رسائل رامي مخلوف إلى بشار الأسد

 

ليست جديدة مسحة الورع والتقوى التي ظهرت يوم أمس على رامي مخلوف، فهو كان قد اعتاد، في منشوراته على فيسبوك، على استدعاء اسم الله في كل وقت، مُفتتحاً بالبسملة أو بالسلام الإسلامي الفصيح، ثم مُحدِّثاً بنعمة الله عليه. لكنّ ما بدا واضحاً في الفيديو الذي نشره مساء أمس هو أن هذه المسحة الإيمانية لها غرضٌ آخر غير المداعبة المبتذلة لمشاعر المؤمنين من متابعيه؛ لقد أصرّ مراراً على أن يقول إن الله قد «سَخَّرَه» لفعل الخير عبر أمواله التي أنعم بها عليه، مؤكداً بنبرة تصبح أكثر حزماً وأقرب إلى الغضب عند قول هذه العبارات بالذات، أن «الفضل والعز والكرامة» لله وحده، وأن الله «هو العزيز... يعزّ من يشاء».

يقول رامي مخلوف إذن إن العزّ الذي يعيش فيه من فضل الله وحده، وليس من فضل آل الأسد أو غيرهم. يعرف مخلوف أن أحداً لن يصدقه طبعاً، بما في ذلك أعتى أنصاره وأنصار ابن عمته بشار الأسد، إذا ليس خافياً على أحد كيف صعد الشاب سريعاً في السنوات الأولى من مطلع القرن ليصير رجل أعمال النظام الأول في سوريا. ولا يبقى سوى احتمال واحدٌ لهذه المناكفة الغاضبة، وهو أن مخلوف يقول لعائلة الأسد إنه ليس من حقهم اقتطاع ما يريدونه من أمواله على هواهم، يقول لهم ذلك عبر فيديو على فيسبوك، ما يشير إلى احتمال انقطاع الاتصالات المباشرة بينهم، أو إلى حاجة رامي مخلوف إلى توجيه رسالة علنية تقيه من إجراءات أكثر قسوة قد يتعرض لها.

في الفيديو نفسه، ينفي رامي مخلوف أن تكون شركاته، ومن بينها سيريَتِل، قد قصّرت في سداد التزاماتها من ضرائب وحصص من الأرباح، مضيفاً أن سبعين بالمئة من أرباحها تذهب إلى الأعمال الخيرية والإنسانية. يتحدث رامي عن ضرائب على أرباح سيريَتِل بلغت ما يقارب عشرة مليارات ليرة سورية سنوياً خلال السنوات الأخيرة، ويذكر أن الرقم الذي تتم مطالبته به الآن يبلغ نحو مئة وخمسة وعشرين مليار ليرة، أي ما يقارب مئة مليون دولار بأسعار تصريف اليوم، مؤكداً أن مؤسسات الدولة ليست محقة في مطالبتها بدفع هذا المبلغ، وأنها بمطالباتها هذه تخالف العقود المبرمة بين الطرفين أصلاً.

يتوجه مخلوف بحديثه مباشرة إلى الأسد، شاكياً له أن «المعنيين» يظلمونه، وأنهم يقولون إن ما يقومون به جاء بتوجيهات من بشار نفسه. ولكن ما الذي يطلبه رامي؟ يطلب أن يشرف بشار الأسد بنفسه على صرف هذا المبلغ على «الفقرا» كي «يسدّ جوعهم» الناتج عن تقصير هؤلاء «المعنيين» أنفسهم، باعتبار أن المبلغ سيتم اقتطاعه بتوجيه من الأسد، وأن الأسد «مؤتمن» من الله على مصير هؤلاء «الفقرا».

لا يطلب رامي إعفاءه من دفع المبلغ إذن، وهو بعد إعلانه عن استعداده لمراجعة كل الحسابات والوثائق، وبعد احتجاجه الشديد، يقول إنه لا يريد «إحراج السيد الرئيس»، ولا يطلب منه شيئاً سوى أن يشرف بنفسه على صرف المبلغ إلى مستحقيه. تُفلت من بين شفتي رامي تعابير تنم عن عدم توقيره للأسد؛ يقول بنبرة ساخرة «حتى ما تحرج حالك وتقلهن… لااااء… معلش والله... دققولي واعملولي»؛ إذن حتى لا يُحرج الأسد نفسه بطلب التدقيق، ورغم أنه يتمنى أن يحصل هذا التدقيق، يعلن مخلوف استعداده لدفع المبلغ في حال الإصرار عليه، وذلك تنفيذاً لأوامر السيد الرئيس.

لكن مخلوف يعود ليقول إنه أصلاً، وحتى لا يُحرج بشار الأسد ولا يكون عبئاً عليه، كان قد أوقف كل أعماله الربحية في سوريا وتحول إلى العمل الخيري منذ العام 2011؛ يقول ذلك بمناسبة حديثه عن أنه لا يملك المبلغ المطلوب «تحت البلاطة»، وعن أنهم إذا كانوا يريدون اقتطاع المبلغ فليقتطعوه من شركة سيريتِل نفسها، مقترحاً أن تتم «جدولة المبلغ» على نحو لا يؤدي إلى انهيار شركة الاتصالات الكبرى، التي يستفيد من خدماتها ملايين المشتركين، وآلاف المساهمين والموظفين.

الخلاصة إذن أن مخلوف يقول للأسد إنه لن يدفع فلساً واحداً من أمواله الموجودة خارج حصته من الشركة، مؤكداً أنه «لا علاقة له نهائياً» بالمسألة كشخص، وإن الأمر برمته ينبغي أن يتم حله بين الشركة والجهات المعنية. يؤكد في نهاية الفيديو مجدداً أن «الله هو العاطي»، ويكرر مناشدته لبشار الأسد أن يشرف بنفسه على توزيع المبلغ على مستحقيه من الفقراء، لأنه لا يثق بـ«الطاقم الموجود» الذي يقوم على الأمر.

لا نعرف على وجه اليقين ما هي الظروف التي قادت مخلوف إلى هذا الفيديو الاستثنائي، الذي ينشر فيه بعضاً من «غسيل العائلة الوسخ» في ضوء النهار، لكن الأخبار المتواترة منذ خريف العام الماضي، عن حجز حكومة النظام السوري على أموال مخلوف لإلزامه بدفع مستحقات ضريبية ضخمة، ثم عن وضعه في الإقامة الجبرية، وعن تحقيقات مع مقربين منه، تقود إلى استنتاج أن بشار الأسد يريد من مخلوف أن يعيد قسماً كبيراً من الأموال التي جناها عبر النهب الاقتصادي الهائل طوال سنوات، وأن هناك مساعي للحد من نشاط مخلوف الاقتصادي في سوريا لصالح صعود شركاء أو وكلاء جدد للسلالة الأسدية، ربما يكون من بينهم مقربون من أسماء الأسد كما تقول بعض الأنباء.

ومثل جميع الأخبار المتعلقة بعوالم الأسدية الخلفية، لا نستطيع التثبت من أي شيء على نحو قاطع، حتى أنه ليس مقطوعاً فيما إذا كان مخلوف موجوداً اليوم في سوريا أم خارجها، لكن الفيديو بما يحتويه من تلميحات تشير إلى تمرد مخلوف على ابن خاله، وإلى رغبته بإقحام «الرأي العام» في المسألة، يقول إن المشكلة قد وصلت إلى ذروتها تقريباً. وليس هناك من تفسير لهذا الفيديو سوى أحد احتمالين؛ الأول أن بشار الأسد يُعدّ رامي مخلوف كي يكون كبش محرقة «مكافحة الفساد» الجديد في سوريا، من خلال تحميله وزر النهب المديد للاقتصاد السوري، واقتطاع أموال من ثروته تساعد النظام على الخروج من محنته الاقتصادية وتسديد بعض ديونه لروسيا أو غيرها، وهو الأمر الذي يحاول مخلوف النجاة منه عبر تصعيد علني يقيه احتمالات أكثر سوءاً، ربما يكون من بينها «الانتحار برصاصة في الرأس». أما الاحتمال الثاني، فهو أن يكون الأمر كلّه مسرحية روسية أسدية، تفضي إلى إخراج رامي مخلوف من الاقتصاد السوري كي يتفرّغ لإدارة امبراطوريته الاقتصادية العملاقة في بيلاروسيا. في هذا السيناريو، تستطيع روسيا أن تقول إنه تم تطهير الدولة السورية من الفساد، وإن البلد ونظامه باتا جاهزين لإعادة الإعمار والانخراط «في عملية سياسية جدية»، كما أن «خزينة الدولة السورية» ستحصل على أموال مهمة جداً في مرحلة كهذه.

قبل هذا الفيديو، تواترت أنباء عن كشف شحنات من المخدرات خرجت من سوريا إلى دول أخرى منها مصر والسعودية والإمارات، وتم اتهام مخلوف بالمسؤولية عن شحنة مصر تحديداً، التي ضبطتها السلطات المصرية في علب حليب من إنتاج شركة «ميلك مان» المملوكة لرامي مخلوف. كان مخلوف قبل أيام قد نشر على صفحته على فيسبوك قائلاً إن هذه القضية مؤامرة من «أشخاص لا يهمهم إلا أنفسهم وتضخيم ثرواتهم»، للنيل من مشروع «ميلك مان» الذي وصفه بأنه «تنموي إنساني» يهدف إلى مساعدة منتجي الألبان السوريين على تصريف إنتاجهم.

بعد الفيديو، بات يسعنا أن نستنتج أن الكشف عن تلك الشحنة كان جزءاً من محاولة تضييق الخناق على مخلوف، عبر إفهامه أنه لا يستطيع الحركة دون تسهيلات «الجهات المختصة» التي تمسك بكل شيء. ولعلّ هذا ما دفع مخلوف إلى الخروج في فيديو بعد أيام قليلة، ذلك أن ربط اسمه بالاتجار بالمخدرات مؤشرٌ يقود إلى ترجيح الاحتمال الأول؛ أن الأسد يريد الخلاص منه، حياً أو ميتاً.

ربما تكشف الأيام والأسابيع القادمة مزيداً عن خلفيات المسألة ومآلاتها، وربما يتم طيها بحيث لا نعرف عنها شيئاً إضافياً أبداً في أي وقت. لكن الفيديو يقول أشياء كثيرة على أي حال؛ رجل متواضع الذكاء ومعدوم الضمير تماماً، يحتقر السوريين عبر كلمات من قبيل «سد جوع الفقرا»، ويتحدث عن نفسه كما لو كان مديراً فخرياً لمؤسسة خيرية، مكرراً الأكاذيب التي يعرف حقيقتها حتى الأطفال في سوريا، وفي ثنايا حديثه يبوح بأرقام مذهلة عن حجم أرباحه من شركة واحدة من شركاته الكثيرة، التي تبدأ بقطاع الاتصالات وتمرّ بقطاع النفط ولا تنتهي عند منتجات الألبان؛ هذا الرجل كان الشخصية الاقتصادية الأبرز في سوريا طيلة عقدين من حكم بشار الأسد، وهو ومن يشبهونه يتحكمون برقاب السوريين وأرزاقهم، ويسوقون البلاد وأهلها في قلب محرقة لا تتوقف.

حتى حليب الأبقار لم تُكتب له النجاة من قبضة مخلوف الاقتصادية، وها هو بعد أن مكّنه الأسد من لقمة عيش السوريين لسنوات طويلة، يبدأ بـ«الترفيس» رافضاً أن يعترف لبشار الأسد بالفضل، وناسباً الفضل كلّه إلى الله وحده. قال رامي مخلوف أكثر من مرة في الفيديو إن الله «سخرّه» لخدمة السوريين، واستخدم التعبير نفسه عند حديثه عن بشار الأسد قائلاً إنه بدوره مسخرٌ من قبل الله لخدمة السوريين. إذن، ورغم تذلّل رامي مخلوف لبشار الأسد في بعض المقاطع، إلا أنه وضع نفسه على صعيد واحد معه في الوقت نفسه، وهذه فعلةٌ خرقاء لم يجرؤ عليها أحدٌ في تاريخ الأسدية كلّه، ربما باستثناء رفعت الأسد، الذي يتنعم حتى اليوم بالأموال التي «أعطاه» الله إياها دوناً عن الناس جميعاً.