رواية «جي» لجون برجر: الجنس كمرآة للتاريخ

 

يشعر المرء عند قراءة رواية جي أن كاتبها جون برجر1 لم يتخلَّ بشكل مطلق عن حسّ الناقد الفني خلال قيامه بالسرد الروائي، أو أن الكتابة بالنسبة له بشكل عام لا تتجزأ، بل هي عابرة للتصنيفات. ويبدو أنه أثناء تحضيره لكتابة هذا العمل الروائي، لم يبتعد كثيراً عن تأمل العالم باعتباره مجموعة لوحات فنية وجدَ فيها قابليةً لأن تكون مرآةً لهامشٍ ما، لم تعكسه مرآة التاريخ، فآثر أن يُكمل كتابة طُرُق الرؤية روائياً2، لكن العين هي ذاتها، عين الناقد.

تجري أحداث الرواية ما بين نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين. يروي الكاتب من خلالها مسار حياة بطلها جي أو جيوفاني، الذي يولد من علاقة غير شرعية بين أب إيطالي (أمبيرتو) الذي يعمل تاجر فاكهة في مدينة ليفورنو الإيطالية، وفتاة أمريكية اسمُها (لورا).

بعد أن قررت (لورا) أنها لن تعيش مع (أمبيرتو)، وضعت طفلها عند ابن وابنة عمّها (بياتريس وشقيقها جوسيلين) اللذين يعيشان في مزرعة في لندن، ليقضي جي فترة طفولته هناك.

لا تربط بياتريس وجوسيلين علاقة أخوّة فقط، بل أيضاً تربطهما علاقة سفاح، وستكون لهذه العلاقة الجنسية آثارها على الطفل جي، الذي يتحوّل منذ سنواته العشرة الأولى إلى طفل شَبِق وشهواني. نرى ذلك في أولى حالات الانجذاب العاطفي لدى جي وهو في عمر الخامسة تجاه مربيته «الآنسة هيلين»، ويفسّرُ الراوي هذه الحالة الغريبة بالتعليق التالي: «لكي يُتاح لطفل في الخامسة من عمره أن يقع في الحب، لا بدّ أن تتوفر شروط مسبقة. يجب أن يكون قد فقد والديه، أو، على الأقل، فقد أيّ اتصال مباشر بهما، وألّا يتكفل أحدٌ بتربيته أو تبنيه فيأخذَ مكان والديه. وفي الوقت نفسه يجب ألّا يكون لديه أصدقاء مقربون أو إخوة وأخوات. عندها فقط يكون الطفل مستوفياً الشروط». بعدها سيتوِّجُ الصبيُّ جي مرحلة مراهقته، وهو في عمر الخامسة عشرة، بأول علاقة جنسية مع خالته بياتريس.

*****

يربط جون برجر حياةَ جي، وتحديداً مغامراته الجنسية، بأحداث تاريخية؛ بدءاً من أحداث أيار 1898 في ميلانو، ثم حرب البوير الثانية ما بين عامي 1899 و1902، وأول رحلة بالطائرة الشراعية فوق جبال الألب في أيلول 1910، انتهاءً بتداعيات قيام الحرب العالمية الأولى.

كل هذه الأحداث تجري على مقربة شديدة من جي، لكن من دون أن تترك أي أثر عليه، فهو غير معني بالسياسة: «أنا لا أؤمن بالقضايا الكبرى»، هكذا يقول لأحد أصدقائه في لندن.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أثناء قراءته للنصف الأول من الرواية، أن جي وشخصيته «الدون جوانية» هي ما تعبّر عنه الرواية، في تصويره كإنسان لا مُنتمٍ حسب توصيف المترجم شادي خرماشو له في المقدمة: «لا يعلم لماذا ولد وفي سبيل ماذا يموت… مخلوق لا يؤمن بأي قضية أو عقيدة أو منظومة أخلاقية، بل ينتمي إلى فكرة واحدة، وهي تحرير النساء عبر بوابة الجنس». الجزء الذي قد نختلف معه من كلام المترجم، هو قوله إن لدى جي رغبةً بتحرير النساء من خلال الجنس، لكنه فعلاً لا ينتمي لأي منظومة أخلاقية، وعدم انتمائه هذا وشبقه الجنسي، يخلقان صراعاً داخلياً عند كل امرأة لتعيد التفكير في وجودها وحضورها بالمجتمع.

نادراً ما نسمع صوت البطل/الشخصية الرئيسية في الرواية، وأيضاً باقي أصوات الشخصيات بنسب متفاوتة. يحاول برجر تقديم شخصياته من خلال أفعالهم، فمثلاً ليس هناك سرد وشرح مفصل لمشهد لممارسة الجنس، ولا إسهاب بالوصف، بل هو مشغول بتأمل الصراع الداخلي للشخصيات، ويعمل في الوقت نفسه على ربط الأحداث «التاريخية»، أي بوصفها أحداثاً هيمنت على أحداث أخرى، أو همّشت تفاصيل كانت تحدث في الزمان والمكان نفسهما، وذلك بإقحام صوته كراوٍ عليم، أو بوصف أدق، كمؤرخ. فمثلاً بعد حدث طيران الطائرة الشراعية فوق جبال الألب، وانشغال الصحافة والإعلام به في عام 1910، كان أبناء الطبقة البرجوازية في إيطاليا، من رجال أعمال، وسياسيين، قد سمعوا من خلال الأخبار القادمة من ألمانيا أن هناك اضطرابات في مدينة برلين. يسرد برجر نقاشات تلك الطبقة وتصوراتها عن الوضع في إيطاليا، والتي ترى بأنه «في حال تمّ تثقيف الناس بصورة ملائمة، وأحسنّا استخدام العلم الحديث، وكبحنا سلطة النظام الملكي، واعتمدنا على الحكومة البرلمانية، فلن نترك لهم حينها أيّ سبب لمحاولة تغيير النظام الاجتماعي القائم بالقوة». بعدها ينوّه برجر بفقرة من سطرين، أن هذا العام لم يكن استثنائياً أبداً في هذا السياق، فقد هاجر أكثر من نصف مليون إيطالي إلى الخارج بحثاً عن عمل وهرباً من الموت جوعاً.

*****

النساء في الرواية هُنَّ اللوحات الفنية التي تُشكّلُ مرآة لهامشٍ ما، لم تعكسه مرآة التاريخ، ففي كل امرأة هناك صراع داخلي سببه هيمنة الذكر في المجتمع، أياً كانت الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها. نظرة جي للنساء اللاتي أُعجب بهم مجردة من الأحكام المسبقة، نظرة تخترق كل الحواجز والأقنعة التي تقف خلفها المرأة في المجتمع، فـ «ليوني» الخادمة السويسرية في فندق فيكتوريا في مدينة بريغ، لم تتوقع أن يأتي رجلٌ من طبقة أعلى من طبقتها، وبصحبة مجموعة طيّارين ليشهدوا حدث طيران جيو تشافيز الشاب البيروفي فوق جبال الألب، وأن يترك كل هذا الحدث على أهميته، ويهتم بمغازلتها والتقرّب منها، انتهاءً بإقامة علاقة معها في توقيت إقلاع طائرة تشافيز نفسه. يصفُ الراوي الصراع الذي تدخل فيه ليوني مع نفسها وهي في غرفة جي بالفندق: «يجب عليها أن تقاوم هذا الإغواء، هذه الخطيئة. هكذا تمَّ إعداد ليوني للتعامل مع ما تعيشه الآن. يجب عليها أن تفكر في أمها الآن وبما تتمناه لابنتها. (…) عليها «هي» أن تحافظ على شرفها كابنة ومسيحية ووعد وعروس وأم وشقيقة. لكن ماذا عنها كـ «أنا»؟ تسأل ليوني أناها: ما الذي عليَّ أن أفعله «أنا» لأحافظ على شرفي؟ لم أعرف ما الذي عليَّ فعله. هذا ما لم تكن قد أُعدّت له».

إدراكُ أن هذه الرواية كُتِبَت لتكشف عن جوانب مهمة في حياة النساء، والصراعات التي يخضنها للتعبير عن رغباتهنَّ في تلك فترة، وأن الراوية لا تحكي فقط عن مغامرات جنسية لرجل شَبِق، يتيح لنا أن نقرأ الرواية من زاوية أخرى، فبدل أن يكون التساؤل عن مصير جي، ينتابنا الفضول بأن نعرف مصير النساء اللواتي أقمنَ علاقة مع جي.

كتبَ جون برجر في إحدى الصفحات الأولى من الكتاب إهداءً للرائدة النسوية الهولندية أنيا مولينبيلت: «إلى آنيا وشقيقاتها في حركة تحرير المرأة»، وهذا الإهداء ليس مرتبطاً بالشخصيات النسائية في الرواية فقط، بل بتنظيرات جون برجر داخل الرواية؛ إذ خصص مقطعاً طويلاً تحت عنوان «وضع المرأة»، يحاول فيها تحليل حضور المرأة في المجتمع الأوروبي في تلك الفترة، فيقول «أن يولد الإنسان في جنس امرأة يعني أن يوضع ضمن فراغ محصور مخصص له، وتحت وصاية وسلطة الرجل. كان حضور المرأة يتطور حسب السرعة التي تكتسب فيها براعة العيش والتأقلم تحت وصاية كهذه ضمن الزنزانة المخصصة لها. كانت تؤثِّثُ زنزانتها، إن صحَّ التعبير، بحضورها، لا لتجعلها مناسبة لها في المقام الأول، بل أملاً في إقناع الآخرين بدخولها».

  • 1. جون برجر من مواليد لندن 1926. ماركسيّ، وناقد وكاتب ورسّام ومسرحي و«حكواتي» كما كان يحب وصف نفسه. توفي بتاريخ 2 يناير/كانون الثاني 2017. كانت روايته «جي» قد صدرت باللغة الإنكليزية عام 1972، وحازت على جائزة البوكر في العام نفسه، وقد قام جون برجر بالتبرع بنصف قيمة الجائزة المادية لصالح جماعة «الفهود السود» في الولايات المتحدة الأمريكية، ما أثار ضجة كبيرة حينها. صدرت الرواية باللغة العربية هذا العام 2018 عن دار المدى للإعلام والثقافة الفنون، ترجمة: شادي خرماشو.
  • 2. يُعدّ كتاب «طرق الرؤية»، الذي نُشر أيضاً عام 1972، أشهر كُتب جون برجر، وهو مأخوذ عن برنامج تلفزيوني من إنتاج بي بي سي وإخراج مايكل ديب. صدر الكتاب بطبعة جديدة باللغة العربية هذا العام 2018 عن دار مدى للإعلام والثقافة والفنون، ترجمة: زياد عبد الله.