ذكورة متعسكرة في لبنان

 

في صيف 2017، عندما بدأت تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان شائعات لا أساس لها عن سوريين «بصدد التظاهر ضد جيشنا الشريف» برز إلى السطح نزعة وطنية متطرفة ومفرطة الذكورية يشوبها رُهاب الأجانب المعتاد أدّت إلى استهداف رجال سوريين على يد رجال لبنانيين. انتشرت بسرعة فيديوهات لشبّان لبنانيين يصوّرون أنفسهم وهم يضربون بحنق ضحاياهم السوريين من باب الانتقام، فيما وجد الكلام الكثيف أصلاً حول طرد اللاجئين السوريين طريقه – ولو لبضعة أيام فقط – إلى سطح الخطاب اليومي السائد (ليزداد التطبيع معه منذ ذلك الحين). كثيرون استنكروا بحق تلك الفيديوهات، لكن قليلين أشاروا إلى أن العنف الذي طال أولئك السوريين لا يعود فقط إلى نزعة فوقية شبه عنصرية تعكس بدورها شعوراً هشاً بوطنية يحدث أن يستهزئ بها اللبنانيون أنفسهم؛ بل يعود العنف إلى الفكرة اللبنانية عن الذكورة أيضاً.

لم يخضع موضوع الذكورة اللبنانية لدراسة واسعة النطاق حتى الآن، وربما تستحيل مقاربة الموضوع بحد ذاته بشكل شامل، نظراً لصعوبة حتى تعريف المسألة قيد الدراسة. هل يشمل «اللبنانيون» فقط أولئك الذين حالفهم الحظ بالحصول على المواطَنة الصعبة المنال، والقائمة في كثير من الأحيان على حسابات طائفية؟ هل على دراسة كهذه أن تستبعد، على سبيل المثال، اللاجئين السوريين والفلسطينيين المقيمين في لبنان منذ عدة سنوات؟ وماذا عن أنصاف اللبنانيين أنصاف الفلسطينيين، أو من ولدوا لآباء غير لبنانيين وأمهات لبنانيات وبالتالي لا يحملون الجنسية؟ هل يفترض هذا الموضوع سلفاً وجود فاعل مذكرغيري ومماثل1؟ لا إجابات جيدة على هذه الأسئلة، ولكن لأغراض هذا المقال سنركز على ما أظنه الشكل الطاغي للذكورة اللبنانية وأشكال تأثيرها على المقيمين في البلاد.

في مقاله الميليشوي (الصغير): الذاكرة والذكورة المتعسكرة في لبنان، يتحدث سون هاوبوله عن تصوير الفنانين اللبنانيين الباحثين عن سرديات خلاصية لميليشيويين سابقين قاتلوا في الحرب الأهلية بين 1975-1990 على أنهم «رجال صغار»، نادمون وحتى متأنثون، يقفون على قدم المساواة مع ضحايا آخرين لحرب لم يكن لها معنى. يهدف ذلك إلى «قطع الصلة بين الذكورة والثقافات الطائفية التي ما تزال إلى اليوم تحتفي بالعنف المرتكب خلال الحرب الأهلية». بعبارة أخرى، غالباً ما ترتبط الذكورة في لبنان بالتركيبات الاجتماعية المنشأة – أو على الأقل المترسّخة – خلال الحرب، والتي تمثل «بحد ذاتها نشاطاً مولّداً للتباين الجنسي وواحدة من تجارب الذكورة القليلة المتبقية» بحسب تعبير رالف دونالد. ثمة حيثية إضافية تتمثل بأخذ شخصية «الميليشيوي» بغاية «تمثيل التفسيرات البنيوية المختلفة للحرب» (Haugbolle, 2012 وNajib Hourani, 2008) كما لو أنه فقط من خلال «الميليشيوي» يمكن الإحاطة بفهم شامل للحرب.

بناءً على ذلك، ولأنه – من بين عوامل أخرى – لم تتم معالجة السرديات مِن وحول الحرب الأهلية على المستوى الوطني منذ وضعت أوزارها قبل ما يقرب من ثلاثة عقود، فإن التطلّع إلى ممارسة العنف كجزء من تحقيق الذكورة ما يزال تصوراً شائعاً في لبنان. في لبنان: بلاد من شظايا الصادر مؤخراً، يحكي أندرو أرسن قصة ميليشوي سابق تحول إلى حارس شخصي لأحد الزعماء السياسيين اللبنانيين، الذي ما إن سمع بشجار عنيف لكن وجيز بين ابن الزعيم وخصوم له حزبيين حتى بادر بالصعود إلى سطح المبنى الذي يعيش فيه الزعيم وعائلته، و«استلقى على حافة السطح مثل قناص، ثم جهّز الكلاشينكوف» وأخذ يتمتم «رح يجوا، رح يجوا». اللافت في القصة كان كيفية سردها من قبل معارف الرجل. فقط صاحت زوجة الزعيم «مسكين!» كما لو كان حدثاً مؤسفاً، بينما وجد السائقون الأمر مسلياً («ركبو عفريت»، «مجنون»). بعيداً عن تفسيراتهم المختلفة، ما كان ناقصاً في ردود أفعالهم هو حس المفاجأة. لم يندهش أحد مما فعله الميليشوي السابق، لم يتعجب أحد ولم يكن ثمة ما هو غير مألوف. لقد كانت حادثة «معتادة».

من «المعتاد» في الحقيقة توقع نوبات العنف في لبنان، والتي غالباً ما تقترن باستعراضات ضخمة للذكورة السامّة، وحتى مع تصريحات طائفية/محافظة. هذا هو على أية حال واقع بلد ما يزال أمراء حربه الطائفيون السابقون، وكلهم رجال، يسيطرون بشكل شبه تام على مختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، بالتحالف مع طبقة الأزلام والمنتفعين وأغلبها رجال. هؤلاء هم رئيسنا، ورئيس وزرائنا، ورئيس مجلس نوّابنا ومعظم أعضاء برلماننا وجميع قادة الأحزاب السياسية. من بين 128 نائباً جرى انتخابه مؤخراً، كانت هناك ست نساء فقط، وحتى وزير «شؤون المرأة» رجل. مع ذلك يلزم القول إن التقدم الذي أحرزه نشطاء حقوق المرأة و/أو حقوق المثليين والمتحولين والكويرز على مستوى تصديع النظام الأبوي القائم منذ عقود أمر يستحق الثناء بشكل خاص. فمن النجاحات الخجولة ولكن المستمرة على مستوى حقوق مجتمع الميم إلى إلغاء قانون «الاغتصاب الزوجي» السيء السمعة – الذي كان يسمح للمغتصبين بتجنب الملاحقة القضائية في حال الزواج من ضحاياهم – لا شك أن عمل أولئك النساء والرجال يؤتي أُكُلَه. بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من انتخاب ست نساء فقط، إلا أنه جرى تسجيل رقم قياسي خلال انتخابات 2018 بترشح 86 امرأة للبرلمان.

ولعل أعضاء النخبة الأبوية-الطائفية/أمراء الحرب استشعرت اتجاه الرياح، أو ربما لأنها رغبت ببساطة بتوكيد سلطتها، فأخذت لسنوات تحشد ضد حركات المساواة بين الجنسين وحركات حقوق المثليين. في آذار 2017، تحدث زعيم حزب الله حسن نصر الله ضد الحملة التي تقودها النساء لحظر زواج القاصرات، قبل أن يشيطن مجتمع الميم في لبنان ويتهمه بـ«تدمير المجتمعات». وبالنظر إلى ذلك فإنه «مع تزايد حدّة التدين في المنابر الحزبية، فإن نصيب النساء في الهيئات القيادية يتراجع» بحسب فاطمة سبيتي قاسم، ولذلك من غير المفاجئ أن يكون حزب الله الحزب اللبناني الوحيد في الانتخابات الأخيرة الذي لم تترشح على قوائمه نساء، رغم أن سجلّ الأحزاب الطائفية الأخرى لم تكن مشرّفة بالمقابل، فالغالبية الساحقة من النساء اللواتي خضن انتخابات 2018 كُنّ إما مستقلات أو مرشحات باسم المجتمع المدني.

تمثل تعليقات نصر الله جزءاً من نزعة أوسع لدى السياسيين والنخب الطائفية لتصوير المساواة بين الجنسين وحقوق مجتمع الميم، وبشكل أوسع الحركة النسوية، كأحد أشكال الواردات «الأجنبية» (أي الغربية هنا). في أيار 2017، هدّد أعضاء هيئة علماء المسلمين في لبنان بالاحتجاج في حال حدوث أية فعالية بمناسبة اليوم العالمي ضد رُهاب المثليين والمتحولين ومزدوجي الميل. المنظمون والمشاركون لتلك الفعالية وقعوا ضحية «حملة ضغط وترهيب وحتى تهديدات من قبل عدة سلطات إسلامية». كما واجهوا أيضاً معارضة جماعات مسيحية، حيث أطلق أعضاء جماعة مسيحية أرثوذكسية دعوة لأتباعهم لـ«الصلاة ضد تهديد الشذوذ الجنسي». في 2013، قال وزير الداخلية اللبناني مروان شربل إن على لبنان النظر في منع السياح الفرنسيين المثليين من دخول البلاد (وذلك بُعيد تشريع الزواج المثلي في فرنسا)، مستخدماً المصطلح القاذع «لواط» للقول إنه لا وجود للمثليين في لبنان. أيضاً في عام 2013، أمر رئيس بلدية الدكوانة شرقي بيروت أنطوان شختورة بإغارة الشرطة على ملهى يرتاده المثلييون والمتحولون والكويرز، واصفاً إحدى المتحولات بأنها «نص مرا ونص رجال»، ومضيفاً «لا أقبل بمثل هذا في الدكوانة».

والقائمة تطول.

يتناقض هذا الواقع مع القالب الذي كثيراً ما يوضع فيه لبنان ضمن العالم العربي، أي كمنارة تقدمية أو ليبرالية، أو حتى كملاذ آمن في قلب إقليم محافظ، خاصة فيما يتعلق بالجنوسة والميل الجنسي. على السطح، يبدو أن نتائج الدراسة الاستقصائية الدولية بشأن الرجال والمساواة بين الجنسين تؤكد ذلك. على سبيل المثال، يرى 75% من الرجال في لبنان أنه «يجب زيادة عدد النساء في مناصب بالسلطة السياسية»، فيما «فقط» 26% من هؤلاء الرجال يوافقون أن على المرأة تحمّل العنف «للحفاظ على وحدة الأسرة». يتناقض ذلك بشكل صارخ مع واقع أن 90% من الرجال المصريين يرون أن على النساء تحمّل العنف، وأن 29% منهم فقط يؤيدون تولّي النساء للمزيد من المناصب في السلطة السياسية.

كيف يمكننا تفسير ضعف مشاركة النساء في الحياة السياسية مع ما يبدو من انتشار واسع لتلك الآراء التقدمية؟ أو تفسير أنه من بين النساء المنتخبات الست، لم تكن سوى واحدة منهن غير مرتبطة لا بالسياسيين الذكور الحاليين ولا منتمية إلى حزب طائفي؟ هذه الأسئلة هي السبب الذي دعاني بعد قراءة الإحصائيات المذكورة أعلاه إلى العودة لقراءة التقرير كاملاً. وبدا أن شكوكي كانت في محلّها. ففي الواقع: «عندما سُئل الرجال عن دعمهم لتبوّء النساء مختلف المناصب العامة، كان الأرجح أن يعبّر الرجال عن دعمهم للنساء كرئيسات لمنظمات غير حكومية، فيما ندر أن عبّروا عن دعمهم للنساء كقياديات دينيات أو حزبيات أو رئيسات دول وضابطات جيش». ولم يكن غريباً أيضاً أن الرجال كانوا «أقل ميلاً للتعبير عن ارتياحهم للخضوع لرئيسة عمل امرأة» (74% مقارنة بـ92% من النساء). وبعبارة أخرى، يمكن للنساء أن يحتفظن بشيء من السلطة، ولكن ليس في أماكن تمكنهنّ من تحدّي بنى السلطة القائمة.

يمكن تفسير هذه النتائج بشكل أعمق من خلال الروابط العميقة بين البنى الأبوية والنظام الطائفي (أو «المذهبي») سيء السمعة. وفعلاً، يشرح تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2015 بعنوان لا حماية ولا مساواة: حقوق المرأة في قوانين الأحوال الشخصية اللبنانية كيف يؤثر غياب القانون المدني الموحد الذي ينظم مسائل الأحوال الشخصية بشكل غير متناسب على النساء. فبدلاً من وجود قانون مدني واحد، يحتوي لبنان 15 قانوناً مختلفاً للأحوال الشخصية لتمثيل مختلف الطوائف الدينية المعترف بها في البلاد. وحين راجعت هيومن رايتس ووتش 447 حكماً قضائياً أصدرته المحاكم الدينية المختلفة، وجدت (ولا مفاجأة) «نمطاً واضحاً من معاملة النساء من مختلف الطوائف على نحو أسوأ من الرجال حينما يتعلق الأمر بإمكانية إنهاء العلاقة الزوجية وحضانة الأطفال».

ولفهم تجذّر تلك الروابط، يمكن النظر في التعليقات الأخيرة للمدير العام لوزارة الصحة العامة بشأن الإجهاض: «لن يكون هناك أي قانون يشرّع الإجهاض، ببساطة لأن السلطات الدينية لن تسمح به، وهو ليس من أولوياتنا فيما يتعلق بالصحة العامة». في ظل حكومة لا تضم ​​تقريباً أية امرأة، هل من المفاجئ رفض حقوق النساء الإنجابية روتينياً في لبنان؟ غني عن القول أن هذا الواقع المروّع يجبر النساء على المخاطرة بحياتهنّ للحصول على عمليات إجهاض غير قانونية، الأمر الذي يؤذي بشكل غير متناسب نساء الطبقة العاملة – وهن أغلبية نساء لبنان – ويجعلهن مباحات أمام مختلف أشكال سوء المعاملة. عام 2016، تم الكشف عن 75 امرأة سورية محتجزة كعاملة جنس، وعن 200 عملية إجهاض أجراها لهنّ طبيب لبناني قبل إطلاق سراحهن. لو أمكن لهؤلاء النساء الهرب وطلب المساعدة ورغبن في إيقاف حالات الحمل الناجمة عن الاغتصاب لكان من الوارد أن يمنعهن القانون.

لدى سؤاله عن حق المرأة اللبنانية في منح جنسيتها لزوجها وأطفالها، قدّم جبران باسيل، وزير الخارجية وصهر رئيس الجمهورية، تعبيراً بليغاً عن الصلة بين الطائفية والأبوية، حيث أجاب بأنه سيفكر في دعم ذلك المطلب شرط إقصاء المتزوجات من السوريين والفلسطينيين، مضيفاً أنه لا مفرّ من ذلك «لإنقاذ أرض لبنان». نظراً إلى أن معظم هؤلاء الرجال (غير الأغنياء) من السنّة، فقد أتى جوابه ناضحاً بالحسابات الطائفية الواسعة الانتشار التي تمارسها الطبقة السياسية اللبنانية – فحزبه، التيار الوطني الحر، يستمد قاعدته التصويتية من مسيحيي لبنان، بينما يستمدها حليفاه الرئيسيان، حزب الله وحركة أمل، من شيعة لبنان – وإلى حد كبير يمارسها المجتمع اللبناني ككل. تتضح هنا أيضاً الصلة بين الأبوية والطبقية: ففي حين يندر أن يمرّ أسبوع دون أن يكرر باسيل رفضه المطلق لتجنيس الفلسطينيين (ناهيك عن السوريين) كمواطنين لبنانيين، نجده يدعم تجنيس أكثر من 300 أجنبي، معظمهم بحسب تقارير رجال أعمال سوريون تجمعهم علاقات بنظام الأسد.

لكن لن تكتمل الصورة دون الحديث عن تجذير الانقسامات العرقية بين الجماعات الهشة القاطنة في لبنان. أخبرني علي مؤخراً، وهو عامل اجتماعي في حركة مناهضة العنصرية، أن «من الشائع للغاية النظر لأجساد النساء السوداوات على أنها محطات للتحرش اللفظي والجسدي». كان ذلك بعد فترة وجيزة من تعرض امرأتين كينيتين للضرب في وضح النهار بواسطة جندي لبناني خارج الخدمة. وسرعان ما تم ترحيل إحدى المرأتين المعنّفتين، شاميلا، بدلاً من تقديم مرتكب الجريمة إلى العدالة. هذه القصة تؤكد حقيقة أن عاملات المنازل المهاجرات جزء حتمي من الديناميات الجنسانية في لبنان، فمن أصل 250,000 من إجمالي العاملين الأجانب في لبنان، تشكّل النساء أغلبية ساحقة. وهؤلاء يؤدّين في البيوت التي يعشن فيها المهام المنزلية «الأنثوية تقليدياً»، ولديهن القدرة على تهديد الوضع الراهن أيضاً بالنظر لدورهنّ في المجتمع اللبناني. في عام 2015، رفضت الدولة اللبنانية طلب إنشاء نقابة لعمال المنازل رغم استيفائه جميع الشروط القانونية. فمن شأن عمل نقابي منظم جيداً تحدّي نظام «الكفالة» السيئ السمعة الذي يربط الوضع القانوني للعمال المهاجرين بكفلائهم وبالتالي يكشفهم على احتمالات العنف.

ومع ذلك، غالباً ما يتم استبعاد عاملات المنازل المهاجرات من السرديات الوطنية حول حقوق النساء بسبب انتماءاتهنّ العرقية أو الجنسية أو الوطنية أو الطبقية، علماً أن عاملات المنازل هنّ، بحسب منظمة العمل الدولية، من أشدّ قوى العمل العالمية تعرضاً للعنف والإساءة، جزئياً بسبب عزلتهنّ الفيزيائية وراء الأبواب المغلقة للبيوت الخاصة. يضاف إلى ذلك قيام الدولة اللبنانية فعلياً بتجريم الأنوثة: فبين عامي 2016 و2017، تم احتجاز وترحيل ما لا يقل عن 21 عاملة منزلية مهاجرة بتهمة الإنجاب في لبنان، هنّ وأطفالهنّ. كانت الذريعة المعلنة بحسب السلطات اللبنانية أن أولئك النسوة «لا يعشن مع أصحاب العمل أو لا يجدر بهن الولادة في لبنان».

في بلد تهيمن عليه سياسياً ما أسميته طبقة أمراء الحرب الأبوية-الطائفية، هل من المفاجئ فعلاً غياب حقوق أساسية مثل حقوق النساء الإنجابية وحقهنّ في منح جنسيتهنّ؟ هل من المفاجئ النظر إلى النساء الأجنبيات، أي في سياقنا نساء الطبقة العاملة القادمات من فلسطين وسوريا وسريلانكا والسودان والفلبين وإثيوبيا وغيرها، على أنهنّ «تهديدات ديموغرافية» محتملة – هذا في حال نالهنّ أي «نظر»؟ إن شبح الحرب الأهلية ما يزال يخيّم على لبنان رغم نفي مسؤوليه ذلك. وفيما الذكورات المتعسكرة التي نشأت أو ترسّخت خلال الحرب تواصل هيمنتها على الخطاب العام، تجهد خطاباتها الحليفة في شيطنة كل من لا يتلاءم مع الثنائيات الجنسية الجامدة والحسابات الطائفية/الطبقية التي تأسس عليها «التوازن» القلق الذي يحكم البلاد منذ 1990.

  • 1. المقصود بالمماثلة هنا تطابق الجنس البيولوجي والجنوسة كميول وممارسة اجتماعية وعاطفية cisgender فيما الغيرية هي الانجذاب الجنسي نحو الجنس الآخر heterosexuality، (المترجم).