ريف دير الزور الشرقي: تنظيم الدولة يحاول التأقلم مع الهزيمة

 

بدأت معرّفات داعش على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً بتغيير المسميات التي كان يطلقها التنظيم على مناطق سيطرته عند نقله لأخبار عملياته، وذلك عبر استخدام عبارة ولاية الشام عند نقل الأخبار من المدن والمناطق السورية، وعبارة ولاية العراق عند نقل الأخبار من المدن والمناطق العراقية، وذلك بدلاً من التسميات السابقة التي كان تقسم مناطق سيطرته في سوريا والعراق إلى ولايات متعددة.

هكذا يبدو أن داعش يعمل على إعادة هيكلة نفسه تنظيمياً بما يتوافق مع واقع تراجع مناطق نفوذه، وهو ما يمكن اعتباره اعترافاً داخلياً في التنظيم باضمحلال مشروعه وفشل محاولاته في استعادة السيطرة على مواقع استراتيجية تؤمن له مساحات سيطرة واسعة متصلة، وكان آخرها فشله في استعادة السيطرة على البوكمال وتراجعه عن النقاط التي سيطر عليها في محيطها في هجماته الأخيرة حزيران الماضي، وفشله في الربط بين مناطق سيطرته على جانبي نهر الفرات في شرق محافظة دير الزور، وهو ما كان قد حاول القيام به مراراً عن طريق فتح معبر بين ضفتي النهر يسهّل التنقل والتواصل بين مقاتليه على الجانبين.

ويرجع فشل مقاتلي التنظيم في تثبيت نقاط الوصل بين ضفتي الفرات إلى تقلص أعدادهم بسبب الاستهداف المتكرر لهم من قبل طائرات التحالف، وإلى شلل حركتهم بسبب الرصد المتواصل والدقيق لهم من السماء، بالإضافة إلى كثرة الجبهات التي يقاتلون عليها في ظل غياب الدعم اللوجستي المنظّم.

على جبهة جنوب نهر الفرات (الشامية)، يخوض التنظيم حرب عصابات متواصلة مع قوات نظام الأسد والمليشيات الإيرانية الداعمة لها، تتمثل في حرب الكر والفر في البادية السورية وعلى أطراف مدن البوكمال والميادين. وفي شمال نهر الفرات (الجزيرة)، تنحسر سيطرة التنظيم يوماً بعد يوم أمام تقدّم عناصر قوات سوريا الديموقراطية (قسد) المدعومين من طيران التحالف، حيث تدور معارك على أطراف هجين والسوسة قرب نهر الفرات، وعلى أطراف البادية الممتدة على الحدود العراقية السورية شمال مدن الشعفة وهجين وصولاً إلى أقصى جنوب محافظة الحسكة، حيث تتقدم قسد على جميع هذه الجبهات ببطء، فتسيطر على مناطق نهاراً ليستعيد التنظيم بعضها ليلاً، من خلال عمليات انغماسية وتفجير عربات وأفراد لأنفسهم.

وفيما تتقلص المساحة الجغرافية لسيطرة التنظيم في منطقة الجزيرة رويداً رويداً، بدأت تنشط مؤخراً خلايا نائمة أو مؤيدة له في المناطق التي سيطرت عليها قسد، فتقوم باستهداف حواجز ومقرات وعناصر قسد بتفجيرات أو هجمات بأسلحة خفيفة، ما تسبب بمقتل العديد من عناصر قسد وقيام الأخيرة بإعلان عدد من المناطق مناطقَ عمليات عسكرية مغلقة وتنفيذ حملات دهم واعتقالات. ومن هذه الهجمات، كان الهجوم الذي استهدف يوم 18 تموز الجاري مقراً لقسد في محطة مياه قرية الزر بالقرب من مدينة البصيرة شرق دير الزور، وأدى إلى مقتل عنصرين وجرح آخرين، بالإضافة إلى هجمات أخرى في الشحيل وأبو حردوب وغيرها.

تتحدث الأنباء الشحيحة التي تتوارد من مناطق سيطرة داعش على الضفة الشمالية للفرات شرق دير الزور، عن هروب بعض عائلات مقاتلي التنظيم باتجاه الأراضي العراقية مع كل تقدم لقسد في المنطقة، وعلى وجه الخصوص عائلات القادة والمقاتلين العراقيين، الذين لا يزالون يمسكون بمفاصل قيادة التنظيم الأساسية في المنطقة.

ويعيش من تبقى من مدنيين هناك، وتُقدّر أعدادهم ببضعة آلاف، أوضاعاً إنسانية قاسية جرّاء قصف طيران التحالف وحصار قسد للمنطقة، إذ لا تتوفر أدنى مقومات الحياة من ماء وغذاء وكهرباء، مع ارتفاع حاد في الأسعار وغياب شبه تام للخدمات الطبية، بالإضافة إلى الارتفاع الشديد لدرجات الحرارة، ما يدفع المدنيين إلى التجمع بكثافة أمام معامل الثلج للحصول على نصيبهم منه. وقد تعرضت إحدى تلك التجمعات لاستهدف من قبل الطيران الحربي في 12 تموز الجاري، ما تسبب بوقوع مجزرة ذهب ضحيتها العشرات من أبناء قريتي السوسة والباغوز، فيما تبادل التحالف الدولي والطيران العراقي توزيع الاتهامات بالمسؤولية عن هذا القصف.

هذه الأوضاع المأساوية، هي التي أدت إلى التراجع السريع في أعداد المدنيين القاطنين في مناطق سيطرة التنظيم هناك، إذ تمكنت عشرات العائلات من النزوح نحو البادية أو نحو مناطق سيطرة قسد خلال الأسابيع الماضية، مستفيدة من تخفيف قيادة التنظيم للقيود المفروضة على خروج المدنيين من مناطق سيطرتها، بعد أن كانت تعرقل خروج هؤلاء المدنيين وتلزمهم بالعيش تحت جحيمها على الأرض، وجحيم طائرات خصومها في السماء.

يبدو واضحاً من مجمل سلوك داعش الميداني والتنظيمي أن قيادته باتت تقرّ بصعوبة الاحتفاظ بمساحات جغرافية صالحة للعيش والاستقرار طويل الأمد، ولا يبدو أن ثمة بدائل متاحة للتنظيم في الظروف الراهنة سوى الالتجاء إلى البوادي واتخاذها منطلقاً لتنفيذ حرب عصابات ضد خصومه، أو الاعتماد على الخلايا النائمة في تنفيذ هجمات متفرقة تزعزع سيطرة هؤلاء الخصوم وتربكهم.