رسائل للعراق عبر الشرق السوري

 

بعد أن تم تأجيل افتتاح معبر البوكمال-القائم الحدودي بين سوريا والعراق مرتين خلال الأسبوع الأول من شهر أيلول (سبتمبر) الجاري، تعرضت مواقع تابعة للميليشيات العراقية والحرس الثوري الإيراني في مدينة البوكمال السورية لضربات جوية ليل الأحد الثامن من أيلول، وذلك قبل يوم واحد فقط من الموعد الذي كان قد تم تحديده مجدداً للافتتاح، وهو ما أدى إلى تأجيل افتتاح المعبر حتى إشعار آخر حسب تصريحات مسؤول عراقي.

وقبيل هذه الضربة التي قامت بها طائرات مجهولة الهوية، كانت تسريبات إعلامية قد تحدثت عن ضغوط أميركية على الحكومة العراقية لتأجيل افتتاح المعبر، إلا أن الضربة التي استهدفت ما يعرف بـ«مجمع الإمام علي» والمنطقة الصناعية في البوكمال قامت بالمهمة، وقالت مصادر تابعة لنظام الأسد إنّ طائرات إسرائيلية هي التي نفذت العملية، وإن هذه الطائرات استخدمت المجال الجوي الأردني للقيام بغاراتها.

لم تكن تلك الغارات هي الأولى التي طالت ميليشيات عراقية، إذ شهد الشهر الماضي عدة غارات نفذتها طائرات من دون طيار، استهدفت معسكرات في الأراضي العراقية تتبع لميليشيات منضوية ضمن «الحشد الشعبي العراقي». وفي حين لم توجه الميليشيات أو الحكومة العراقية أي اتهامات رسمية، فإن مصادر مطلعة قالت لموقع «ميدل إيست آي» إن المخابرات العراقية لديها معلومات تقول إن هذه الضربات كانت من تنفيذ طائرات إسرائيلية من دون طيار، انطلقت من مواقع في شرق سوريا تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وذلك بتمويل وطلب سعوديين انتقاماً من توجيه ميليشيات عراقية ضربات صاروخية على محطات نفط سعودية انطلاقاً من معسكرات تابعة للحشد الشعبي في العراق.

وبصرف النظر عن التفاصيل التي يصعب التثبت منها بشكل قاطع، فإن هذه الغارات قد تكون بداية لتحول في موقع الميليشيات العراقية على خريطة العلاقات مع الولايات المتحدة، ذلك أن التصعيد في منطقة الخليج مع إيران يفرض ترتيباً جديداً للتحالفات المعلنة أو الضمنية، وبعد أن كانت ميليشيات الحشد الشعبي تحصل على دعم غير مباشر من الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم داعش، وهو ما أعطاها هامشاً واسعاً من حرية الحركة وساعدها في تمرير الدعم العسكري واللوجستي الإيراني إلى نظام الأسد في سوريا، فإن موقعها كأذرع طويلة لطهران في العراق وسوريا يضعها في خط المواجهة الأول مع تل أبيب وواشنطن، التي يبدو أنها تعيد حساباتها بخصوص العراق في ظل التصعيد المستمر مع إيران، وتطبيق موجات متتابعة من العقوبات ضمن خطة «الضغوط القصوى».

ولم يخفف الحديث عن فرصة لعقد لقاء قريب بين ترامب وروحاني من التوتر في المنطقة حتى اللحظة، إذ أن استجابة العسكريين لمثل تلك الاحتمالات تكون أبطأ عادةً، وهو ما سيترك مساحات التوتر على الحدود العراقية السورية مفتوحاً أمام تطورات جديدة. وضمن هذه المعطيات الجديدة التي تفرض نفسها على العلاقة الملتبسة أصلاً بين الولايات المتحدة والميليشيات العراقية، فإن تنفيذ الضربات بشكل غير مباشر عبر إسرائيل، أو السماح لها بتنفيذ ضربات ضد الميليشيات العراقية في سوريا والعراق بتلك الطريقة، يعني أن البنتاغون الذي يمسك بملف سوريا اليوم، يوجه رسائل لتلك الميليشيات بأنها تحت الرادار، وأن أي تحرك معادٍ للولايات المتحدة من قبلها ستكون عاقبته ضربات واسعة. أما إذا صحت الأنباء التي تحدثت عن تعاون سعودي إسرائيلي مرَّ عملياً عبر مناطق سيطرة قسد، فإن هذا يعطي مؤشراً أكثر وضوحاً حول موقف الأميركي الذي يزداد تصلباً بخصوص هذه الميليشيات، التي تتهمها تقارير استخباراتية وصحفية بالمسؤولية عن الضربات التي استهدفت محطات النفط السعودية.

على الرغم من الرسائل شديدة اللهجة التي نقلتها صواريخ إسرائيلية إلى الميليشيات العراقية، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء العلاقة الفصامية بين واشنطن وتلك المليشيات بشكل نهائي، بل تبدو هذه الرسائل أقرب إلى تحذيرات تستبق إدراجها ضمن تصنيف القوات المعادية للولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما سيغير كثيراً في العلاقة بين واشنطن وبغداد، التي تشبه الآن إلى حد بعيد المشي على الحبل، بحيث أن أي خلل في التوازن قد يقضي عليها نهائياً.

إسرائيل بدورها بدأت ترى في دور تلك الميلشيات خطراً عليها، خاصةً وأنها تنتشر في مناطق قريبة من الحدود الجنوبية لسوريا، وفي مساحات البادية السورية التي تسمح بحرية كبيرة في الحركة. وإذا كان هامش التحرك الإسرائيلي ضد هذه الميليشيات قد اتسع نتيجة اتساع الفجوة بين واشنطن وطهران، فإنه سيعود ليضيق إذا ما دخل ترامب مجدداً في مفاوضات مع الإيرانيين، وهو ما سيقلل من حجم وتأثير الضربات الإسرائيلية مستقبلاً.