ريف حمص الشمالي: اشتباكات مستمرة ومفاوضات مرتبكة

 

تعيشُ المنطقة الخارجة عن سيطرة النظام في ريف حمص الشمالي وريف حماة الجنوبي الملاصق له توتراً كبيراً منذ السادس عشر من شهر نيسان الجاري، نتيجة الاشتباكات التي بدأتها قوات النظام والميلشيات المساندة لها بهدف الضغط على المنطقة المحاصرة، من خلال محاولة التقدم والسيطرة على عدّة قرى فيها. وقد تصاعدَ هذا التوتر بعد عقد أولى جلسات التفاوض مع النظام في 18 نيسان الحالي، وإلغاء الجلسة الثانية التي كان يفترض أن يتمّ عقدها لاحقاً.
وكان النظام قد مهَّدَ لهذا التصعيد منذ بداية الشهر الجاري بسيطرته على قرية تقسيس، المطلة على جبل تقسيس أو ما يعرف بجبل 47، وهي قرية واقعة خارج نطاق المنطقة المحاصرة في أقصى شمالها الشرقي، كانت قوات النظام تدخل إليها وتخرج منها دون أن تتمركز فيها، لأنها بحكم الساقطة عسكرياً ونارياً. وجاءَ تمركز قوات النظام فيها قبل يوم واحد من تشكيل القيادة الموحدة في المنطقة الوسطى، التي ضمّت معظم كتائب ريفي حمص وحماة.
الإعلامي المقيم في ريف حمص الشمالي، سليمان أبو ياسين، قال للجمهورية إن القيادة الموحدة في المنطقة الوسطى قامت فوراً بإرسال تعزيزات إلى المناطق التي حاول النظام التوغل فيها، وتمكّنت مقاتلوها من تدمير ثمانية دبابات للنظام وعدد من الآليات الأخرى على مدار الأسبوع الماضي، كما أنهم تمكّنوا من صد الاقتحامات على محاور قرى بريغيث وسليم والحمرات والجومقلية، ومن قطع طريق سلمية حمص الذي يعتبر طريق إمداد هام للنظام، إضافة إلى السيطرة على حواجز النظام في قرية قبة الكردي، وقد دارت هذه المعارك كلّها على الجبهات الشمالية والشرقية والجنوبية للقطاع الشرقي من المنطقة المحاصرة.

على صعيد المفاوضات، اجتمعت هيئة تفاوض ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي مع الوفد الروسي المفاوض بالقرب من معبر الدار الكبيرة الفاصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل المعارضة ومناطق سيطرة النظام، في 18 نيسان الحالي. وشهدت هذه الجولة اتفاقاً بين الطرفين يقضي بطرح رؤية كلٍّ منهما للحل في المنطقة خلال جلسة تفاوض ثانية كان من المُفترض أنها ستُقعد يوم الأحد 22 نيسان، إلا أن انسحاب ممثل مدينة الرستن الرائد محمد الأحمد من الاجتماع احتجاجاً على قصف مدينته بالطائرات خلال عقد الاجتماع، وإصرار الجانب الروسي على أن تعقد الجولة القادمة في فندق سفير حمص أو على حاجز الدار الكبيرة من جهة النظام، أدى إلى تأجيل جلسة التفاوض إلى وقت لم يُحدَّد.

وقد أكَّد قائد المنطقة الوسطى العقيد الركن إبراهيم بكار في تسجيل مصور بثّه ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الجانب الروسي ألغى الاجتماع المقرر يوم الأحد الماضي لإصراره على أن يكون في المناطق التي يسيطر عليها النظام. ويأتي رفض لجنة التفاوض لعقد الاجتماعات مع الوفد الروسي في مناطق سيطرة النظام تخوفاً من غدر الأخير، مذكرين بما حدث مع لجنة تفاوض حي الوعر الحمصي، التي تمّ اعتقال أعضائها في الشهر الخامس من عام 2016، بعد استدعائهم من قبل رئيس فرع أمن الدولة في حمص لمناقشة بنود الهدنة آن ذاك.

تمّ تشكّيل هيئة التفاوض عن ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي بإجماع الفصائل العسكرية المنضوية تحت القيادة الموحدة في المنطقة الوسطى، والفعاليات المدنية المتمثلة بالمجالس المحلية للقرى والبلدات، إضافة إلى مجلس شورى حمص، ومجلس محافظة حمص المعارض. وكان الإعلان عن تشكيل القيادة الموحدة في المنطقة الوسطى قد جاء في الثالث من نيسان الجاري، وهي تضمّ معظم فصائل ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي: الفيلق الرابع وفيلق الشام وجيش التوحيد وجيش حمص وحركة تحرير الوطن وغرفة عمليات الرستن وغرفة عمليات الحولة وغرفة عمليات ريف حماة الجنوبي وغرفة عمليات المنطقة الجنوبية الغربية وغرفة عمليات المنطقة الشرقية. وكان من الملفت غياب هيئة تحرير الشام من هذا التشكيل الجديد، بالإضافة إلى غياب تمثيلها في هيئة التفاوض، وذلك «لارتباطها بأجندات لا تخدم الثورة» حسب ما قاله ناشطون للجمهورية.

كان الهدف من التشكيل الجديد كما تُلي في بيان مصوّر تم بثّه على يوتيوب، هو جمع الكلمة وتوحيد القرار السياسي والعسكري في ريفي حماة وحمص، وتغيير الأسلوب في العمل، على أن تكون القيادة المُعلن عنها الممثل العسكري الوحيد للريفين المحررين. ومن الجدير بالذكر أن العقيد إبراهيم بكار، القائد العسكري للقيادة الموحدة في المنطقة الوسطى، قد تعرض يوم العشرين من نيسان الجاري لمحاولة اغتيال، من خلال عبوة ناسفة زُرعت أمام منزله في منطقة الحولة.

تضمُّ المنطقة نحو خمسين مدينة وبلدة وقرية، أكبرها الرستن وتلبيسة والحولة (تلّدَوّ) والدار الكبيرة، ويقطنها نحو ثلاثمائة ألف نسمة، بينهم نحو خمسة وثلاثين ألف نازحٍ إليها من خارج الريف، معظمهم من أحياء مدينة حمص، وما يقارب أربعين ألف نازحٍ داخليٍ ضمن المنطقة نفسها، معظمهم من مناطقها الشرقية: عز الدين وقراها وقرى ريف حماة الجنوبي ودير فول وعسيلة وأبو همامة، وذلك نتيجة الحملات العسكرية من جيش النظام عليها، أو قربها من خطوط التماس وتعرضها للقصف المتكرر.

ryf-hms-.jpg

خريطة من موقع وكالة خطوة الإخبارية، تظهر توزع السيطرة في ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي بتاريخ 16 نيسان 2018
خريطة من موقع وكالة خطوة الإخبارية، تظهر توزع السيطرة في ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي بتاريخ 16 نيسان 2018

يأتي هذا التصعيد من قبل النظام وحلفائه على الرغم من توقيع اتفاقية خفض التصعيد في آب الماضي، وهي الاتفاقية التي شهدت خروقات كثيرة تمثّلت في قصف النظام لبعض القرى بالصواريخ والمدفعية، ما أدى إلى استشهاد عدد من الأشخاص، إضافة إلى مماطلة الجانب الروسي في تنفيذ بنود الاتفاقية، ومنها فتح المعابر المتفق عليها والإفراج عن المعتقلين. ويبدو أن هذه الاتفاقية انتهت إلى غير رجعة، إذ تشير مجريات الأمور إلى أن الجانب الروسيّ يسعى لإنهاء قريب لملف المنطقة على الطريقة الروسية المعتادة، لكن الفصائل الثورية، وحسب ما أفاد به عسكريون في ريف حمص الشمالي للجمهورية، قد «اتخذت خيار الصمود والتفاوض على البقاء في المنطقة مع بقاء الوضع على ما هو عليه، ضمن الشروط التي تحددها هي وليس الجانب الروسيّ».

تتجلى مقاومة النموذج الروسي للحلّ في ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي في المعارك الجارية على المحاور الشرقية من المنطقة، والتي تكبَّدَ النظام فيها خسائر جسيمة على مستوى الأفراد والآليات والمعدات، وأيضاً في محاولة رفض الشروط الروسية حول مكان التفاوض. في حين يبدو أن النظام وحلفاءه مصرّون على مواصلة جرائم الإبادة والتهجير المتنقلة، سعياً منهم لفرض وقائع يصعب تغييرها على الأرض. وتشير مجمل التصريحات والتطورات إلى أن هذه المنطقة قد تكون المحطة التالية لقوات النظام، بعد الانتهاء من معارك أحياء دمشق الجنوبية.