ذاكرة الجيران

 

يقولُ أحد النقاد إن تشيخوف يحوّلُ الأشخاص العاديين إلى أبطالٍ ليس بما يمتلكونه من قدرات خارقة، بل بما يمتلكونه من إنسانية. وفي إسقاطٍ للمقاربة نفسها على المدن والبلدات السورية، يمكننا القول إنها تحوّلت إلى عناوين رئيسية في الأخبار، ليس بما لها من مقومات أو بما شهدته من أحداث، بل بما تعرضَّت له من كراهية.

في هذا السياق يمكننا أن نطرحَ سؤالاً: إذا كانت إنسانية الشخوص القصصية تعطيها الخلود، فكيف للكراهية أن تعطي الحياة للخريطة السورية؟!

من ميثولوجيا الكراهية السورية

تقذفني دمشق كلَّ مرةٍ بعجالة إلى منزلي في صحنايا، إحدى بلدات الغوطة الغربية، في طريق لا يتجاوز الـعشرة كيلو مترات، ودائماً تُعبِّرُ عاصمة البلاد عن فوقيتها تجاه ضواحيها من خلال مظاهر عديدة. قديماً، أي قبل الثورة السورية، كنتَ بمجرد أن تديرَ ظهركَ لدمشق، تديرُ الخدماتُ ظهرها لك، أما الآن فإن الحواجز على مداخلها تكفي كي تشعر أنك تتنقل بين بلد وبلد، وليس بين عاصمة وجيرانها في البلد نفسه.

وعلى طول طريق العودة، وعند مفرق داريّا، ينزل كثيرون من الحافلة. وكما تسخرُ دمشق من مغادريها، تسخرُ شوارعها من المنكوبين والمهجرين. هنا فقط تذهبُ المدينة، ويبقى مفرقٌ يحملُ اسمَها.

أعيشُ في أشرفية صحنايا، وهي منطقةٌ ملاصقة لداريّا. والآن بعد أن تحوَّلَت داريّا، المدينة الكبيرة، إلى مجرد خواء مفتوح، لا يسعني التفكير إلا بحجم التشوهات في ذاكرة قاطنيها. لكن لماذا علينا أن نتجاهلَ عند الحديث عن المدن المُدمَّرة، ذاكرةَ جيرانها؟!

من خصائص منطقتي أن غالبية سكانها قبل 2011 من الطائفة الدرزية، ونتيجة العديد من العوامل التاريخية والاجتماعية التي يصعب حصرها هنا، فإن ثمة عداوةً أو حساسيةً قديمةً جداً بين سكان داريّا وجيرانها من الدروز، عزَّزتها وعبَّرَت عنها قصةٌ يتناقلها العامة، تشبه إلى حد كبير حكاية المثل الشعبي «اللي استحوا ماتوا»، بدأت أحداثُها من حمّام السوق.

تقول الحكاية الأسطورية إنَّ مجموعة من الشبان الديارنة قاموا بالتلصُّصِ على شابات ونساء درزيات في حمّام السوق، وإنه عندما وصل الخبر إلى أهالي النساء والشابات، قام ذويهنَّ بالهجوم على داريّا وذبح شبابها ورجالها، وتعبئة دمائهم في قوارير زجاجية، خُبِّئَت في خزانة سريّة عند شيخٍ من المنطقة، لتكون هذه الدماء عبرةً لمن اعتبر. وإلى الآن يحمل كل شاب درزي في المنطقة على عاتقه حماية نفسه من ثأر أبناء داريّا.

نستطيع بناءً على تلك السردية الموروثة أن نتخيل حجم المبالغات والإضافات، وحجم الانتشار بين فئة كبيرة من المجتمع المحلي المحيط بداريا. هذه «الحدوتة» تكثيفٌ للكراهية، وهي تساهمُ في تكريس الأحقاد والحدود بين المجتمعات المحلية، ولعلَّ هذا من بين الأشياء الكثيرة التي اشتغلَ عليها نظام الحكم لسنوات طويلة، بهدف جعلنا جيراناً غرباء أو جيراناً أعداء. للعداء أيضاً سرديته الخاصة.

الشمال المجهول

يقسم بلدتي الصغيرة طريقٌ كبيرٌ إلى ضفتين، واحدة جنوبية، وأخرى شماليةٌ تعانقها داريّا. ولطالما شكَّلَ هذا النهر من الإسفلت ملعبنا بداية التسعينات، لكنه اليوم غدا أوتوستراداً عظيماً، بعد أن كانت حجارته ترقص لعبور سيارتين في اليوم الواحد، كما ترقص قلوب الأطفال التي تحاول التعلّقَ بصاج السيارات العابرة.

لم يكن هذا الطريق مُحرَّماً علينا كأطفالٍ مثلما كان شمالُه، وفي سهراتنا مع الأجداد، قلّما كان يمرُّ مساءٌ دون ذكر المذبحة، للتأكيد على كرامتنا وعنفواننا وتميّزنا عن الباقين. وإذا ما أثار أحد شبابهم الشغب داخل أراضينا وردّ عليه شبابنا، يمسي حديث السهرة الدافئة معطراً برائحة المذبحة. دائماً كان هناك شيخٌ مفتول الشاربين، لطالما ساورنا إحساسٌ أنه صاحب الخزانة العجيبة التي تحفظ قوارير الدم، ولطالما تخيلنا أن تلك الخزانة خضراء خشبية.

بعد استعراض البطولات كان الجميع يضحكون، ولا يبدو أن أحداً من الساهرين كان يستشعرُ أنهار الدماء التي ستسيل بعد أقل من عشرين عاماً.

الزيارة الأولى

أواخرَ التسعينات، وكان مساءً حاراً وعادياً جداً، قرَّرَ أبي وأمي اصطحابي معهم اضطرارياً إلى داريّا. كُنّا آنذاك نُجهّزُ للانتقال إلى بيت جديد، ومثل كثيرين من أبناء الطبقة المتوسطة، كان معظم أثاثنا من هناك.

في الطريق الذي لم يتجاوز الربع ساعة، عشتُ تجربةً مبكرة من مواجهة المخاوف بالنسبة لطفلة صغيرة. لم أستطع أن أُظهر إلّا عيوني من نافذة السيارة، وكنتُ أدعو الله أن أعود سالمةً، لكي أخبر إخوتي عن تلك التجربة.

كان رعبي يزداد كُلّما اقتربنا، وكُلّما اقتربنا كان أبي يشتم أهل أمي لأنهم رفضوا وضعي عندهم. كنتُ أحاولُ تجاهُلَ صوته، في محاولةٍ مني لأرشفة ملامح تلك المدينة. لا شيء مختلفٌ هنا، لا صحون طائرة، لا أكوامَ من الجلود المسلوخة، ولا أنهار من المياه السوداء. لا شيء مختلف، وكانت تلك أول الخيبات.

وصلنا، شارعٌ عريضٌ ترتصفُ ورش النجارة ومعارض المفروشات على جانبيه بالمئات، حتى تغيب القدرةُ على الرؤية.

«اندفني بالسيارة»، قالت أمي في واحدة من أولى الدعوات إلى الموت التي تلقيتُها في حياتي. التَهَمَ دَرَجٌ قريبٌ أبي وأمي وبقيتُ أنا، أغلقوا عليَّ النوافذ، لا أوكسجين الآن، ولا تحملني فقرات رقبتي لأنظر أبعد من حافّة نافذة الباب.

لم أعد أذكر كم مرَّ من الوقت قبل أن يرجعوا، لكنني قضيتُهُ بالدعاء ألّا يُحوِّلَ الباعةُ أبي وأمي إلى كائنات غليظة. عادوا يحملون كثيراً من الأكياس، فيها أشياء من بينها ستائر بألوان زاهية عَلَّقناها في البيت، وعاد أبي ليصبح ذلك الرجل العطوف، بعد أن عَلَّقَ في ذهني ستائر منسوجة من الحقد تفصلُ بيني وبين الآخرين.

تشيرُ رزان، وهي شابةٌ في بداية الثلاثينات، إلى أنها عرفت داريا بدايةً من خلال أحاديث والدها عن أصدقائه الديارنة، ومن ثم مع بداية دراستها بعد الثانوية، كان طريق معهدها يمرّ من داريّا. تصفُ رزان عملية الانخطاف السريع التي كانت تحدث أثناء عبورها لتلك المدينة، تتذكر تلك اللحظات وتقول: «لا أذكر أنني استحضرت الدعاء بتلك الكثافة إلا في لحظات العبور، شيء ما في تلك المدينة يخيفني، وإذا كان أولئك الأشخاص (تشير هنا إلى أهل داريّا) طبيعيين، لماذا يتحاشى أبي أن يُعرِّفنا عليهم، بينما يُرحِّبُ بشدة بتعريفنا على أصدقائه الشوام».

الموت القادم من الشمال

لم نكن نحن السوريين نعرف بعضنا بعضاً، جملةٌ تتكررٌ كثيراً، ويبدو أن عام 2011 جاءَ ليفضحَ تلك الهوة بيننا وبين الآخرين، مبتكراً طرقاً جديدة للتعامل مع الذاكرة، وكيفية التعلّق بالأشياء والأماكن، كاسراً كثيراً من الحواجز تجاه من كانوا يشاطروننا الأرض.

قبل ذلك العام كانت داريّا هي عصب الغوطة الغربية التجاري، يوجد فيها بناء المالية التابع لريف دمشق، شعبة التجنيد، ويوجد فيها مجمع قضائي ومصالح عقارية، وكثيرٌ من معامل الحلويات. بعد ذلك العام اختارت هذه المدينة طريق العوسج، فحصدت هي مرارته، واختارت القرى المحيطة بها محاسبتها فقط.

طافت تلك العصبيات على السطح، تحولنا إلى معسكرات مغلقة أكثر من السابق، اختارت مدينتي طريق الموالاة للنظام، وأخذ كثيرون من قاطنيها بالتشبيح له. عملوا على خنق الحراك في داريّا، حُوصِرَ المدنيون، وتباهينا نحن بأعراسنا الوطنية. جاعوا، وأكلنا حتى التخمة. زُرِعَت كل الطرقات المؤدية إلى داريّا بالحواجز والدبابات، وأصبح العبور إلى المدينة مستحيلاً. صارَ اسمُها الجديد: «تلك البلاد».

كان يوماً عادياً في بداية خريف 2013، حين استيقظنا على نبأ مقتل أحدنا. كانت العملية الأولى واليتيمة، عندما تسلَّلَ شابان من «تلك البلاد» وأوقفا رجلاً في سيارته. حاولا اختطافه، فانتشل قنبلة وفجَّرَ نفسه.

مات، وكان مقتله رسالةً لنا. تركَ وراءه زوجةً وأولاد، ولكي تعود قضية الانتماءات إلى واجهة حياتي، شاءت الأقدار أن تكون ابنتُهُ زميلتي في الدراسة. ولكي تزيد حيرتي، انتقتني من بين جميع المُعزيّن لتحضنني من قدمَيّ وتصرخ: «قتلولي بيي... قتلولي بيي».

لم أستطع أن أبكي، مسحتُ على رأسها ولم أخبرها أن موته، وهو الذي كان يعمل مساعداً في الأمن، جاء ثمناً لكيس قطن ودواء حاول أحدهم تهريبه إلى الداخل المحاصر، ليسلّمهُ ابوها إلى أحد الأفرع الأمنية. يبدو أن ما لاقاه ذلك الشاب أبشع بكثير من أن يفجّرَ إنسانٌ نفسه بقنبلة، ويتحوَّلَ إلى بطل شعبي.

عزَّزَت تلك الحادثة العداء، وانتقل ذلك الحقد من طور الحكايات الشعبية إلى المساس المباشر بنا، بوصفنا نحنا الجيران الأعداء.

مواسم الهجرة من شمال المدينة إلى شمال الذاكرة

«يعبرُ الخوف دائماً معكَ عندما تعبر إلى تلك المدينة»، هذا ما قاله أحد أقربائي في 2015، عندما كان يخدم في الجيش وجاء فرزه ليقاتل في داريّا.

قال لي في إحدى إجازاته: «لن تصدقي أنني ذهبت إلى حلب وحمص، ولم أكن أحمل مثل هذا الخوف. لكن عندما عبرتُ إلى داريّا تضاعف خوفي، لم أعد خائفاً من وحوش الحاضر فقط، بل تكاثفت حولي وحوشُ الماضي.

رأيتُها مُدمَّرةً، مجرد كتل من الإسمنت بلون واحد، وكثيرٍ من الأشباح، لكن لم أستطع أن أهزمها. بَقِيَت هي أكثرَ مدن الرعب في حياتي».

«هل تعلمين؟» سألني مع دموع عَلِقَت عند أطراف عينيه: «في إحدى المهمات كنتُ اختبئُ من القناصين، اضطررتُ للنوم على بطني أكثر من ساعتين حتى يهدأ إطلاق النار. لم أُرِد المشاركة في القتال، كنتُ دائماً أنبطحُ أرضاً، وأنبشُ في الأرض باحثاً عن الخلاص. كنتُ أصلُ أحياناً إلى أن أحفر نصف متر بأظافري، كان عملاً شاقّاً جداً».

أهزُّ برأسي مثل الروبوت، أُحاول أن أدوِّنَ شهادته بعيداً عن ماضينا المشترك من الكره تجاههم، ويتابع: «وجدتُ كيساً فيه العشرات من أحجار العقيق، تذكرتكِ»، يضحك: «دفنتُها في حفرة أخرى، خفتُ من اللعنة. تخيلي أني خفتُ من اللعنة، هذه الأرض تحاسبنا على ما فعلناه، تحاسبنا بلؤمٍ شديد».

قريبي يخدمُ الآن في حمص، وهو بعيدٌ عن القتال. لم يعد مضطراً للانبطاح أرضاً مع كل رصاصة، لقد نجا من الموت في داريّا، وما زال يقلّبُ التربة في كل مكان يزوره، باحثاً عن فتحة نحو السماء.

الشمس تشرق من الشمال أحياناً

استطعتُ أن أشعرَ بسخونة الدموع على وجه وسيم، وهو شابٌّ في منتصف الثلاثينات من صحنايا، عندما قال: «دائماً ما نُحسُّ بقيمة الأشياء عندما نرى أنقاضها، هذه هي الحياة، حَمَلنا وزرَ ثأر قديم، والآن نحمل وزر الذاكرة والذكريات. أتمنى من كل قلبي أن يعود أهالي تلك المدينة الطيبين إلى بيوتهم وأحيائهم».

أما ربّات البيوتُ البسيطات، فتظهر عذوبتهنَّ عند الكلام عن بائع الحليب محمد الديراني، الذي شربت معظم بيوت الأشرفية من حليب أبقاره. تغصُّ أم أدهم وهي تروي لي أنه وبعد فترة من بدء الحراك في داريّا، اختفى محمد، وعند عودته لتوزيع الحليب سأَلَته عن فترة غيابه، ليقول لها: «لا تشغلي بالك، كانوا الشباب آخدينا سيران»، كنايةً عن اعتقاله من قبل النظام.

بعد أن عَرفَت أم أدهم بخبر موته داخل السجن إثرَ اعتقاله مجدداً، قالت لي: «يا لطيف يا بنتي، كلهن اتحاسبوا، وما حدا بيعرف على شو».

هناك أحاديثُ كثيرةٌ مشابهةٌ تقولها ربات بيوتٍ مثل أم أدهم، ربما لأنهنَّ شعرنَ بغياب اليد العاملة الديرانية أكثر من غيرهم في صحنايا وأشرفية صحنايا. الآن لم يعد هناك نَجّارون أكفّاء، ولا مزارعون، وخصوصاً بعد اتجاه معظم أبناء صحنايا والأشرفية إلى العمل في مجال العقارات. أيضاً لا يوجد هناك حدادون ولا حتى بائعو حليب، إلّا فيما ندر.

خلال كلّ الأحداث التي شهدناها منذ 2011، استقبلَت صحنايا كثيراً من أهالي القدم وكثيراً من أهالي الكسوة والسبينة، الذين سكن كثيرون منهم في المدارس ومراكز الإيواء، فيما استأجر آخرون بيوتاً وأسّسوا مشاريعاً، لكننا لم نشهد عمليات نزوح مُلفِتَة من داريّا في عزّ الاجتياحات التي تَعرَّضَت لها. يبدو أن داريّا عاقبت جاراتها على كل ما سبق، دون أن تترك لها حق القيام بالواجب أو طلب المغفرة.

بعد انتهاء العمليات العسكرية على داريّا منذ ما يقارب السنتين، بتدمير معظم المدينة وتهجير أهلها، بدأ الجيران في إعادة تكوين انطباعاتهم نحو ما كان عليه هذا الخواء في خاصرة الريف. صرنا نجدُ من يتحدّثُ عن جمال داريّا، عن طيبة أهلها، عن حنكة تجارها، عن بساطة الحياة فيها. أصبحت مكاناً جميلاً في ذاكرة الجيران، بعد أن كانت موطن أولئك الذين تمّ تعتيق دمهم في الخزائن.