رسائل إلى سميرة (12)

الرسالة الثانية عشرة من سلسلة رسائل يكتبها ياسين الحاج صالح لزوجته سميرة الخليل، المخطوفة في دوما منذ مساء يوم 9/12/2013، يحاول فيها أن يشرح لها ما جرى في غيابها.

اليوم الوحيد الذي احتفي به منذ غيابك هو يوم ميلادك. أقضيه وحيداً، معك.

أسابيع قبل يوم ميلادك يا سمور وأنا أفكر بأنه لطالما جمع بيننا حبُّ التجربة، إرادة الوقوع في التجربة، أن نغامر ونمتلك بدايات جديدة. والبدايات صعبة دوماً، أما التجارب فيمكن أن تكون فاجعة. أنت وأنا نعرف ذلك.

في ثمانينات القرن الماضي صرتِ شيوعية، منتسبة إلى تنظيم معارض، مع علمك بأنك يمكن أن تُعتقلي وتُعذبي. وحين وقع ذلك فعلاً صرختِ في الشارع كي تنبهي الغافلين من الناس إلى ما يحدث حولهم، وقد يحدث لهم. أسكتوك، وزجروا الفضوليين الذين أطلو من شرفاتهم ليروا ما يجري. المنظمة السرية الخاصة المُحتكرة للسلاح التي اسمها «الدولة» كانت تريد أن يكون كل شيء مكشوفاً أمام عينيها، أن يكون المحكومون صفحات مقروءة، لا سر فيها ولا خصوصية لها. التجسس والتعذيب منهجاها في ذلك.

مثلك، ربما أبكر بسنوات قليلة، صرتُ شيوعياً، من تنظيم معارض آخر، ومثلك اعتقلتني المنظمة السرية، وعملت على أن أكون صفحة مقروءة، مع بقائها هي كتاباً مغلقاً لا نعلم محتواه. تتذكرين ما قاله رفعت الأسد عن ضرورة «سرية العقل الأمني» في مؤتمر حزب البعث عام 1979؟ واقتراحه بأن يعيش الأمنيون في مناطق خاصة كي لا يعرف العموم كيف يفكرون؟ بعد سنوات خسر رفعت صراعه على السلطة مع أخيه، لكن معالجة الصراع ذاك كانت «أهلية محلية»: لا اعتقال ولا تعذيب ولا قتل، والخاسر يعيش منعماً بأموال السوريين المنهوبة إلى اليوم في أوروبا... الديمقراطية. أما «سرية العقل الأمني» وعيشُ كبار أمنيي النظام في عوالم لا ينفذ إليها عموم السوريين ولا تُساءَل، فقد ظلت قاعدة مصانة إلى اليوم.

صرنا شيوعييْن وقت كانت الشيوعية تعني تغيير الواقع، وتغيير العالم، ومعهما وقبلهما تغيير النفس. لم نستطع تغيير واقع بلدنا، لكن تغيّرنا نحن وأردنا تغيُّرَنا. كأنما أردنا أن نكون التغيير الذي كنا نريد رؤيته في العالم، وفق نصيحة غاندي. لم نبق بعد خروجنا من السجن الشخصين ذاتيهما اللذين دخلا السجن. تقبلنا أن السجن جزء عضوي من حياتنا، مثلما كنا نريد أن تكون الحرية.

بعد السجن بسنوات بدأتِ بتجربة جديدة. انتقلت إلى دمشق وعشت مستقلة عن العائلة. هذا ما فعلتُهُ بدوري بعد سنوات من خروجي من السجن. كان قرار الانتقال إلى مدينة أخرى وتدشين بداية جديدة، ولا يزال، أصعب في بلدنا على امرأة منه على رجل. لكنكِ قررت ونفذت، وكان فعلاً شجاعاً. المعتقلة السياسية السابقة أرادت أن تكون حرة في النطاق الشخصي، إن تعذر التحرر العام. المعتقل السابق لا تلزمه شجاعة خاصة من أجل فعل الشيء نفسه في بلدنا.

في عام 2000 في دمشق تلاقى دربانا: معتقلان سابقان، مستقلان، يقيمان في العاصمة التي لم يكادا يعرفانها قبل السجن، ويعيشان من عملهما. أنت من نقل النصوص إلى الكمبيوتر الذي كان في أول انتشاره وقتها، وأنا من الكتابة والترجمة. 

زواجنا، مع اختلاف المنابت والبدايات الباكرة، كان كذلك فعل حرية. فعل شجاعة أيضاً، ومن طرفك أنت أكثر مني. هذه البداية الجديدة كانت استمراراً لما قبلها، من نضال وسجن وعيش مستقل. كانت لنا قصتان، ومنذ أيلول 2002 صارت لنا قصة واحدة. 

البداية الرابعة والتجربة الرابعة كانت في الثورة. تواريتُ أنا لأقول وأكتب ما أعتقد أنه صحيح، وأنت أردتِ أن يبقى بيتنا مفتوحاً ما أمكن ذلك. كنتِ أنتِ من جعل من مسكن مستأجر بيتاً، وأنت من كان لك الخروج من البيت بمثابة خروج من البلد. قلتِ ذلك في كتابك يوميات الحصار في دوما 2013. لم أكن أدرك ذلك في حينه يا سمور. اليوم فقط أفهم أن احتفاظك بالبيت كان تمسكاً بمساحتنا المشتركة، بمرسى آمن نعود إليه بعد ابتعاد قد يطول، لكنه يبقى مؤقتاً. عبارتك في الكتاب تذكر بتجارب الاقتلاع والتهجير الكبيرة يا سمور، لكن تجارب الاقتلاع والتهجير لن تلبث أن تسخر من عبارتك المريرة. كان ينتظرنا ما هو أقسى وأمرّ.

حين خرجتُ من دمشق إلى الغوطة الشرقية وطالت أيامي فيها أردتِ الدخول في التجربة والانضمام إليّ. كنتِ راغبة في التجريب إلى درجة أن تتوجهي إليّ بـ «الشكر» في كتابك على أني «قدتك إلى هذا المكان»، وهذا بعد أن كنتُ أنا صرتُ في مكان آخر. لمرة واحدة يا سمور ليتك لم تأتِ، ولم تشكريني. ولمرة واحدة ليتني أصررت على عدم قدومك، وإن جازفتُ بزعلك لبعض الوقت.

كان امتزج في تجارب حياتينا لأكثر من نصف قرن قبل غيابك الخطر والتغير، مواجهة الخطر دون ضمانة بالنجاة، والخروج من المواجهة متغيرين. أنت وأنا وليدا تجارب صنعتنا وشكلتنا، وما كان لي أن أقرر عنك في لحظة المصير تلك، أو اختار لك التجارب الآمنة. ليتني فعلت.

إقبالك أنت على التجارب سهَّلَ دوماً العيش مع صعوباتها. رغم قسوة ما تصفين في كتابك، يتغلب الإقبال على الألم، ألمُ ما عاينتِ حولك وما عانيتِ بنفسك. لم تنكري المعاناة، لكن كلماتك تكرست للمعاينة أكثر.

عملت أنا على تحويل التجارب إلى أفكار، وأنت حولتها إلى إحساس وحياة. تمثّلتِها أنت في ما تكونين، وأنا مثلتها في ما أفعل. ولقد تمرستِ يا سمور بالتمييز بين الأشخاص، وكان حكمك في هذا الشأن صائباً أكثر من زوجك المفتقر إلى الحذر. نعرف كلانا أكثر من مثال على ذلك. أما أنا فعملت على أن أتمرس بالتمييز بين الأفكار، بين الحقيقي منها والمزوّر، بين ما يفتح أبواباً على غيره وبين ما يلتف حول نفسه. يقرب بيننا أننا أردنا أن نُميّز وننحاز: نميز بين ما يحيا وما يموت، وأن نكون في جهة الحياة.  

سياستك أنت هي التعاطف والمشاركة، والتعبير عن آلام المتألمين. كلماتك المضمنة في «يوميات الحصار...» مشربة بسياسة المشاركة هذه. لم تضعي ألمك الخاص فوق آلام غيرك، وقررت ببساطة ووضوح أن الحصار الذي شاركتِ أهالي دوما عيشه أقسى بكثير من السجن الذي سبق أن خبرته كمعتقلة، وفي دوما نفسها. كانت سياستي أنا قول الحقيقة للناس عن السلطة. أُحرِّف عامداً تعبيراً متواتراً في الانكليزية عن قول الحقيقة للسلطة أو في وجه السلطة، تجدينه بالصيغة نفسها تقريباً عند كتاب كثيرين. لا أرى السلطة مخاطباً في أي حال، حتى لو كان الخطاب متحدياً، وحتى لو أخذتُ السلطة بمعنى واسع يشمل الأقوياء من أصحاب النفوذ الاقتصادي والاجتماعي والديني، وكذلك الرمزي من مفكرين وفنانين وأدباء. السلطة قد تكون موضوع الخطاب، لكن المخاطب هم أناس متنوعون، من يتأثرون بأفعال السلطة، ومن يمكن أن يكونوا شركاء في الكلام وفي العمل لتغييرها. 

في غيابك على يد سلطة دينية، تسرق كثيراً وتقتل كثيراً وتكذب كثيراً مثل نظيرتها الأسدية الأخرى، صارت لي سياسة أخرى، أنت اسمها ورمزها. ولي في هذا الشأن تذكّر غير مبهج كثيراً يا سمور. في نيسان 2016، وقبل أيام فقط من موعدها المفترض، وصلتني من عضو في «الائتلاف» دعوة إلى «ورشة تقويمية حول مسار الثورة في السنوات الخمس» المنقضية إلى ذلك الوقت، تعقد في اسطنبول. كنت في اسطنبول وقتها، ولكنها اسطنبول أخرى. أجبتُ الداعي إني لست معنياً بالائتلاف وأهله، وإن «سياستي اسمها سميرة الخليل». الرجل لم يرد، حتى أنه لم يُعبّر عن تضامن، ولم يخطر بباله أن يقول، مثلاً، إنه يمكن أن أتكلم على «سياستي» في ورشتهم التقويمية. 

أتجنب طوال الوقت أن أقول لك شيئاً عن مثل هذه السيرة الناقصة، لكن كم أتمنى اليوم لو تكوني جنبي لنحكي في «سير» كثيرة، كما كنا نفعل، ربما لدقائق فقط، بعد أن يكون واحدنا عاد من مشوار هنا أو هناك أو من سفرة. 

لديك اليوم سيرة رهيبة لتجربة رهيبة وطويلة، لا تسعف تجاربنا القديمة في تخفيف وطأتها. سيرتك أنت، تحكينها أنت ونحكيها معاً. 

تجاربنا كلها، النضال والسجن والاستقلال والحب، ثم هذا الغياب الأبكم الطويل، هي أوجه من تجارب البلد الأليم الذي إما أننا لم نرَ منابع الفاجع في تكوينه وتاريخه وبيئته، وعالمه، أو رأيناها ولم نصدق أعيننا. غيابك اقترن بغيبوبة البلد وبفواجع طالت ما لا يحصى من أهله.

اليوم، ما دمتِ بعيدة عني ولا أستطيع أن أعتني بك، وما دمتُ بعيداً عن البلد المحترق، الذي قيل لنا صراحة أنه يُحرق كي يبقى حارقه، أحاول أن أكون الراوي لقصة سميرة/ سورية التي لا تنتهي.

هذه سياستي.

وهذا قتالي.

رغم هشاشة الأدوات، لا يزال المقاتل القديم يقاتل، يبحث عن طرق جديدة للاستمرار في المعركة، في معارك كثيرة.

لقد عشنا حياة قتال يا سمور، وسنرحل في النهاية مقاتلين.

في يوم ميلادك، ضللي بخير!