رحلة من المنفى

ربّما تحصلُ هذه المحاولة على فرصةٍ للنشر، ربّما على موقعٍ الكتروني مُتابع بشكل يومي من قبل السوريين، الأمر الّذي أعتبره بحد ذاته إنجازاً.
لكن، ربّما أستطيعُ يوماُ أن أكتب مشاركةً في صحيفة ورقية قبل انقراض هذه الوسيلة، وربّما تسرَّعَت الاندبندنت البريطانية في إصدار نسختها الورقية الأخيرة، وفي حال ندمت الأخيرة يوماً على هذا القرار، واستمرَّت الصحف الورقية وسيلة نشر كلاسيكية على الأقل، عندها قد يكون الحظ حليفي في تحقيق هذا الحلم الصغير.

حلم!!

في مقاعد المرحلة الابتدائية، كان حلمي أن أحمل بندقية وأتوجّه لتحرير فلسطين، فكرة الحزام الناسف لم تكن تروق لي كثيراً.
كنت أفضّلُ الموت بالرّصاص، لكنني كنت دون سن الـ 18 وهو ما كان يعكر هذه الأحلام، إذ إنه من الصعب الوصول إلى لبنان دون تصريح من ولي الأمر. في المرحلة الابتدائية، كنتُ دائمَ الحرص على التأكيد أنني لم أنس الأَيمَانَ التي أقسمتها أمام أصدقائي، فإذا استدعاني الواجب لعملية فدائية في قلب تل أبيب وأنا في (ليلة عرسي)، سوف لن أتردد!  أحلام جديدة بدأت تلوح في الأفق، حلم جديد بات يتشاركه الطلاب في المدرسة، وهو الالتحاق بمدرسةٍ لتعليم الطيران المدني في الأردن. كنتُ أشاركُ صديقي «وسيم» في الحلمين معاً، قبل أن ينسحبَ من حلم تل أبيب.
اليوم، يعمل وسيم طبيباً وينظم شعراً، لكنني لا أعلم ماذا نمتلك اليوم من أحلام مشتركة. أخشى أنه بعد كل هذا الزمان قرر أن يمتلك حلماً مختلفاً، فعاودَ التفكير في تل أبيب! أخشى أنه ينظم شعراً لسيّد المقاومة! أين أنت اليوم من هذا يا وسيم؟
والدي الّذي لم يكن يعرف سوى ما يخص حلم مدرسة الطيران، بدأ يلمّحُ إلى أن التكاليف ستكون عالية جدّاً وأن الأمر متعلّقٌ بعلامات مادة الرياضيات والفيزياء. تلاشى الحلم تماماً مع تلاشي برجي التجارة العالميين على أيادي طيّارين من «الجيش الأحمر الياباني»، كما قال لي أحد الأصدقاء الشيوعيين أول الأمر يومها. كنّا وقتها في اعتصامٍ أمام المفوضية العامة للأمم المتّحدة في حي أبو رمانة في دمشق، وكان هناك مضربون عن الطعام أمام المقرّ، يقيمون على درجه منذ أيام.

كنتُ أنفقُ جزءً يسيراً من مصروفي الشخصي في المكتبات، لكن ليس لشراء أي كتاب، بل على عمليات نسخ وشراء (السلُك) الأسود أو الأحمر، والكرتون وأعلام فلسطين أو حزب البعث في حال فقدان الأولى، والقماش والطلاء الأزرق، ولاحقاً ثمن مساحةٍ افتراضية على سيرفر (أميركي)، أنشر عليه صوراً وأخباراً منقولةً عن الانتفاضة الفلسطينية وشهدائها!
كانت أغنية فيروز «زهرة المدائن» تُعَادُ في الراديو طوال النهار، وكذلك كل ما جاء على ذكر فلسطين، الأمرُ الّذي أدّى إلى اقتنائي أوّل وآخر مجموعة أشرطة كاسيت، كنت قد تفاخرتُ بها أمام أبناء وبنات عمومي المقيمين في الولايات المتحدّة في إحدى زياراتهم لسوريا.

أصبح عندي الآن بندقية!

لكنّ بندقيتي كانت تختلف بعض الشّيء عن تلك الّتي كانت تستهويني أيّام المدرسة، أو أيام مشاركاتي في نشاطات الحزب الشيوعي السوري، أو وقت حرب العراق. إذ كنتُ قد استلمتُ رخصة قيادة سيّارة، وبدأتُ أقودُ سيارتنا من طراز (بيجو 504)، وهذا الطراز الذي كان جزءً لا يتجزّأ من أجهزة الدولة الأمنية.

اشتراها والدي من مزادٍ على سيّارات حكومية، لم أنتظر كثيراً لأختم صورة الأسد الابن على زجاج السيّارة الخلفي، الّذي فضّلت أن أجعله أسوداً (فيميه). كنت أشعرُ أنني أتجوّل بمدرّعةٍ حربيةٍ حين أقودها في شوارع «البلد».

شوارع البلد!

كان إحراقُ علم اسرائيل أحد أهم نشاطاتي وهواياتي في تلك المرحلة، الأمر الّذي كان يمدّني بنوعٍ غريبٍ من الشجاعة. إلى أن وقعتُ ذات يومٍ، تلا فضّ الاضراب أمام مقرّ الأمم المتحدة، على منشور كُتِبَ على شكل قصيدة، يسخر من هذه المسيرات والهتافات، ويحقّر جميع الحكومات العربية. كان عنوانه على ما أذكر شيء من هذا القبيل: «مضحكون أنتم.. مضحكة مسيراتكم.. مضحكة هتافاتكم»، كان هذا المنشور بمثابة أوّل خطوةٍ إلى عالم الواقع. أصابني إحباطٌ شديدٌ بعد فضّ الاعتصام، تعثّرت فرص حرق الأعلام في منتصف الشارع، كذلك إمكانية إيجاد نشاطات إضافية تحوي هذا الكم من الإثارة، كمّا أن حادثة 11 أيلول بدأت تثير كمّاً هائلاً من التساؤلات.

شعرتُ بنوعٍ من الضياع التّام، لم تمضِ ساعةٌ على تلك الصور التي بُثَّت وكأنها فيلم سينمائي، حتى فُضَّ الاعتصام وغادرَ المعتصمون، وعادت حركة الشارع في أبو رمانة إلى حالتها الطبيعية. اعتصام أبو رمانة لم يكن الأخير، لكنه كان في الفترة الّتي بدأتُ أشاهدُ فيها حراكاً ذا طابعٍ جديد في الشّارع. كان مغرياً، شهيّاً لا ينطلق من بوابات الدوائر الحكومية، ولا من المدراس، كذلك لا يوجد ورقة تفقّد بأسماء المشاركين.

الاعتصامُ فُضَّ بطريقةٍ عنيفة، حملتُ المنشور بعد أن تعهّدتُ لصديقي الشيوعي أنني سأتحمّل المسؤولية كاملةً في حال سَمَحَ لي بعمل نسخٍ من هذا المنشور وتوزيعها في الشوارع، والنتيجة كانت أنني كنت محظوظاً جدّاً، فلم أتلقَّ سوى بعض الصفعات والركلات، إذ إنّ معرفةً جمعت بين العميد وأحد أقاربي، ساهمت في إطلاق سراحي بعد ساعاتٍ قليلة.

لم يتواصل معي صديقي الشيوعي إلا بعد أن تأكّد أنني التزمتُ بوعدي، الأمر الّذي استغرق عدة أشهر، وهي المدة نفسها التي لزمته بعد سنواتٍ للتأكد من الصور والفيديوهات القادمة من درعا!

دمشق-جبلة

أنا و«رامي»، أوّل صديقٍ في جامعة تشرين، نقفُ على باب الجامعة بعد انتهاء يوم من المحاضرات، التي قررنا استبدال بعضها بفنجان قهوة في كافيتريا الجامعة. رامي يدعوني مع مجموعة من الأصدقاء إلى منزلهم في مدينة جبلة. رحّبنا جميعا بالدعوة اللطيفة، لكنّ رامي يمسكني من كفّي ويبتعدُ بي قليلاً ليهمس لي: «أحمد! هلق إنت بتعرف إنّي علوي مهيك؟»، أجيبه ضاحكاً: «بقدر اتوقّع».

يرتبك رامي قليلاً ثم يتابع بلهجةٍ ملطّفة: «يعني أفي عندك مشكلة تفوت بيتنا؟ ما عم أمزح معك! أنا ما بعرف شي عن الشوام ولا فحياتي رحت عالشّام، بس بصراحة بعرف إنّو ما شي طبيعي يفوت سنّي شامي ع بيت علوي!».

رامي لم يكن ساذجاً، لكنه ربّما كان فظّاً في توضيح رؤيته للواقع على هذا النحو لساذجٍ مثلي.
في معسكر التدريب الجامعي، كُشِفَ ملجؤنا خلف المهجع ساعة تفقّدٍ مفاجئة. السؤال الأول وجِّه لرامي: «من وين؟»، الثاني لرامي أيضاً، الذي لم ينتظر توضيحاً من الملازم ليجيبه: «خيّاطيين». لم أعلم قبلها أنّ إجابة رامي تعني انتماءه لإحدى أكبر العشائر العلوية في سوريا، لكنّ نبرة إجابته الواثقة وأثرها على وجه الملازم، جعلتها تبدو بالنسبة لي كما لو أنّها إبراز بطاقة أمنية تسمح لرامي بتحويل الملازم إلى لجنة تأديب، أو ربّما حرمانه من أي ترقية عسكرية في المستقبل. أصابتني حيرة شديدة ولم تسعفني سرعة بديهة كلٍّ من رامي والملازم في تحضير إجابتي، «أنا من سوريا!»، لم أتوقّع الإجابة اللازمة كما رامي، فتلكَ الإجابة استدعت أعنفَ وأعمقَ نوبات الغضب، وأدّت إلى هبوط صفعة عسكريّة على خدّي، أُلحِقَت بعقوبة عسكريّة تليق بنا جميعاً كما أخبرنا الملازم.

يعملُ رامي اليوم في دبي. لا أعلمُ ما إذا كان سيتصل بي في حال قرر زيارة باريس يوماً ما، كما كان يفعل دون تردد في كل مرة أرادَ أن يزورني في دمشق.

منفى

ربّما تكون أنتَ من متابعي هذا الموقع الالكتروني، سوريٌ تعيشُ في سوريا أو خارجها، ربّما يحالفني الحظ الآن في هذه المشاركة، وتكون أخبار اليوم الموافق لتاريخ نشر هذه المادة أخباراً جيدة، كأن تدخلَ مساعداتٌ انسانيةٌ حقيقيةٌ لداريّا المحاصرة منذ ثلاث سنوات، وربّما لا تُرتَكَبُ أي مجزرة.
لعلّي بدأتُ بالخروج عن الموضوع، وربّما أستلمُ ردّاً على بريدٍ الكترونيٍ كنت قد أرسلتُ فيه إحدى مسودات هذه المادة إلى صديقي عمر، يحتوي على ملفّ «وورد» مرفق، أفتحه فأجد خطوطاً حمراء وإشارات استفهام وملاحظات، فأضحك. أتخيّله جالساً خلف شاشته الصغيرة، ينفث دخّان سيجارته ويشدُّ على شعر رأسه قبل أن يبدأ بكتابة ملاحظاته. فهو يحب إتقان الأشياء، ولذلك أستشيره في كل صغيرة وكبيرة.

جمعتنا صداقةٌ منذ خمس سنوات بدأت في السجن، وها هي متألّقةٌ في المنفى، وهو يعملُ الآن أستاذاً للغة العربية في إحدى مدارس باريس الثانوية.
باريس... ربّما أنتَ في باريس الآن؟ سوريٌ أو فرنسي؟! الاحتمالات كثيرةٌ حول من تكون أنتَ الآن! لكن اسمح لي بافتراضكَ أحد أبطال الاحتمالات التالية:

قد تكون جالساً الآن في المترو أو الباص، أو تنتظر منذ ساعات أن يظهر رقمٌ ما أمام اسم مدينة ما، على شاشة تتوسط قاعة كبيرة في محطة قطارات كبيرة. ربما تجلسُ منتظراً منذ ساعات أيضاً، متربّعاً على فراشٍ صغير في غرفةٍ صغيرة في المنفى، أو في بلدك.

هناك مقهىً قديمٌ يقع على زاوية في أحد أحياء باريس، أو في تلك المحطة. ربّما أمرُّ من أمامه عابر سبيل، وأنت جالس في ذلك المقهى، أسألكَ عن عنوان ما، ربما تجيبني، وربّما تقاطعني بالاعتذار لأنني لم أستخدم أي كلمة فرنسية في سؤالي فلم تفهم شيئاً، أو لأنك اعتقدت سلفاً أنني أريد أن أطلب منك سيجارة أو ولّاعة أو بعض السنتيمات، أو لأنكَ اعتدت الاعتذار فور مشاهدتك شخصاً يقترب منك فجأة!

ربّما التقينا في شارعٍ من شوارع هذه المدينة، فكنتُ أنا واقفاُ أنتظرُ شخصاً ما، وأنت هناك لشراء قطعة صغيرة من الحشيشة، ولسببٍ ما اعتقدتَ أنني أبيعها، فسألتني. ربما اعتذرتُ منك، وربّما انصرفتُ عن موعدي وذهبتُ إلى مكانٍ ما لأفجّر ينبوعاً من مياه مالحة ملأت رأسي.

ربّما أظهرُ أمامكَ فجأةً، معرقلاً طريقك على المسار اليساري من سلّمٍ كهربائي في محطة ما، وقد أكون أنا من جلسَ قربكَ منذ قليل في أحد المقطورات، أتحدّثُ مع جارتي بلغة محلّية من مكانٍ ما جنوب القارة الافريقية. نملأ أنا وهي عربة المترو بقهقهتنا ونحن نثرثر بلغة غير مفهومة عن أزواجنا، ربّما تنظر إليَّ باستهجانٍ، وربّما تضحكُ وأضحك.

دعنا من الاحتمالات، المؤكّدُ أن ذبابة دخلت غرفتي الصغيرة. عادةً لا أترك النافذة مفتوحة قبل حلول حزيران، فباريس لا تعرف الفصول كما أخبرنا صديقنا بشير، الّذي أخبرنا أيضاً أنه كان يفكّر طوال أكثر من عشرين عاماً في العودة يوماً إلى بلاده قبل أن يرحل. رحلَ ثمّ عاد.

أنا أكره الذباب، كبيرةً كانت (فرساً كما يسمونها حيث أتيت) أم صغيرة، زرقاء أم سوداء، يرقة أم حشرة، بفوائدها وأضرارها، لا فرق عندي. تُصيبني بنوبة من القشعريرة كلّما اقتربَت بطنينها المتناوب. يتراءى لي فور سماع هذا الطنين قطعةٌ كبيرةٌ من الخراء، حملت هذه الذبابة بعضاً منه في جيوبها.

خراء!

في ساعات الغضب التي كانت تسيطر على مدرّس مادةٍ ما في المدرسة، أو بشكل عام في مراكز التجنيد العسكرية، وأحياناً في بعض دوائر الدولة الرسمية، كان «خرا» هو الاسم الحركي المشترك لدى فئة عامة من الشعب. طلّاب، عمّال، موظّفون، مراجعون في الدوائر الحكومية، وأولئك الذين ذهبوا أيضاً في مراجعةٍ دون أن يعودوا.

يوم العودة!

لم يكن يوم خميس، ما عرفته هو أننا سنذهب إلى منزل جدّي هذه المرّة دون أن ألعب مع أبناء عمومي وعمّاتي. لكن هناك شخص يحمل اسمي ذاته، وتصلنا به قرابة بعيدة. التعليماتُ كانت ألّا أطرح أي نوعٍ من الأسئلة، وأن أكتفي بالقول: «الحمد لله على السّلامة»، لماذا؟ الإجابة كانت مختصرة، هو مريضٌ وكان مسجونا ظلماً لأكثر من عشر سنوات، ولم تمضِ أيّامٌ معدودة منذ خروجه من سجن تدمر!

دخلنا إلى غرفة «الزلملك» حيث شاهدت جدّي لأوّل مرّة يبكي، كذلك الرجل المسنّ الذي يجلس إلى جانب الشبح حليق الرّأس وبعض الأقارب! الأخير كان ينظر إلى الأرض إلى أن صرنا على مقربة منه، ليرفع نظره مبتسماً وكأنّها الابتسامة الأخيرة، بادلنا السّلام بقوله: «الله يسلّمكن». لا أذكرُ شيئاً آخر عن ذلك اليوم، سوى أنني أطلتُ النظر إليه، وكنتُ مشغولاً في محاولة فهم ما يجري! كيف لإنسانٍ أن يقبع في السجن طوال ذلك الوقت؟ ماذا كان يفعل هناك؟ لماذا كلّ شيء متعلّقٌ بالإخوان المسلمين؟ ألسنا مسلمين؟ لماذا يتبرؤون جميعاً منهم؟ أراقبُ بكاء الرّجال المتماسك الصّامت؟! والّذي كان ينهار أحياناً لينطق أحدهم بكلمات مثل «يا لطيف!». كانت عندي أسئلةٌ كثيرةٌ أريد إطلاقها، لا تنتهي بما إذا كان قد نبت له شعرٌ قبل السجن أم لا؟ أو إذا كان يتابع برامج الأطفال لحظة اعتقاله؟!

مقوّي الإشارة

بعض الذكريات الّتي أستحضرها بين الحين والآخر، هو ذلك المقوّي الّذي كنّا نمضي ساعات على سطح البناء لنثبّته على الهوائي كلّ صيف. كان يحوّل شاشة التلفاز الكئيبة في منزلنا إلى نافذة تأخذنا حول العالم من خلال قناة المستقبل اللبنانية الّتي لا تغطّي زيارات القائد المفدّى ولا بروتوكولات دفنه ولا قبلها وداع ابنه، والأهمّ من كلّ ذلك أنّها كانت تحترم مواعيد برامج الأطفال. أحيانا كان المقوّي لا يعمل، فتتحوّل العطلة الصيفية إلى كابوس يحتاج فعل أيّ شيء يخفّف حرّ الصيف وذبابه المزعج.

كنتُ أرتكبُ مجازر جماعية بحق الذباب عندما كنت صغيراً، مستخدماً أسلحةً كيميائيةً غير صديقة للبيئة مثل البيف باف، وأحياناً صواعق كهربائية، لكنني كنت أشعر بالندم دائماً بعد كل جريمة، وإذا كانت مرميّة وفيها رمق من الحياة، كنت أساعدها بالخلاص فأهرسها باستخدام حذاء أو منديل أجعله سميكاً كي لا تتلوث يداي.

كل ذلك كان قبل أن أبدأ بلجم ردود أفعالي الفطرية، ولاحقاً، صرت أحاولُ عدم الاكتراث لأي ذبابة طالما لا يوجد طعامُ على الطّاولة.

المنفى من جديد

عاودتُ التفكير مجدّداً بموقفي من الذبابة، كنتُ جالساً في ذلك المقهى، أفكّرُ أنني فيما لو استطعت النشر في صحيفة فرنسية، فسأحرصُ على كتابة (Zobaba) هكذا.
وقع اسمها باللغة العربية له تأثيرٌ خاص عندي! حملني هذا التأثير للتفكير بالذّباب الّذي يحوم في ذات اللحظة فوق جثةٍ بقرة جنوب الهند. أو تلك التي تحوم الآن فوق جثّة ما لشخص ما في مكانٍ ما من سوريا، كان يكره الذباب هو أيضاً. لكنّ طائرةً تشبه الذبابة رمت فوق منزله برميلاً متفجّراً فمات، ونجت ذبابةٌ ما، كانت بعيدة عن الأهداف المدنية.
كان الذباب بدوره يهاجم بعض الأهداف الحيوية قبل 6 سنوات من الآن، حين كانت الدورة الغذائية لا تختلف كثيراً، ومركز البحوث العلمية هناك مشغول بمشاريع مختلفة لم تساعده على انتاج مبيدات حشرية وطنية تنافس الأجنبية.
يومها، قام عددٌ من الشباب بحملة تطوعية من أجل تنظيف مجرى نهرٍ قديمٍ تغنّى به الشعراء في تلك البلاد، وغنّت له فيروز وتأوّهت لعذوبة نسماته، قبل أن يحوّله أحدٌ ما إلى مستنقع تصبّ فيه مياه الصرف الصحي من كل صوب، ليكون بيئة خصبة للذباب. لكن هدير آهات فيروز استمر لسنوات يأتينا من مكبرات الصوت في الساحات، كان يصيبها عطل أحياناُ، فتحوّلُ تلك المكبّرات صوت الكمنجات وأصواتاً أخرى إلى صوتٍ يشبه طنين ذبابة، ربّما واحدة كبيرة. اعتُقِلَ شباب الحملة التطوعية من قبل جهةٍ أمنية. ربّما حاولوا، لكنهم لم يحصلوا على تصريح أمنيّ قبل القيام بفعلتهم هذه، فاقتادتهم تلك الجهة إلى مكان ما تحت الأرض، ربما حتى الذباب لم يستطع الوصول إليه.
ربّما ستسألني لماذا أطلتُ الحديث عن سوريا كما لم أفعل بخصوص جنوب الهند، وأسألك أنا لماذا لا تحدّثني أنت عن تجربتك مع الذباب؟ ربما، ستسألني في نهاية الأمر: «وماذا بعد ذلك؟»، وربّما أنكَ لن تسألني!