما كيلا يقولوا إنه كان مفاجئاً لهم. لكنهم كانوا مخلصين في استغراب كثير مما شاهدوا وعدم تصديقهم له. 

على أننا كنا مُطالَبين بأن تكون معرفتنا أفضل بأشياء لو عرفناها لفهمنا بعض الأشياء أفضل، وليس بالضرورة لاستطعنا التوقع بصورة أفضل. بمفعول راجع، نلوم أنفسنا على أننا لم نحاول أن نعرف أكثر عن دولة أبو مصعب الزرقاوي في العراق مثلاً، فقد كان من شأن ذلك أن يسهل لنا معرفة ما سنراه في بلدنا في عام 2013 وما بعد. نلوم أنفسنا على أننا لم نكن نعرف إيران جيداً، وإن كانت فرصتنا في معرفة مباشرة أفضل لها محدودة جداً. ونشعر أننا كنا جاهلين بعلاقات النظام الدولية وتركيب سفاراته والعلاقات «الأهلية» التي ربطها مع جماعات متنوعة في العالم. 

يخيل لنا مع ذلك أن المسألة ليس مسألة معرفة عن طريق القراءة والكتب. إنها أكثر من ذلك مسألةُ وجود نشط في العالم، مما لم يكن متاحاً لغير عدد ضئيل جداً منا لا يكاد يُذكر. ولأن هذا كان شرطاً مديداً لنا، فقد طورنا استعدادات فكرية وأخلاقية عقلانية، تنزع إلى تصور العالم كعالم مصالح وحسابات عقلانية، دون شر جذري، دون فن للشر، دون «إدارة توحش»، دون هويات تقتل كثيراً وقتل «يُهوّي» كثيراً، ينتج الهويات المتفاصلة ويبلورها. واضح أن هذا الاستعداد لم يكن الأنسب للتفاعل مع ما عشنا وخبرنا. كنا في حاجة لعقلانية عارفة ومركبة ومستميتة. ولعلنا كنا ولا نزال في حاجة إلى نظرات نافذة في أعماق سوداء للنفس البشرية والاجتماع البشري.   

ما يجدر أن نُلام عليه هو أننا دأبنا كثيراً على قول شيء عن أشياء يستحيل القول بشأنها، أننا سارعنا أحياناً إلى عقلنة ما هو غير معقول، ففسرناه باختزال ونزعنا غرابته المذهلة، وعرّفنا أنفسنا به وألَّفناها عليه، وربما ألّفنا غيرنا على ما هو عجيب غريب غير مألوف إطلاقاً. كان أجدر بنا أن نعطي المذهل حقه من الانذهال، والمفاجئ حقه من التفاجؤ. فعلنا ولم نفعل. اشتبكنا مع العجيب محاولين إدخاله في الكتابة والتعبير. ندرك أن نجاحنا محدود، ونخشى أننا نوهم بنجاح أكبر. لا تزال لغة عربية متشربة باليقين وبأساليب تقريرية في التعبير، ونفور من اللعب واللعن، ومن الجهر بالحيرة والاندهاش، لا تزال تثقل على تفكيرنا وكتاباتنا. وإلى اليوم لا نستطيع أن نلعن بغير لغة الدين، ولا نملك الإقذاع بعربية مكتوبة. 

*****

نظريتنا في التنسيقية هي أننا متفاجئون من بين متفاجئين كثيرين، وأن الفرق يقع بين متفاجئين لا يخفون تفاجأهم وبين متفاجئين يفضلون أن يستغفلوا أنفسهم بنسبة كل حدث مستجد إلى مخطط قديم. ويبدو أن أنفسهم مستعدة للتواطؤ مع هذا الاستغفال.

نعتقد أن لدينا اليوم شرح معقول لبعض ما فاجأنا. لقد أخذنا بالاعتبار ما جرى مجدداً، فتعلمنا وتغيرنا. صرنا أفضل معرفة بالعالم وبأنفسنا. لكن لا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه ونتغيره. نتطلع إلى أن نكون مشاريع مفتوحة على التعلم والتغير.  

نفكر في السنوات الثمانية ونيف الماضية كهوْل تلزم سنوات طويلة قبل «التنبؤ» به، نعني التقدم خطوات في فهمه وتحليله. ونحدس بأنه تلزم ثورات في المفاهيم والحساسية من أجل فهم ما حدث. فقط حينها يمكن لما حدث أن يكون قد مضى وانقضى. اليوم لا يزال ما حدث أمام أعيننا الزائغة، المنذهلة، شيئاً تلزم سنوات وربما عقود لفهمه، وهو ما يعني أنه لا يزال طيَّ الغيب.

ونعلم بعد هذا أننا سنفاجأ كثيراً بما قد يحدث في بلدنا وفي العالم الذي تناثرنا فيه، ونجد في ذلك ما يثير ويبهج، وما يمكن أن يكون فاجعاً، وما يساعدنا على أن نتغير ونتحرر، أن نفاجئ  أيضاً.