ذا لاست أوف أس 2: تحطُّم أوهام البطولة

 

ارتبطت فكرة «المهمات» بتاريخ ألعاب الفيديو، وتماهت معه وأصبحت عنصراً أساسياً من هذه الألعاب منذ بدء تاريخها. وسواءً كانت الغاية تخليص الأرض من غزو فضائي أو مواكبة أمير فارس في مغامراته العجائبية، تقارب المهمة الملحمية فكرة البطولة بشكلها الطوباوي. فوحده البطل الخارق، المنزَّه عن الخطيئة، يحمل مفتاح الحلّ ويبرّر هدفه السامي، وأي دمار للبشر أو الحجر تسوّغه بطولته التي قد تتحول، إن تغيّر المنظور، إلى ضرب من الأوهام. تسبر لعبة ذا لاست أوف أس 2 هذه المفارقة بعمق، لتنتج لنا لعبة كئيبة وعنيفة تركت معظم اللاعبين متحيّرين إزاء تقييم جودتها، ودفعت النقاد للكتابة عنها بآراء متضاربة لم تعكس في الغالب رأي عموم اللاعبين.

إبّان وباء فطري أصاب معظم العالم وحوّل البشر إلى زومبي، تكون مهمّة المهرّب جول في بداية الجزء الأول نقل إيلي، الكائن الوحيد الذي نعلم أنه منيع ضد الوباء، إلى مستشفى تابع لمنظمة ذا فاير فلاي السرية العاملة على إيجاد لقاح للمرض. في رحلة تتخللها العديد من المواجهات مع المصابين وقطاع الطرق، تتطور العلاقة بين الرجل الأربعيني والفتاة المراهقة، ليرى جول في إيلي بديلاً عن ابنته التي فقدها في بداية الوباء.

في 2013 انتهى الجزء الأول من اللعبة بجول حاملاً إيلي وخارجاً من المستشفى بعد أن فتك المرض بطاقمها الطبي، ليتأكد أن المضيّ في تطوير اللقاح سيؤدي في النهاية إلى موت إيلي.

يأتي الجزء الثاني من اللعبة ليذكر اللاعب أن أعماله «البطولية» في الجزء الأول لها عواقب، وأن الصورة الإيجابية التي رسمها عن الشخصيات التي أحبها ربما لم تكن دقيقة.

بعد 5 سنوات، تعود أفعال جول، الذي يعيش الآن مع إيلي في مجتمع ناجين في منطقة نائية، لتطارده. فآبي ومجموعتها تتعقبه منذ سنوات للانتقام لموت والدها، الطبيب الذي قتله جول في الجزء الأول، وما كان يفترض أن يكون دورية روتينية يتحول بلحظة إلى مأساة حين يصادف جول المجموعة، ولا يشفع له أنه أنقذهم تواً من هجوم مفاجئ للزومبي.

يدفع موت جول الفتاة إلى التخلي عن حياتها البسيطة في مجتمعها الصغير، ليصبح دافعها الوحيد هو الانتقام. تذهب إيلي مع صديقتها دينا إلى سياتل، لتقضي القسم الأول من اللعبة في اقتفاء أثر آبي وتصيُّد أفراد مجموعتها، ولتقتلهم واحداً تلو الآخر وتكتشف شيئاً فشيئاً لماذا قتلوا والدها البديل.

ولكن حين «تصل اللقمة إلى الفم» وتقف الشابتان وجهاً لوجه في معركة أخيرة، يفاجئنا صنّاع اللعبة بأن ما حضّروه لنا ليس مجرد قصة كلاسيكية ينتصر فيها الخير على الشر. ففي قلب القصة التي اختبرناها، ثمة قصة أخرى تنعكس فيها أدوار الضحية والمجرم. وبعد معركة شرسة بينهما، تترك اللعبة إيلي مدماة على الأرض، وتعود بنا ثلاثة أيام لنختبر الأحداث ذاتها، ولكن هذه المرة من وجهة نظر آبي. فالشخصية التي كان يُفترض أن تكون «وحش المرحلة الأخيرة»، هي في الحقيقة إنسان بشخصية معقدة يحب ويكره ويتألم. نعيش مع آبي في النصف الثاني من اللعبة الألم والخسائر التي كنا ألحقناها بها عندما كنا نتحكم بجول وإيلي.

لا أبطال في مطابخ هذه المدينة

شخصية إيلي في هذا الجزء أتت أحادية البُعد بعض الشيء، فهي مدفوعة بشيء وحيد هو الانتقام.

وعلى الرغم من محاولة شركة نوتي دوغ المطوّرة للعبة إضفاء بعض العمق على دوافعها عبر الفلاش باك، حيث تتكشف شيئاً فشيئاً خلال اللعبة الأحداث التي فاتتنا بين نهاية الجزء الأول وبداية الثاني، لم تكن المحاولة كافية لتبرير سعيها المتكرر للانفكاك عن مجتمع شبه طبيعي، ورمي نفسها في عالم محكوم بقانون الغاب. بل يدفعنا ذلك أحياناً للشعور بأنها شخص سيء مستعد لترك حبيبتها وطفلها ووعد الحياة العائلية الرغيدة، في سعي أعمى لن يملأ الفراغ الذي تركه مقتل والدها.

ولكن ربما ما قصده نيل دراكمان، كاتب ومخرج اللعبة، أنه حين يكون الهدف هو الانتقام، فمحتّم علينا أن ننزلق إلى طريق تُمحى فيه شخصيتنا فيُعاد تعريفها وفق ما نكره. ولعل نهاية إيلي في اللعبة خير دليل على ذلك، حيث نراها وحيدة محطمة، فقدت منزلها وأحباءها وعائلتها واثنين من أصابعها، وبالتالي قدرتها على العزف على الغيتار، آخر أثر تحمله من جول.

في المقابل، كانت شخصية آبي أكثر منطقية. إذ تُمضي سنوات شبابها وهي تتدرب مع مجموعتها ذات الطابع العسكري، لتصبح مقاتلة وتثأر من قاتل والدها، الشخص الوحيد الذي كان يعمل على إنقاذ البشرية. ولكن في حين أن إيلي لم تتوانَ عن الانزلاق إلى العنف الذي يؤدي إلى المزيد من العنف، تحاول آبي أن تكسر هذه السلسلة بأن تُبقي على حياة إيلي بعد موت جول، وتعفو عنها في آخر لقاءين بينهما. كذلك، تتعاطف آبي مع المراهقَين ليف ويارا وتنقذهما من مجموعة «السيرافايت» العدوّة، محاولةً حمايتهما حتى من أفراد مجموعتها.

لكن حين يتحضر اللاعب لاعتبار آبي المرشح الأقوى لشخصية البطل الخيّر، توقظنا اللعبة مرة أخرى من حلمنا الوردي وتذكّرنا أنه ألا أبطال في هذا العالم. فمقتل جول بعد تعذيبه لساعات لم يكن حادثاً فردياً، بل مثال عن نهج في التعامل مع الأعداء مارسته آبي عدة مرات سابقاً، أما إنقاذها لحياة ليف ويارا فمتصل بكرهها لجماعة «السيرافايت»، التي تصرّ على تسميتها باللفظ المهين «سكار».

العنف والعنف المضاد

ربما لم يكن إصدار لعبة عن وباء يفتك بالبشرية في وقت يعيش العالم وباءه الحقيقي مناسباً، فقد اقترب الخيال من الواقع إلى درجة غير مريحة. أذكر كيف كنت مضطراً للسير في شوارع سياتل الافتراضية المدمرة أثناء تجريب اللعبة بعد أيام من سيري في شوارع بيروت المدمرة بسبب انفجار المرفأ.

اضطررت عدة مرات لإيقاف اللعب وأخذ استراحة، فدوامة العنف والدموية غير المبررة في العديد من الأحيان تُلقي بثِقَلها على اللاعب وتُغرقه في حالة عدمية. فدخول الباب الخطأ أو التواجد في المكان غير المناسب في الوقت غير المناسب يعني الموت اللحظي. ولم تخفف بعض مشاهد الذكريات، عن أوقات أجمل أو لحظات – مقتطعة من الكابوس – لقُبلة أو لعزف على الغيتار، لم تخفف من ثقل الأجواء العامة لعالم مدمّر تتحارب فيه مجموعات لا تقل سوءاً عن بعضها البعض.

ومما يزيد الحِمل على اللاعب هو انتفاء الإرادة الحرة. فاللاعب هو من يقتل الطبيب في الجزء الأول، وهو من يقتل أصدقاء آبي على يد إيلي، وهو بالنتيجة شريك في حمّام الدم الذي ينتج عن هذه الأفعال. وقد علت الأصوات المنتقدة لهذه الحتمية، فالقصة لا تسير قُدُماً دون سحب الزناد، حتى لو كنت تعرف تمام المعرفة نتيجة فِعلِك ذلك.

ولكن ربما كان هذا الخيار في تصميم اللعبة مقصوداً، حيث تريد الشركة المطوِّرة أن يكون اللاعب شريكاً في الخطيئة وأن تتلطخ يداه بالدماء. وقد بدا موضوع سرقة حرية الخيار واضحاً في إحدى حوارات إيلي وجول، فإيلي ناقمة على جول لأنه أنقذها من المستشفى ومنعها من التضحية بحياتها لإنقاذ البشر: «أردت أن يكون لدي ذلك الخيار».

بين مدح النقاد واعتراض اللاعبين

أثارت اللعبة مع صدورها عاصفة من الجدل. فبين النقاد الذين سارعوا لمدح اللعبة والإشادة بها باعتبارها أفضل ما صدر في عالم الألعاب هذه السنة، وبين اللاعبين الذين رأوها الأسوأ منذ عقود، تكمن الحقيقة في مكان ما في الوسط.

ولم يساعد كون اللعبة من أكثر الألعاب انتظاراً، وحصولها على ردود فعل إيجابية خلال المقاطع التشويقية، على التخفيف من حدة الصدمة. فمحاولة شركة نوتي دوغ الحثيثة منع أي تسريب لقصة اللعبة باءت بالفشل. وقد حصل ذلك في نيسان 2020 عبر تسريبات شبه كاملة للقصة، كشفت عن موت جول وتحول إيلي، وهو ما لم يَرُق لمعظم جمهور اللعبة، الذي اعتبر ذلك خيانة لشخصيات عاش معها اللاعبون ورأوها تتطور على مدى الجزء الأول. ونتيجة لذلك سارع عدد كبير من محبّي اللعبة خلال دقائق من صدور اللعبة إلى منحها تقييماً منخفضاً رغم أنهم لم يلعبوها.

وكما يحدث في سياقات مشابهة، لعب النقد الجدلي دوراً إيجابياً في التسويق، وكان مؤشراً حيوياً على التطور الذي اختبرته هذه اللعبة. التجربة الجديدة التي طرحتها نوتي دوغ في السرد القصصي للعبة، تستحق الإشادة وإن لم تكن موفقة أحياناً، فمن الشجاعة المجازفة بالتجريب في لعبة من الدرجة الأولى حينما تكون ملايين الدولارات على المحكّ.

مجتمع الميم والمنع في العالم العربي

في 12 أيار/مايو ذكر أحد مستخدمي ريديت أن اللعبة غير متوفرة على متجر بلاي ستيشن في الإمارات، ليتبين لاحقاً أنها أيضاً ممنوعة في السعودية. ولم يصدر أي تفسير من جهة رسمية عربية، ولكن بحسب رسالة من نوتي دوغ فإن الأرجح أن احتواء اللعبة على مواضيع تخص مجتمع الميم، كالعلاقات المثلية ومواضيع العبور الجنسي، كان سبب المنع.

تركز اللعبة على قصة حب بين إيلي وصديقتها دينا المزدوجة الميول الجنسية، وتتابع تطور علاقتهما أثناء رحلتهما في البحث عن قاتل جول، وتتخلل اللعبة العديد من مشاهد القبلات بينهما. كذلك، تقدم اللعبة شخصية ثانوية، هي مراهق عابر جنسياً هرب من مجموعته المتشددة التي تسعى لقتله بسبب حلقه لشعره، الأمر الذي يُعتبر ممنوعاً على الإناث البيولوجيات في ذلك المجتمع.

عزّز هذا المنحى الجدل القائم حول اللعبة، فرأى بعض أعضاء مجتمع الميم أن الشركة المطوّرة تركب موجة «الصوابية السياسية»، وتستخدم شخصيات من مجتمعها الخيالي لتظهر بمظهر تقدّمي، بينما رحّب آخرون بتمثيل المثليّين والعابرين في وسط فنّي كان حكراً لفترة طويلة على العوالم الجندرية التقليدية.

بالمحصلة، يمكن القول إن الشركة المطوّرة عوّدت لاعبيها في السنوات الأخيرة على مستوى عالٍ من الإنتاج، ولم تخيّب التوقعات هذه المرة أيضاً. فالشركة التي أعطتنا سلسلة أنتشارتد سابقاً، أجبرت حتى أعتى منتقديها على الاعتراف بقيمة العمل المقدم في ذا لاست أوف أس. الرسومات منفذة بطريقة رائعة، وتصميم المراحل وحركة الكاميرا تترك اللاعب مبهوراً، والتأليف الموسيقى منفّذ بطريقة متقنة.

ومن الواضح أن الشركة ما كانت لتتجرأ على خوض غمار التجريب ما لم تشعر بقدرتها على تحمّل عبء ردة فعل جمهور ألعاب الفيديو، المتعصب حتى النخاع عندما يصل الأمر للمسّ بشخصياتهم المفضلة.