دوّار النعيم

إلى صالح وبسام المصارع

قبل نحو سنتين ونصف، في عزّ انتصار التحالف الدولي، معززاً برياً بقوات قسد، على داعش في الرقة، كان دوّار النعيم حاضراً بقوّة في التغطيات الصحفية للمعركة. دعونا نتذكر: هي الساحة التي دبك فيها عناصر قسد أمام صورة ضخمة لأوجلان، خلفها مشاهد دمار ممتد، وهي الساحة التي زارها مبعوث الرئيس الأميركي حينها، بريت ماكغورك، وغرّد صورته فيها متباهياً. وقد كان هذا الاهتمام بهذه الساحة بالذات نابعاً من أنها الساحة التي ظهرت فيها آليات داعش وهي «تفحّط» مبتهجة بالسيطرة التامة على الرقة، ثم وهي تستعرض قواها يوم إعلان الخلافة؛ كما أنها الساحة التي اقترف فيها الإجرام الداعشي أبشع فصول البتر والصلب، وجزّ الرؤوس وتعليقها على سياج حديقة الدوّار. قبل ذلك، في آخر فالنتاين قبل اندلاع الثورة، نُظّمت في الساحة احتفالية وردة من شعب الوطن إلى قائده، صُنعت فيها «أكبر لوحة من الورود في سوريا» تحية لبشار الأسد في عيد الحُب، نظمها موقع إلكتروني محلي بدعم من محافظ الرقة. 

أُعيد بناء الساحة اليوم، بفخامة لا تتناسب مع الواقع المزري للمدينة، وحظيت إعادة البناء تلك بتغطية كثيفة للإعلام القسدي، في الوقت الذي كان الاهتمام الإعلامي الغربي بالرقة يخبو شيئاً فشيئاً، حتى بات اليوم في حكم المنتهي، حيث لم نعد نسمع تغطيات حيّة من «سيركل أوف هيفن» (كما سمّى الساحة مراسل حربي أميركي)، ولا من غيرها من ساحات وجادات وحدائق الرقة. واحتفالاً بنسيانٍ هو أثمن من الحُب، وخصوصاً حُبّ قائد الوطن؛ يأتي هذا النص كاستعادة ذاتية (وأنانية) لدوّار النعيم كما قررتُ أن يتجمّد في ذاكرتي في مطلع الألفية، على غرار استعادات سابقة لفضاءات من الرقة، كما يأتي -وهذا أهم- استذكاراً لاحتفالات انتصارٍ آخر، هو محل شِقاق وخِلاف رِقّي، حصل قبل نحو خمسة وعشرين عاماً، وجرت تلك الاحتفالات (أو ربما لا) في دوّار النعيم. 

*****

يقع دوّار النعيم في منطقة مركزية من مدينة الرقة، متوسطاً بين أحياءها الأحدث، الدرعية والتوسعية، والأقسام الأقدم، أي «الحارات» التقليدية والشوارع التي شُقت بينها، أي 23 شباط والمنصور وسيف الدولة وغيرها. ورغم أن اسمه الرسمي هو ساحة حسين جاهد إلا أن التسمية الشائعة له، أي النعيم، أتت من إطلال كافتيريا ومحل مرطبات ومثلجات، النعيم، عليها. وقد درجت، لفترة قصيرة ودون انتشار كبير، تسمية «السبع بحرات» على الساحة، تشبّهاً بالساحة الدمشقية، لكنها تسمية بقيت قليلة التداول واندثرت لاحقاً.

والساحة عبارة عن دوّار ذو منصّف كبير، حُوِّل إلى حديقة كانت، في ثمانينات وتسعينات وحتى أوائل ألفينات العقد الماضي، تتوسطها نافورة بعدة صحون مضلعة متراكبة، تكاد حنجرتها تتمزق وهي تصرخ أنها من تنفيذ مؤسسة الإسكان العسكري. وتحيط بالنافورة مساحات عشبية تقطعها ممرات مؤدية إلى النافورة، يدور حولها سياج من الحجر الأبيض، ارتفاعه نحو متر ونصف، كان يشكّل مرصداً ممتازاً ومريحاً لمراهقي وشباب المدينة، يجلسون عليه لمراقبة الرايح والجاي، أو الرايحة والجاية بالأحرى، إذ كان دوّار النعيم نقطة انعطاف أحد أهم الشوارع التجارية في المدينة، شارع المجمّع، وهو شارع مزدحم بالمتسوقين والمتجولين، خصوصاً في مواسم الأعياد، وفي المساءات الصيفية.

تصبّ وتنبثق من دوّار النعيم أربعة شوارع باتجاهين، أولها شارع المجمّع الذي سبق ذكره، والذي يصل دوّار النعيم بكنيسة الشهداء وحديقة الرشيد، مروراً أمام المجمع الحكومي وبلدية الرقة ونقابة المعلمين ورعاية الطفولة والأمومة من جهة، ومحلات تجارية كثيرة من الجهة المقابلة، وينعطف يساراً قبل وصوله إلى دوار النعيم في تقاطع اسمه «الأماسي». والأماسي اسم كافيتيريا مطلّة على هذا التقاطع، فُتحت لفترة وجيزة في السبعينات، لكن اسمها بقي خالداً، وازداد خلوداً على صفحات الأخبار الفيسبوكية كون ذلك التقاطع من أكثر بقاع الرقة تلقياً للبراميل بين عامي 2013 و2017. يلي شارع المجمع في الساحة، إن مشينا عكس عقارب الساعة، شارع مرآب البلدية، الذي يصل حتى دوار الدلّة وشارع تل أبيض؛ يليه شارع الملعب، والذي يقع مشفى دار الشفاء عند زاويته اليمنى، ويمتد حتى عمق حيّ الدرعية؛ وأخيراً الشارع الذي يخرج باتجاه دار التوليد، فالفنون النسوية، فملعب وثانوية الرشيد، وقصر المحافظ، وصولاً إلى حيّ الثكنة. وقد كان منصّف الشارع الأخير هذا عريضاً، ذو شجر كثيف وضخم، تظهر وسطه دعامات معدنية متشابكة، يعلوها مجسم طفولي لصاروخ، كان نصباً تذكارياً لرحلة رائد الفضاء محمد فارس في البعثة الفضائية السوفيتية عام 1987 إلى محطة مير. وقد أزيل النصب وجُرفت الأشجار في عهد المحافظ عدنان السخني، وجُلبت عوضاً عنها نخلات باسقة، سُرِّبَ وقتها أن ثمن كل واحدة تجاوز مئة ألف ليرة سورية، أي نحو ألفي دولار في تلك الأيام. 

تطل على دوّار النعيم معالم تجارية وغير تجارية عديدة، فعدا كافتريا النعيم، إحدى أقدم كافتريات الرقة، والتي أسسها آل سلطان مطلع السبعينات؛ كان هناك سوبر ماركت إيبلا، وهو سوبرماركت فاخر بمعايير رقة الثمانينات والتسعينات، وحتى ما بعدها؛ ومشفى دار الشفاء؛ وفطائر الفاخر. وعلى بعد أمتار قليلة جداً من الساحة، مقابل نصب صاروخ محمد فارس بالضبط، وُجِدت بناية عالية وفاخرة، من الحجر الأبيض، تتميّز وتطلّ على الساحة، أصحابها، آل القاطرجي، كانوا تجار قماش وخياطين تعود أصولهم إلى مدينة الباب في ريف حلب الشرقي، وعُرف عنهم التوجّه الصوفي والعلاقة الطيبة مع وجوه الرقة والمشلب العشائرية، قبل أن يُصبح أبناؤهم مافيوزيين ومهربين وأعضاء مجلس شعب وقادة ميليشيات و«رجال أعمال» في الدارة الإجرامية الأسدية. قصة غرائبية ما كان يمكن لكاتب سيناريو، مهما تعاطى من «المنشطات»، أن يتخيلها قبل بضع سنوات. 

شمال غرب الساحة، بعيداً عنها أقل من مئتي متر، تبدأ أسوار المدينة الرياضية، وتحوي ملعب كرة القدم، الملعب الأسود (الذي تحوّل لموقع اعتقال وتعذيب رهيب خلال حكم داعش، النقطة 11)؛ ومسبح؛ وملاعب تنس وكرة سلة على الهواء الطلق؛ والصالة الرياضية، حيث كانت تُلعب مباريات كرة السلة وكرة اليد في المدينة. 

*****

تأسَّسَ نادي الفرات الرياضي، تحت اسم نادي الرشيد، عام 1961 كمبادرة أهلية في «الحارات» المحيطة بشارع المنصور، أتت نتيجة لإرهاصات على شكل مبادرات سابقة، كفرق مسرحية موسمية ومنتديات أدبية ولقاءات شبابية ونشاطات رياضية. وكان مقره الأول شرق مبنى السراي (المتحف حالياً)، قبل أن يشُيّد مقر له ضمن بستان البلدية، أكبر وأقدم حدائق الرقة، في امتداد شارع المنصور بعد تقاطعه مع شارع هشام بن عبد الملك، في نهاية الستينات. وقد كان المقر (وما زال، رغم آثار القصف والتفجيرات وبقايا الأعيرة على الجدران) عبارة عن ملعب مكشوف لكرة السلة وكرة اليد، يطل عليه مدرج من ثلاث درجات وتحيط به أربعة أبراج معدنية للإضاءة، وبجانب الملعب غرف صغيرة مطلية بالكلس، كالسور المحيط بالملعب، للمستودعات والمكتب الإداري وغرفة المستخدم، وأمام مدخل النادي حديقة صغيرة استُخدمت كمقهىٍ صيفي. بعدها بعام، 1962، وبطريقة مشابهة، تأسَّسَ نادي الشباب (النهضة حينها)، الشقيق اللدود، في القسم الغربي في المدينة. 

ورغم أن الناديين أُمِّمَا سريعاً بعد الانقلاب البعثي عام 1963 وأُلحقا بالاتحاد الرياضي العام، إلا أن معناهما الاجتماعي بقي راسخاً، بل وتعزز: نادي الفرات هو نادي شوارع المنصور وسيف الدولة وهشام والقوتلي والعائلات المقيمة حولها، من رقاويين وقدامى الـ «غربتلية»؛ ونادي الشباب هو نادي توسّع المدينة نحو الغرب والشمال بدءاً من شارع 23 شباط، التوسع المتسارع اعتباراً من بداية ستينات القرن. من السهل للغاية، حتى اليوم، أن تعرف عن أحدهم إن كان شبابياً أو فراتياً فقط بمعرفة اسم عائلته، أو مكان إقامة أهله في الرقة. ولا يلغي هذا احتمال حصول استثناءات انشقاقية، هي دوماً مثار توتّر كوميدي ضمن العائلة ومحيط الأصدقاء والحارة: «المنشق» عن وسطه الحاراتي أو العائلي «الطبيعي» لصالح النادي الآخر يُلاقي ترحيباً مضاعفاً لدى أقرانه المشجعين؛ وهو محط تخوين رياضي من قبل وسطه «الجوهراني». هذا الأخير هو التخوين الذي ما زلت أُقبِلُ على ممارسته، كفراتي متطرّف، محافظ ورجعي؛ بكل حماس وسرور.

اعتباراً من أواسط السبعينات، وبعد اهتمام أوليّ بكرة السلة، بدأ نجم كرة اليد بالصعود في المدينة. ليس من الممكن الوصول لأسباب مؤكدة لهذه الطفرة، لكنَّ تَشارُكَ الرقة مع درعا في الاهتمام بهذه الرياضة قد لا يكون صدفة. ربما كان ذلك لأنها رياضة ثانوية في المدن الرئيسية التي لا طاقة لمدينة مثل الرقة على منافستها، وبعيدة عن منافسة نخبوية النوادي التي تخصصت بكرة السلة في دمشق وحلب. أياً يكن، في حالة الرقة كانت هناك شرارة اهتمام باللعبة أسسها بروز جيل أول من اللاعبين، مثل أحمد شعيب وخلف الزوّاد في الستينات؛ ثم الأخوة أبو الهُدى، مهدى وهاني وفؤاد، في نادي الفرات؛ وعبدالله الجاسم في نادي الشباب في السبعينات. تلك الأخيرة لم تكن حالات بروز في مهارات وتقنيات اللعبة فحسب، بل كانت أمثلة، الأولى من نوعها على مستوى الرقة، وعلى مستوى سوريا أيضاً، لأشخاص استطاعوا احتراف اللعبة بالمعنى الحرفي، والحصول على عقود عمل جيدة في دول الخليج كلاعبين أولاً، ثم كتقنيين ومدربين. 

شكّلت التجارب المذكورة أعلاه مُثُلاً إيجابية لصبية ويافعين رِقّيين ليُقبلوا على اللعبة في الناديين، وأدى هذا الزخم إلى تبلور جيل من اللاعبين شغل حيّزاً مهماً في كرة اليد السورية خلال عقد الثمانينات، في مراكز متقدمة في الدوري وكأس الجمهورية للناديين خلال جلّ أعوام العقد، وإن مع لحظة ذهبية تأسيسية كانت في فوز نادي الفرات بكأس الجمهورية عام 1983 في مباراة نهائية ضد نادي الشرطة، كان يمكن، لولا خسارة غير متوقعة في نصف النهائي، أن تكون «ديربي» رقاوي. وكان كأس الجمهورية ذاك أول بطولة مهمة لنادٍ رقاوي على المستوى السوري، تبعتها بطولات للناديين خلال العقدين التاليين، ودفق لمشاركة أبناء الناديين في المنتخب الوطني في مختلف الفئات. وقد تلاقى في هذا النجاح عاملان، الأول هو ما ذُكر قبلاً عن زخم إقبال يافعين خلف خُطى مُثُل إيجابية، ودعم الناديين من قبل جيل أول من البيروقراطية البعثية الرقاوية، وصل إلى مناصب مهمة نسبياً على مستوى المحافظة (مدراء، نواب محافظين، أعضاء مجلس شعب، مسؤولون في شركات عامة.. إلخ) ولم تكن بعثيته أو ولاءه معياراً وحيداً للبروز حينها، بل كانوا من بقايا «قادة» مرحلة صعود الأرياف والأطراف السورية في مرحلة ما بعد الاستقلال، الموجة التي صعد على أكتافها البعث نفسه شعبياً؛ وكانوا، رغم فسادهم وسوئهم في أغلب النواحي، أبناء بلد يشبهون ناسهم أكثر من شبههم بالبعث. بعض هؤلاء كانوا من مؤسسي الناديين، وسعوا لدعمهما عبر مناصبهم من خلال استجرار مكافآت أو دعم للنادي ككل، أو حتى عبر توظيف اللاعبين الأساسيين كـ «تنفيعة» في مؤسسات ودوائر الدولة، في وظائف شبه خلّبية، تقدم لهم بعض الأمان المادي، وتسمح لهم بتفريغ وقت للتدرّب وممارسة اللعبة. لم يكن لعب كرة اليد في سوريا احترافياً، ولم يصبح كذلك -بشكل جزئي- حتى مرحلة متأخرة من الألفينات.

من المهم هنا وضع الأمور في سياقها وتناسُبها الملائم: لم تكن سوريا يوماً قوة دولية، ولا حتى عربية، في كرة اليد؛ وحين نتحدث عن إنجازات على مستوى كرة اليد السورية فإننا لا نقول شيئاً مميزاً على المستوى العربي. لكن على المستوى السوري، وخصوصاً في فترة السبعينات والثمانينات، حين كانت الرقة منسية تماماً حتى في نشرة الأخبار الجوية في التلفزيون، كان إحراز نتائج مهمة وفرض الذات قُطرياً، في شيء ما، حتى لو كان في رياضة ثانوية، يعني الكثير لعدد كبير من الشباب الرقاويين، الذين كانوا يكتسبون شعوراً ما بالأهمية والندية مقابل نوادٍ أهم تنتمي لمدن كبرى، وشعور الندية هذا لم يكن متوفراً للرقاويين في جُلّ المجالات الأخرى. في تلك الفترة أيضاً، وبفضل التعاون بين الناديين الشقيقين اللدودين، تأسست مبادرة موسمية لتجميع «منتخب الرقة» لكرة اليد، الذي لعب عدة مباريات مع فرق دولية (نوادٍ عديدة من دول الكتلة الشرقية في الثمانينات؛ ونادي هيلتروب مونستر الألماني والمنتخب المصري في التسعينات..)، كانت زيارتها للرقة خرقاً للمركزية الدمشقية المعتادة وحدثاً غير مألوف في المدينة. كما أن اجتماع لاعبين من ناديين جارين، العلاقة بينهما هي كباش متواصل، في فريق واحد، ولو مرة في العام أو العامين، كان طقساً جميلاً، ودرساً ممتازاً في الروح الرياضية لجيلي، وللجيل السابق. 

بدأت علاقتي بنادي الفرات بشكل عضوي: كنت تلميذاً في مدرسة الرشيد الابتدائية، المنجم الأهم، مع مدرسة سيف الدولة، لصغار نادي الفرات. كما أنني ابن عائلة فراتية بامتياز، فوالدي من الجيل الأول الذي «عاش» النادي بكل معنى الكلمة، وكنت محاطاً بأبناء عمومة، أكبر مني عمراً، لعبوا في النادي -مثل وليد السويحة، أحد لاعبي عصر الثمانينات الذهبي في النادي، وفي المنتخب السوري- أو كانوا من المواظبين على متابعة النادي والمساهمة فيه. لعبتُ بداية في صغار كرة السلة، ثم -في خيانة مبررة- انتقلت إلى نادي الشباب حين أُغلق قسم كرة السلة في نادي الفرات بسبب نقص الدعم، واتُفق على دمج الناديين سلوياً ووُضعنا، كفريق الصغار لكرة السلة في نادي الفرات، وديعةً لدى نادي الشباب، ولم نُسترجع إلى اليوم.

لكن علاقتي كمشجع لفريق كرة اليد بدأت في نهاية النصف الأول من التسعينات، حين كنت في منتصف المرحلة الابتدائية. كان زخم الثمانينات الذهبية قد بدأ بالتراجع، وقد كان لهذا التراجع أسباب ثلاث: اعتزال لاعبي الجيل الذهبي نتيجة العمر؛ واندثار جيل المسؤولين المحليين الداعمين وقطع استمرارية الدعم الحكومي للنادي ولاعبيه؛ وانقلاب في مزاج الطبقات الوسطى (بتنوعها) في المدينة تجاه إقبال أبنائهم على النوادي الرياضية، إذ كانت التحولات في نموذج تصوّر الطبقات الوسطى السورية لـ «الابن الصالح» قد تبلورت لصالح تفضيل نموذج الابن حبيس المنزل، عديم الصداقات والاهتمامات خارج الدراسة، مع استثناء وحيد لصالح ضرب من التزمت الديني الطفولي (وقد كانت مرحلة صعود الصحوة الإسلامية المباركة).. الابن الجيد بقدر كونه ماكينة منافسة مع عائلات أخرى في امتحانات الشهادات. دراسة ومعمل علامات فقط، دون ثقافة ولا حضور اجتماعي ولا هوايات ولا اطّلاع، ولو على حرف، عمّا هو خارج المنهاج. تالياً، بات النادي الرياضي واللعب في فريق أو حضور مباريات في الملعب هو أمر غير مرغوب به، زِد على ذلك تتالي عدة مشاجرات شهيرة في الرقة خلال مباريات لكرة اليد، نتج عنها إصابات خطيرة وعقوبات قاسية على الأندية وأحكام سجن، ما عزز حجّة أن «الرياضة شغل زعران». 

إذن، بدأت أشجع فريق كرة اليد في مرحلة انحدار، لكن ذلك الانحدار لم يكن شاملاً. صحيحٌ أن النادي كان يمر بضائقة مادية رهيبة، لدرجة صعوبة تأمين كلف تنقّل اللاعبين للمباريات خارج المحافظة واللباس الموحّد، لكن بقايا زخم الجيل الذهبي كانت ما تزال حاضرة، إذ كان الفريق الأساسي مكوناً من الجيل الأصغر الذي لعب في سنوات نشأته مع «الجيل الذهبي». وقد كان نموذج نادي الجيش في سوريا نقمةً مضافة على أندية، كالفرات، لا تستطيع دعم لاعبيها، إذ كان هدف أي لاعب، حين يصل إلى مرحلة الخدمة الإلزامية، هو أن يُصنّف كمؤهل للعب في نادي الجيش، فهذا لا يعني فقط تحرراً من أعباء ومهانات وصعوبات قسم كبير من الخدمة الإلزامية فحسب، بل يعني أيضاً قدرة على التفرغ للتدرب واللعب، وفرصة للسفر خارج البلد في سياق مشاركات نادي الجيش في مباريات وبطولات خارجية. ومن البديهي أن يحاول أي لاعب تمديد عقده مع نادي الجيش بعد إنهاء خدمته الإلزامية طالما أن ناديه «الأصلي» غير قادر على دعمه. تالياً، كانت دورة الحياة الطبيعي للاعب الفراتي حين بدأتُ بمتابعة كرة اليد هي أن يكون في أوج عطائه المحلي خلال مرحلة الناشئين والشباب، ثم يمر بخدمة العلم في نادي الجيش، ليعود بلياقة عالية وبقدرة على اللعب بمستوىً جيد لسنة أو سنتين، قبل الغرق في انشغالات الحياة وتراجع المستوى البدني والتقني بسبب نقص التمرين؛ أو تدبر عقد احتراف -أو على الأقل فيزا- كمدرب أو لاعب في الخليج أو في دول أوروبية. 

حين بدأت أتابع وأشجع، رفقةً بأبناء عمي الأكبر، كان إسماعيل فرواتي «أبو عبدو» هو بطل الجيل بلا منازع. كان أبو عبدو -شقيق صلاح، أحد نجوم النادي في السبعينات والثمانينات- قد لمع في مرحلة الناشئين والشباب، ليلعب لاحقاً في نادي الجيش خلال فترة خدمته الإلزامية، ومع المنتخب السوري، وقد كان موسم 1995-1996 أول موسم يعود فيه إلى نادي الفرات، بكامل لياقته قادماً من نادي الجيش. كنا، أنا وزملائي في المدرسة وأصدقائي في الحارة، نراه كمعجزة، كشيء خارج للطبيعة، نذهب لمشاهدة تدريباته في النادي وننذهل لحركته الصاعقة، ولياقته العالية، وقفزاته الكهربائية العالية، وقوة ضربته من خط التسعة، التي تثقب المرمى ثقباً. قبل عودة أبو عبدو للنادي بعام، كان الفرات قد خسر وحيد الطه، أعظم جناح أنتجه النادي، لصالح الاحتراف في اليونان، لكن الفريق كان ما يزال صامداً مع قدري البوزو في المرمى، وأسماء مثل جاسم الحاج عبو ونبيل الرملة وعبد الوهاب فرواتي (نجم آخر من العائلة نفسها)، ويافع -حينها- اسمه حازم الكبة سيجول العالم بعدها في احترافية عديدة، انتهت باعتزاله اللعب قبل سنوات قليلة وانتقاله للتدريب في السويد. لكن نجمنا الأسطوري، أنا وزملاء مدرستي وأبناء حارتي، كان إسماعيل فرواتي. كنا نراه أقوى كائن في الأرض، أفضل لاعب في الكون، لا خطأ يبدر منه، ولا حساب خاطئ يحسبه. ربما يمرض، ربما يُصاب، وهذا نذير شؤم كنا نترصده ونحاول سماع أخباره في المدرسة من ابن أخ له، وجد نفسه فجأة في وضع حظوة وسلطة كناقل لأخبار أبو عبدو، لدرجة أنه بات يتعمّد إيصال أخبار مثل أنه «مكرّب» أو «تعبان» لإخافتنا باحتمال أنه قد لا يلعب المباراة القادمة، وقد كان يحظى نتيجة ذلك بدلال ومعاملة تبجيلية منا جميعاً في المدرسة، كونه قريب أبو عبدو، وكوننا كنا من السذاجة لدرجة اعتقادنا أننا لو دللنا ناقل أخبار سيئة فإن هذه الأخبار ستتحسن. 

لكن طعناً في أسطورية أبو عبدو، ولو كان طعناً نسبياً، غير مباشر ولا مقصود، كان يأتي من قِبل «النوستالجي». 

النوستالجي هو أحد أبناء حارتي، شاب في أواخر العشرينات (حينها، في أواسط التسعينات) وصديق أولاد عمومتي. كنا جميعاً نشكّل رابطة مشجعي نادي الفرات، وكان النوستالجي يدير بقالية تمتلكها عائلته جنوب شارع المنصور. كانت مهمة النوستالجي الحصرية هي التباهي بأنه شهد ما لم نشهده نحن، أنا وجيلي، والأكبر منا قليلاً: عصر صلاح فرواتي وعبود شعيب وآل أبو الهُدى وغيرهم. لذلك، كان أحياناً يُبالغ في ذمّ الجيل الذي شهدناه سويّةً لصالح طهرانية فراتية ما، سنعرف حين نكبر أنها كانت موجودة في مخّه فقط، ومبنية أيضاً على قناعة غيبيّة بأن أي زمن سابق كان أفضل من هذا «الزمن الرديء». كان النوستالجي مهووساً بالسخرية من تبجيلنا لاسماعيل فرواتي -مع حبّه وتشجيعه لأبي عبدو-، فقط لكي يؤكد لنا أن صلاح، شقيقه الأكبر، كان «أركز» وأذكى وأكثر تمرساً تقنياً وذهنياً. وكان كل خطابه وانفعاله قائماً على مدح «أوليين» وذمّ حاليين على «عجونتهم»، بطريقة كانت تغيظ جيلي بقدر ما تسحره وتحفز فضوله بخصوص ما شهده النوستالجي من ماضٍ جميل مفترض. بحكم صلة قربى، وأيضاً بحكم رواسب أسطورة كانت ما زالت ماثلة، كان النوستالجي مهتماً دوماً بالإشارة لعبّود شعيب كمثال إيجابي مطلق بالمقارنة مع «عجيان» الزمن الحاضر (حينها)، حسب النوستالجي. في الجزء الأول من كلامه هذا، أي المديح المطلق لعبود شعيب، لم يكن النوستالجي يلقى إلا التأييد.

لم أرَ عبود شعيب لاعباً. أعرف، عبر شهادات من سبقوني، أنه كان لاعباً عظيماً وصانعاً أساسياً لأمجاد النادي في الثمانينات، لكنني شهدت أنه ابن نادٍ أعظم حتى. في طفولتي، أذكره على مدرج جمهور ومشجعي الفرات هادراً بغضبه تجاه اللاعبين، وكثيراً ما يُسمَع صوته لوحده أكثر منا كلنا مجتمعين كمشجعين. ولم يكن نادراً أن يقترب من حافة المدرج فوق مكان لاعبي وفنيي ومدرب فريق الفرات ليهدر بامتعاضاته تجاه ما يراه ولا يعجبه، مستخدماً شرعية ابن النادي و«اللعبة» ومتمتعاً بسلطة من يحق له أن يغضب ويمتعض ويشتم كما يشاء. كان ينفعل لدرجة إحساسنا أحياناً أنه سيبدل ثيابه وينزل ليلعب الشوط الثاني، طارداً لاعبي الفرات ومواجهاً لوحده ضد كل فريق الخصم. حينها، رأيته ابناً لنادي الفرات على طراز «الأوليين» الغيورين على ذُخرهم، حسب تصنيف النوستالجي. لكنني لاحقاً، بعد سنوات، حين أمعنت التفكير في شخصيته وشخصية من يماثلونه في الإصرار البازلتي، وجدته معبراً عن نمط ما من سيزيف، مدمن على الفَزعة وحمل العالم على أكتافه لوحده والجري بحمله حتى أعالي الجبل، مرة بعد أخرى، رغم كل شيء، رغم نفسه حتى. سيزيف لا يحبه النعانيع والمتشككون والمتوجسون والمتصالحون -نوعاً ما- مع ضعفهم وتلاطمهم أمثالي، كونه يذكرهم بضعفهم المُركّب؛ لكنهم في الوقت نفسه يطمئنون إلى أن ثمة عبود شعيب سيفعل ما يجب فعله في لحظة ما، بسرعة، وحزم، دون انتظار هبلنا التقييدي وحيرتنا وتخبطنا. تبدّى هذا الأمر بوضوح قبل نحو عامين، حين ظهرت صور لعبود شعيب وهو يدرّب من استطاع تجميعهم من شباب وناشئى نادي الفرات فيما تبقّى من الرقة حينها، على أرض النادي، المحفّرة  بفعل الشظايا والقذائف والمحاطة بالجدار الكلسي الأبيض إياه وقد امتلأ بآثار الرصاص. كبر عبود شعيب وشاب، بالكاد عرفته في المشهد. لكنه، بكلابيته البنّية، يصرخ في الصورة بشكل أكاد أسمعه، وأجزم أنه وزّع بعض الشتائم والانفعالات هنا وهناك. العالم يتداعى، لا يُهم. عبود شعيب قد قرر بناء فريق الفرات من جديد.

*****

بطبيعة الحال، كانت العلاقة مع الشقيق اللدود، نادي الشباب، معقدة. هو الخصم الأبرز، والمباريات معه حدث كبير على جميع الأصعدة، ومهرجان الحب المتبادل أثناء مباريات منتخب الرقة ضد ضيف خارجي ما لم تكن إلا تعبيراً مقلوباً عن نِدّية وحماس ومنافسة. لكن ثمة «ديربي» موازي، سريالي الطابع، يتصل بالعلاقة -لنقل إنها معقدة- بين الرقة ودير الزور. سأشرح: كفراتي، كنت، عدا مباريات الفرات، مهتماً دوماً بحضور مباريات الشباب حين يلعب مع اليقظة أو الفتوة، أي فرق الدير. لماذا؟ هي فرصة لطيفة لشتم الفريقين معاً، للدخول في مبارزة سريالية مع جمهور الشباب في الهتافات حول أننا نريد للشباب أن يخسر، حتى ضد «الديرية»، الذين نريدهم أن يخسروا أيضاً.  بالتالي، لم نكن نبخس الفريق الديري حقه من الشتم والسخرية والإغاظة، خاصة اليقظة، الذي كان للفرات معه تاريخ صراعي طويل، وبالذات حارسه آنذاك، النميري شيخ موسى، وقد كان حارس المنتخب السوري. كان النميري حارساً ممتازاً، ولاعباً خلوقاً ومتميزاً، لكنه «أُذلّ» رياضياً في مباراة مع نادي الفرات، تسلى اللاعب حازم الكبة فيها بمحاولة تسديد الأهداف ممراً الكرة بين ساقي الحارس، وناجحاً في ذلك لعدة مرات، ما جعل لقب النميري، والهتاف الهادر -والظالم، لكن هكذا هي الرياضة وجماهيرها- ضده، هو «أبو البيظ».

مباريات فرق الرقة والدير غالباً ما كانت تنتهي بمشاجرات، بين الفرات والشباب،؛ بين جمهور الفريقين الرقاويين معاً، ومختلفَين؛ ومع جمهور أي فريق ديري قدِم إلى الرقة ليشجع فريقه. كثيراً ما لُعبت هذه المباريات دون جمهور بقرار من النوادي أو من اتحاد اللعبة، وكثيراً ما أدت أحداث الشغب لعقوبات قاسية على الفرق المتورطة.

ما يهمنا اليوم هي مباراة محددة، حدثت أحد أيام بداية كانون الأول/ ديسمبر 1995. كان الفرات يعاني حينها من مرحلة ذهاب متعثرة في الموسم، رغم عودة الابن البار، إسماعيل فرواتي، إلى الفريق بعد إنهائه الخدمة الإلزامية في نادي الجيش، في حين كان الشباب يقدم موسماً ممتازاً على كل الأصعدة، حائزاً مواقع ضمن صدارة الدوري، فيما الفرات ضائع في وسط الترتيب على غير عادة -حينها-. أتى الديربي وهناك شعور فراتي متوجس ، وإن مع كبرياء، آتية ربما من شحنة ماضوية، بأن هذه المباراة «لن تمر». لذلك، حضرتُ المباراة مجهزاً بعلم النادي وقميصه، بصحبة أبناء عمومتي الكبار. وكنبوءة تحقق ذاتها، ورغم التوجسات الأولية، قدم الفرات -إسماعيل فرواتي بالذات- مباراة أسطورية، وفاز بفارق 14 نقطة ( 18-32).

حتى حينه كانت تلك أكبر هزيمة يلحقها فريق المدينة بغريمه المحلي، والعارفون بكرة اليد سيفهمون فداحة هكذا نتيجة. ولم يكن الرقم القياسي ذلك هو المهم، بل كان الأهم هو كسر ديناميكية سلبية للغاية كان نادي الفرات قد دخل فيها، وتحقيق انتصارٍ تاريخي بمعايير المنافسة السرمدية في المدينة.

هبط الفرات إلى الدرجة الثانية نهاية ذلك الموسم للمرة الأولى، بسبب تراكم الإصابات والغيابات وموسم سيء رياضياً وفنياً، بالإضافة لعقوبات اتحادية مجحفة شطبت له عدداً هائلاً من النقاط. لكننا لن نخوض في تلك الذكرى المؤلمة وسنركز على نهاية اليوم: بعد احتفال طويل في الصالة الرياضية -القابعة أصلاً في عمق الجغرافيا المحلية لنادي الشباب، وهذه مظلومية فراتية مديدة- خرج الجمهور فيما يشبه المظاهرة الاحتفالية. مشينا من الصالة، مروراً بدوار النعيم، ثم شارع المجمع (حيث حصلت وقفة «طش سكاكر» أمام بقالية الفرات، لأصحابها آل دركزنلي -وابنهم بشار كان لاعباً)، ثم شارع 23 شباط. حين وصل الجمع إلى شارع المنصور، بدأ الحفل الفعلي، كوننا وصلنا إلى «أرضنا». ومضينا على طول الشارع حتى الوصول إلى النادي، حيث احتفلنا حتى منتصف الليل بأكبر انتصار لنادي الفرات في التسعينات. انتصار هو صنو كؤوس الجمهورية الثمانيناتية في ذاكرة جماهير النادي.

في تلك الليلة، ولِعقد لاحق، سرى طقس فراتي في العدّ حتى 14  كهتاف جماهيري، وكإغاظة للأصدقاء الشبابيين. يكفي لك، كفراتي، أن تبدأ.. العد، واحد، اثنين، ثلاث، أربعة، خمسة.. حتى يفهم الشبابي، إن كان قد عاش تلك السنين، ما تقصد. ورغم أن السنوات التالية حملت عزاً عظيماً لنادي الشباب، تكلل ببطولات دوري وكأس عديدة؛ وانحداراً نحو التواضع لنادي الفرات -وهنا ننهي الموضوعية والإنصاف- ما أتذكره، بوضوح وتأكد، أن طقس العدّ حتى 14، وكأنه ترنيمة وتعويذة هتاف في آنٍ معاً، والذي بقي مرسخاً كطقس تشجيعي/ زجري لعقد من الزمان، قد ولد في نفس ليلة الانتصار الفراتي العظيم، في مكانٍ ما من طريق الجماهير السعيدة بين الصالة الرياضية، حيث جرت المباراة المكللة بالانتصار العظيم، ومقر النادي في جنوب شارع المنصور، حيث احتُفل بالنصر وكأنه أحد كؤوس زمن صديقنا النوستالجي الجميل. ما لا أتذكره هو مَن بدأ هذا الطقس، وفي أي لحظة من الليلة الاحتفالية. تجاوزاً، وباعتبار أن هذا النص يندرج ضمن التذكّر الأناني، سأقرر أنه في لحظة مرور جماهير الفرات في دوار النعيم، تغلب صديقنا النوستالجي على حسرته على «الزمن الجميل» وامتعاضه من «الجيل المايع» الحالي من اللعيبة، بالمقارنة مع «الزلم الأوليين»؛ وتسلق سياج الدوار، وارتفاعه متر ونصف كما قلنا، وهتف فينا العدّ المقدس إياه، وردّدنا وراءه. على الأغلب، سيسخر القارئ غير الرقاوي من هذا المشهد، الذي يبدو وكأنه نهاية فيلم لسبيلبرغ؛ والقارئ الشبابي سيمتعض من محاولة استلاب ساحة تقع في عمق المناطق الشبابية من الرقة. للثاني أعترف بشرعية امتعاضه، والأول أذكره أننا، والساحة، بلعنا إعدامات داعش، وماكغورك، وأوجلان، و«وردة من شعب الوطن إلى قائده»، وآل القاطرجي... وقفت على العد حتى 14؟