دير الزور: الحصار ومُستثمروه

جميع الشهود في هذا النصّ هم شخصياتٌ عاشت حصار مدينة دير الزور، ولدواعٍ أمنية، وبسبب وجود عائلاتهم وأقربائهم الآن في مناطق سيطرة النظام، تم استخدام أسماء مستعارة بدلاً من أسمائهم الصريحة.

على بعد عشرات الأمتار فقط من المربع الأمني لقوات الأسد داخل حيي القصور والجورة في مدينة دير الزور، يقف أحمد في دكان الحارة، الذي أصبح خاوياً على عروشه إلا من بعض علب السردين وكمية قليلة من السكر، وبعض علب السجائر إلى جانبها سبع ولّاعات من النوع الرديء في الجودة المُخمليّ في السعر. يحمل أحمد في يده بعض ما تبقى لديه من النقود، يقدم عملة ورقية من فئة الخمسمئة ليرة سورية لصاحب الدكان ليضع له مقابلها شيئاً من السكر، فيعود بها إلى عائلته المكونة من زوجته وطفلين.

يقول أحمد: «كان الوزن المقابل لمبلغ خمسمئة ليرة التي أعطيتها لصاحب الدكان من مادة السكر هو 100غرام فقط. كان ثمن الكيلوغرام الواحد في تلك الفترة يساوي خمسة آلاف ليرة سورية، أي مايقارب 17.7 دولار أمريكي حسب سعر الصرف وقتها، في أواخر العام 2015».

يضيف أحمد، وترتسم على شفتيه ابتسامة تعكس ما تقوله عيناه: «في الأثناء التي كان فيها أبو عماد، صاحب الدكان، يجهزّ لي طلبية السكر، وقعت عيناي على علبة السجائر. كانت قد مضت أكثر من عشر ساعات على آخر سيجارة دخّنتها، ولم يكن في مقدوري شراء علبة سجائر كاملة، إذ كان يبلغ ثمن أرخص علبة سجائر في أيام الحصار ثلاثة آلاف وخمسمئة ليرة سورية. طلبتُ من أبي عماد سيجارة واحدة بلغ ثمنها مئة وخمساً وخمسين ليرة سورية، لكنني لم أكن قد وصلتُ إلى مبتغاي بعد، لأنه كان عليَّ أن أحصل على ولاعة لأُشعل سيجارتي. كان ثمن الولاعة لوحدها مئة وخمسين ليرة، لكن بإمكاني أن أدفع خمس ليرات مقابل استخدام الولاعة لمرة واحدة».

عانى أحمد وعائلته مثلهم مثل آلاف العوائل الديرية من الحصار، الذي تعرضت له أحياء الجورة والقصور وهرابش، والذي استمر لأكثر من عامين ونصف، منذ أن سيطر داعش على كامل محافظة دير الزور تقريباً أوساط العام 2014، وحتى الشهر العاشر من عام 2017، حين سيطرت قوات الأسد والميليشيات الإيرانية على المناطق التي كان يحتلها تنظيم داعش من الضفة الجنوبية لنهر الفرات لمحافظة دير الزور (الشامية).

كان تنظيم داعش هو الذي يحاصر الأحياء الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد، وكان معروفاً أن ضباط النظام يستفيدون من هذا الحصار، لكن ما كان خافياً من أساليب استفادتهم تلك، بدأ يظهر شيئاً فشيئاً بعد وصول عدد من الذين عاشوا حصار دير الزور إلى برّ الأمان.

بعد أن وصل أحمد وعائلته إلى تركيا نهاية عام 2016، وتسلَّلَ إلى قلبه شيئٌ من الطمأنينة لأنه بات في مأمن من بطش النظام، بدأ يبوح ببعض الحقائق التي يجهلها كثيرون عن الحصار والذين كانوا متحكمين بمفاصله، وعن مدى استغلال ضباط في النظام لذاك الحصار. يقول أحمد: «لم يكن يخفى علينا كمحاصرين ما يقوم به ضباط النظام. كانت الأمور مكشوفة لدى الجميع، فهؤلاء الضباط كانوا السلطة الأعلى في الأحياء المحاصرة، الحاكم والقاضي، الجلاد والسجّان. كانت مصائرنا في أياديهم».

نعرفُ اليوم أن كثيرين تمكنوا من النجاة بأنفسهم من ظروف الحصار القاتلة، ويقول أحمد إن ذلك كان رهناً بالقدرة على تأمين فاتورة الرحلة: «كان يمكنك السفر جواً إلى دمشق أو الحسكة عبر طائرة النقل إليوشن، أو عبر المروحيات الخاصة بالضباط الكبار. كلّ ما عليك هو تأمين المبلغ المالي المطلوب، الذي كان يتراوح بين خمسمئة ألف ومليون ليرة سورية للفرد الواحد. أما الخيارات فقد كانت كثيرة، إذ فضلاً عن طائرات إليوشن، كان يوجد سبع طائرات تخصُّ ضبّاط ومسؤولين في النظام، هم: العميد عصام زهر الدين قائد العمليات في دير الزور، والعميد منذر رئيس فرع الأمن العسكري، واللواء محمد ابراهيم سمرة محافظ دير الزور، واللواء عبد الحكيم وردة قائد شرطة دير الزور، والعميد دعاس دعاس رئيس فرع أمن الدولة، واللواء محمد خضور قائد العمليات بالمنطقة الشرقية، وطائرة معروف أنها لقائد ميليشا حزب الله في دير الزور. وكان المرء يستطيع اختيار الطائرة التي سيستقلها في رحلة النجاة من حصار الموت، والاتفاق مع سماسرة معروفين يعملون لصالح الضباط».

يبدو واضحاً من كلام أحمد أن هذه المعلومات كانت شائعة في أحياء دير الزور المحاصرة، حتى أنه يروي تفاصيل تتعلق بأن كل طائرة صغيرة كانت تتسع لنحو عشرين شخصاً، أما طائرة إليوشن فكانت تتسع لأكثر من 150 شخصاً في الرحلة الواحدة، وكانت كل رحلة منها يتم تنفيذها لصالح واحد من هؤلاء الضباط والمتنفذين، ولم يكن السماسرة يحرصون على إخفاء الضابط أو القيادي الذي يعملون لصالحه.

يتابع أحمد: «قررتُ الخروج من منزلي في حيّ القصور بعد أن تقطعت بنا السبل، وبعد أن عرفتُ أن خطر الاعتقال من قبل قوات النظام بات قريباً مني، وذلك بدعوى الاستدعاء إلى الخدمة الاحتياطية في جيش النظام. كان النظام يسوق كثيرين من أبناء الأحياء المحاصرة إلى الخطوط الأولى للمعارك مع تنظيم داعش. اضطررتُ لبيع منزلي لأحد أقاربي في إحدى دول الخليج مقابل مبلغ مليوني ليرة سورية، على أن يتم تحويل المبلغ إلى مدينة الحسكة، لأن الدخول بمخاطرة تسليم المبلغ للسماسرة مباشرة كان ضرباً من الجنون. بعد تأمين المبلغ المطلوب لرحلة النجاة، كان عليَّ أن أتفق مع أحد السماسرة المعروفين لدى أغلب أبناء دير الزور المحاصرين. عرَّفَني أحد الأصدقاء برجلٍ من ميليشيا «الدفاع الوطني» من أبناء الدير، كان سمساراً للعميد عصام زهر الدين. بعد تبادل أطراف الحديث دون الغوص في التفاصيل، رتبَّ لي لقاءاً مع مدير مكتب العميد زهر الدين. كان موعدي بعد خمسة أيام من لقائنا الأول. ذهبتُ إلى مكتب العميد عصام في التاريخ الذي أُعطي لي، والتقيتُ بالنقيب شادي مدير مكتب عصام زهر الدين. في نهاية اللقاء، لم أصل لاتفاق مع مندوب عصام زهر الدين، لأنه أصرَّ على أن يكون الدفع قبل الرحلة، وتلك هي التهلكة بأم عينها. لم أوافق على شرطه هذا، وكان عليَّ البحث عن سمسار آخر. لم أبحث كثيراً، فقد وصلني أحد الأصدقاء مجدداً بموظفٍ في مبنى المحافظة، وهو بمثابة سمسار للمحافظ. كان مندوب المحافظ ديناميكياً في التعامل نوعاً ما، وتمكّنت من الاتفاق معه على تسجيل اسمي مع أسماء أفراد عائلتي ضمن قائمة المسافرين في طائرة المحافظ في الرحلة القادمة، مقابل مليون وسبعمئة ألف ليرة سورية، أدفعها في مدينة الحسكة فورَ وصولي وإلا لن أستطيع مغادرة المطار في الحسكة. كان موعد الرحلة مقروناً باستكمال العدد المطلوب للطائرة، الذي يبلغ عشرين شخصاً، إذ كانت الرحلة القادمة بطائرة مروحية».

كان أحمد وأفراد عائلته من القلّة المحظوظين الذين تمكنوا من النجاة من طوق الحصار الذي كان يفرضه تنظيم داعش على ما يقارب 100 ألف مدني في أحياء القصور والجورة وهرابش، ويغذيّه ضباطٌ ومسؤولين في نظام الأسد، إذ كانت الأزمة التي فرضها الحصار الخانق على المدنيين في دير الزور هي ذاتها منابع ثروة لرجال الصف الأول من النظام في دير الزور. كانت طائرات الضباط والمحافظ، التي تنقل المدنيين إلى خارج دير الزور مقابل مبالغ مالية كبيرة، هي ذاتها أداة لنقل سلع معينة تحتكرها الشخصيات ذاتها، وتتحكم بأسعارها في أسواق الأحياء المحاصرة.

يقول أبو أنس، وهو أحد الذين شهدوا الحصار، وتمكّن من الخروج مع عائلته عام 2017: «كانت البضائع المتوفرة في الأسواق تأتي بواسطة طائرات الضباط، الذي كانوا يتحكمون بكمياتها وأسعارها، وهو ما كان جميع التجار وأصحاب الدكاكين في الأحياء المحاصرة يعرفونه. فمثلاً كانت طائرة العميد عصام زهر الدين تعود من مناطق النظام في دمشق والحسكة والسويداء بعلب السجائر والولّاعات، وكانت أسعار الدخّان فلكية، إذ كان يبدأ ثمن العلبة من ثلاثة آلاف وخمسمئة ليرة سورية ويصل إلى سبعة آلاف، بحسب نوعها. أما مادة السكّر، فكانت تصل إلى دير الزور في فترة الحصار عبر طائرة العميد منذر رئيس فرع الأمن العسكري، وقد وصل ثمن الكيلو الواحد من السكّر إلى خمسة آلاف ليرة سورية. وأما العميد دعّاس دعّاس رئيس فرع أمن الدولة، فكان معروفاً عنه أنه تاجر المحروقات، إذ تنقل طائرته كميات قليلة من مادة المازوت من مناطق سيطرة النظام خارج دير الزور، بالإضافة إلى بيع منتجات النفط التي تنتجها آلة تكرير النفط البدائية التي أنشأها بالقرب من مستشفى الأسد. وقد بلغت أسعار المحروقات أرقاماً شديدة الارتفاع في ظلّ الحصار المفروض، حتى وصل سعر الليتر الواحد من مادة البنزين إلى 5000 ليرة سورية، و2500 إلى 3000 ليرة سورية لكل لتر من مادتي المازوت والكاز».

يضيف أبو أنس: «كان الحصار كابوساً مظلماً عاشه أبناء الدير، فقد أتى على كل شيء. كانت معظم البيوت شبه خاوية من الغذاء، وكُنّا لا نجد ما نأكله لأيام عديدة في أوقات كثيرة. كانت موادٌ أساسية كالخبز والطحين والزيت والشاي تغيب عنا طويلاً، أو أنها كانت تتوفر بأسعار خيالية لا نستطيع تحمّلها. كان كثيرون يبيعون مقتنياتهم من الذهب كي يشتروا الطعام، حتى أنني أعرف أشخاصاً باعوا سياراتهم لمحاسيب النظام مقابل الطعام. كان لديهم كثيرٌ من الأموال، وكانوا لا يتوانون عن شراء ممتلكات المحاصرين. هناك حادثة مشهودة وقعت في الشهر السابع تموز من عام 2016، تناقلها الناس همساً أول الأمر، ثم شاعت بعدها لدى غالبية أبناء حي القصور، وذلك عندما قام العميد عصام زهر الدين بزيارة أحد الصاغة في شارع مدرسة حسان العطرا في حي القصور واشترى محتويات المحلّ بكاملها، التي بلغت ثمانية كيلوغرامات من الذهب، بقيمة تقارب الأربعين مليون ليرة سورية».

هذه واحدة من الوقائع التي تشرح كيف كان ضباط الصف الأول من النظام يراكمون الثروات على حساب معاناة المحاصرين، وبالاستفادة من جريمة الحصار التي كان يرتكبها داعش، الذي يفترض أنهم كانوا موجودين هناك بهدف قتاله. لكن ثمة وقائع إنسانية أخرى أكثر ألماً وقسوة، تشرح ما الذي كان يعيشه السكّان في وقت مراكمة الضباط للثروة والذهب.

أم سامر، امرأة ديرية في العقد الرابع من العمر، شهدت الحصار المفروض على دير الزور، وكانت فاتورته عليها مرتفعة جداً. تتحدث أم سامر عن مأساتها: « أصيب ابني الوحيد سامر بمرض التهاب الكبد الفيروسي الحاد (اليرقان)، ونتيجة لضعف الإمكانات الطبية، لم أجد علاجاً لحالته التي كانت تسوء يوماً بعد يوم، حتى عجز الأطباء الموجودون في المستشفى العسكري عن علاجه، وطلبوا مني إعادته إلى البيت وتسليم أمري إلى الله. لم أيأس، ولجأتُ إلى ما يسمى بالطب البديل. كان العلاج المقترح يقوم على إطعام ابني أنواعاً محددة من الأطعمة كي يتماثل للشفاء، وعلى رأس القائمة الدبس الحلو والبطاطا، وهنا كانت المعضلة».

تقول إم سامر إن الحصول على حبة بطاطا أو بضع ملاعق من الدبس في ظل ذلك الحصار القاتل كان أمراً أقرب للمستحيل، وأنّ أياماً مرّت كانت حالة ابنها تسوء فيها أكثر فأكثر، فيما كانت تبحث عمّن يعطيها بعض الملاعق من الدبس، علّها تساعد سامر على مواصلة الحياة: «بعد نحو أسبوع، قيلَ لي إن هناك رجلاً في حي الجورة قد أجد حاجتي لديه. وبالفعل قصدتُ الرجل، الذي لبّاني رغم ضيق حاله. أعطاني صحناً من الدبس كان قد موّنه قبل الحصار بسنة. عندما حصلتُ على صحن الدبس الصغير ذاك غمرتني سعادة عارمة، وكأني حصلتُ على الدنيا بأكملها، فهذا الصحن سوف ينقذ طفلي الذي أنهكه المرض. عدتُ إلى البيت مسرعةً أحمل بيديّ «صحن الدواء»، لكني فوجئتُ عندما دخلتُ الحارة بجمعٍ من الناس أمام بيتي. كان سامر هو سبب تجمّعهم، فقد فارق الحياة وهو ينتظر عودتي بصحن من الدبس».