زيارة المتاحف: أنا الزائر أنا المعروض

 

يخضع نقاش الاستعمار والفترة الاستعمارية في الخطاب الأوروبي الحديث دوماً لمسارات  محددة، تبدأ من اعتبار الفترة الاستعمارية ماضٍ سحيقاً لعالم متغير، وتنتهي بالكلام عن طي هذه الصفحات المشؤومة من تاريخ أوروبا والانفتاح على نقدها وتوصيفها. لكن، ورغم هذه المحاولات لخلق قراءة جديدة -يحب الجميع صياغتها على أنها حساسة- لمساوئ الاستعمار، بدا من الواضح أنه تحت هذه الهالة البراقة هناك الآلاف من قصص الضحايا الذين تم الاستيلاء على أرواحهم وبلادهم وثقافاتهم بشكل متكرر وممنهج. ترسم هذه القصص والحكايات التي تخرج تباعاً صورة لاستعمار لم ينتهِ تأثيره بعد، وتُرينا الانفتاح على زمن جديد تم هو أيضاً بالقضاء على الأصوات المختلفة، الأصوات القادمة من البلاد التي، وإن استعادت حرية أرضها وشعبها من الاستعمار الأجنبي، لكنها ما تزال مسلوبة الحقوق الثقافية.

يعاد فتح الحديث من جديد مع الخبر القادم من الجزائر، الذي يشرح انتصاراً معنوياً متأخر زمنياً للثورة الجزائرية، فبعد 130 عاماً من الاستعمار الفرنسي الذي ارتكب أفظع المجازر في الجزائر، وبعد 170 سنة من إحدى تلك المجازر التي راح ضحيتها قادة الحراك الثوري الجزائري آنذاك، خلال حرب تحرير الجزائر التي استمرت ثمان سنوات، تمسّكت فرنسا خلالها بالدفاع عن استعمارها من خلال المجازر. حينها، قُطعت رؤوس 24 ثائر جزائري، واحتُجزت مع أكثر من 18 ألف جمجمة بشرية في متحف التاريخ الطبيعي في باريس مع هياكل عظمية لكائنات حية مختلفة1. وبعد مرور كل هذا الوقت، قدمت فرنسا عربون تهدئة دبلوماسية مؤخراً بإعادة هذه الجماجم الأربعة وعشرين، لتقام لها مراسم دفن لائق في الجزائر.

بالتأكيد، يمكن قراءة هذا الخبر على أكثر من صعيد، سياسي ودبلوماسي وتاريخي، لكن، بالإضافة إلى الجانب الأخلاقي الكبير الذي لا يمكن تجاوزه لمناقشة هذا الخبر، هناك أيضاً جانب، مثير جداً، متعلق بالحقوق الثقافية بمعناها الواسعة، المتمثلة هنا بمكان احتفاظ وعرض فرنسا لجثث وجماجم بشرية من كل أنحاء امبراطوريتها القديمة: متحف التاريخ الطبيعي. الفكرة هنا لها علاقة بكيفية عرض الجماجم البشرية كحالة متحفية، يمكن زيارتها وقراءة توصيفٍ ما عنها. هذا ما يربط كل الأفكار السابقة ببعضها، ويعيد السؤال في ذهني حول كل فكرة المتحفية الأوروبية بالعلاقة مع الشعوب الأخرى.

لماذا نزور المتاحف؟

أصبحت زيارة المتاحف عبأً حقيقياً عليّ، وذلك بعد أن كانت أول ما أفعله عند زيارتي لمدينة جديدة. أما اليوم، في برلين حيث أقطن، أتهرّبُ دوماً من اصطحاب الأصدقاء والزوار إلى المتاحف، تجنباً للإزعاج والألم الذي أصبحت تجلبه لي هكذا نشاطات، فهي تفتح آلاف الأسئلة في رأسي حول هذه القطع الأثرية المنزوعة من حضارتها وسياقها. حتى أن إعادة تركيب غرفة حلبية بكامل محتوياتها لتستطيع أن تنظر إليها أمرٌ، على عدة مستويات، مهول، حيث أنه يُسمح لك، من جهة، أن ترى تاريخك بشروط احتفاظ وعرض مناسبة؛ ولكنه من جهة أخرى يجعلني حسّاساً دوماً لأي حديث عن المتاحف، وجعلني مهتماً بمعرفة كيف يتم حفظ وعرض جزء من ثقافتي بعيون غريبة، ويجعلني أرغب في كتابة هذه المقالة.

نُظر إلى المتاحف على أنها تقدم فرصة لرؤية الآخر، وساهمت هذه المؤسسات في صنع تعريف زوارها عن الآخر وثقافته، وتكريس مقولات أو سرديات معينة دون غيرها. ومع أن هذا الآخر يتنوع زمنياً ومكانياً، فهو قد يكون الإنسان القديم الذي قطن المكان ذاته أحياناً، وقد يكون إنساناً قادماً من بقعة جغرافية مختلفة، إلا أن خصائص المتاحف، التي تبحث عن «الحفاظ على الماضي»، تؤدي إلى تقديم الشعوب والأماكن البعيدة والقديمة وكأن هذه الشعوب وثقافاتها هي عينة ثابتة منزوعة السياق ودون زمن محدد، وفيها يتم وضع الآخر كمعروض مُغرٍ ونادرٍ عبر عرض عينات من أعمال وأفكار شعبه، فقط لأنه مخالف لنمط أو نسق مفترضٍ ما.

رغم أن المنظمة الدولية للمتاحف ومتخصصيها (ICOM) أكدت في تعريفها عن المتاحف أنها «مؤسسة دائمة، غير ربحية، تخدم المجتمع وتطوره، مفتوحة للجمهور، تكتسب وتحفظ وتدرس وتعرض وتنقل التراث المادي وغير المادي للبشرية وبيئتها، لأغراض الدراسة والتعليم والترفيه»2، فإننا يجب ألا ننسى تاريخ المتاحف. فمنذ بدأت فكرة المتاحف في أوروبا، في نهاية القرن السابع عشر، جاءت متخصصة بفكرة عرض الغرابة والندرة،3 أي عرض ما لن تراه في حياتك اليومية. وبذلك، شكلت منذ البداية مجموعة قوية من التصورات، وساعدت في تشكيل المخيلة والتصور الجمعي عن الآخر، وغذت التوسعات الأوروبية وما تضمنته من استعمار طال كل أجزاء العالم.

المتاحف في حلتها الجديدة

لم ينهِ انقضاء زمن الاستعمار بشكله المباشر الكثير من التقاليد والممارسات الاستعمارية، والمتاحف خير دليل. ولم تتسبب نهاية النظام الاستعماري بعد الحرب العالمية الثانية في تغيير المشهد الجيوسياسي فقط؛ بل كان لها تأثير عميق على كيفية تعريف الغرب لنفسه، حسب قول ألكسندرا ساوفاج (Alexandra Sauvage) في ورقتها البحثية حول مواجهة المتاحف لواقعها ما بعد الاستعماري، حيث تطرح فيها سؤالاً حول كيفية تمكّن المتحف من العثور على غرض اجتماعي جديد خارج الإطار الاستعماري؟ وتخلص إلى القول إنه «فقط عندما نعتبر الاستعمار نظاماً كاملاً تم فيه تشكيل الهويات والقيم الوطنية الحديثة، يمكننا أن نفهم أن "تسريع" و"دمقرطة" التاريخ نشآ من الحدث نفسه، وهو نهاية النظام الوطني والاستعماري كنموذج ثقافي مهيمن»4. وبذلك، خرجت من رحم تلك الفترة بالتأكيد أسئلة جديدة حول ماهية المتاحف، وبالخصوص حول أحقية ممتلكاتها، وكان السؤال الأكثر جوهرية هو: هل تلك الأثار هي أعمال فنية إنسانية، أم ممتلكات ثقافية لشعوب معينة؟ وباحتدام النقاش تطورت حركة إعادة التعريف، ورست المتاحف الغربية الحديثة على تقديم نفسها كمشاريع فنية وتعليمية. 

بالطبع، حتّمت إعادة تعريف المتاحف الغربية كحامل ثقافي تعليمي بالضرورة إعادة نقاش الفترة الاستعمارية، وما نتج عنها من مقتنيات مادية أُخذت من بلاد مختلفة، وفُتحت النقاشات حول هذه الفترة الاستعمارية وتوابعها، خاصة مع كل التغيرات في مفهوم الحراك الثقافي، والوعي الحساس لمناهضة العنصرية بمختلف أشكالها. وقد اعترفت جمعية المتاحف الألمانية بضرورة إعادة تقييم الماضي الاستعماري للمتاحف ومجموعاتها، مُصدرةً دليلاً يحاول أن يناقش إدراك معظم المتاحف مسؤوليتها ورغبتها في إجراء تحليل نقدي مكثف لموضوع الاستعمار5. ورغم أن إصدار هذا الدليل هو خطوة جيدة ومتقدمة، لكنها غير واقعية من حيث الأثر، ولم تغير البيانات الكثيرة التي احتواها الدليل مبدأ إزاحة اللوم أو تفادي تلطيخ السمعة، في حين ما تزال آلية تقديم المعروضات منزوعة من سياقها التاريخي والجغرافي، مساهِمةً في صنع آخرٍ أدنى ومُشيأ ومحدود.

وأنت تزور أجزاء من نفسك

اليوم، إذا كنت تزور متحف الشرق الأدنى أو متحف التاريخ الإسلامي في برلين؛ سترى بلا شك آثاراً سورية وعربية قديمة ومتنوعة. لكن جميع النصوص التعريفية المرافقة لهذه القطع تحكي قصة هذه الآثار من خلال عيون المستشرقين الذين اكتشفوها أو وجدوها، فهُم من قيّموها وصنعوا حكايتها. أي أن هذه الآثار، وغيرها من القطع، انسلخت من سياقاتها المختلفة وأصبحت ضمن سياق المتحف الأوروبي وزواره، ليتم التركيز على كيفية عثور ذاك المغوار الألماني على القطعة وجلبها لتُحمى وتعرض لنا اليوم. تُسلخ السردية الخاصة بالمعروض وهوية الثقافة التي أنتجته، وتُكرَّس نظرة الأوروبي عن الآخر، فهو الذي يسمح بعرض القطع المعينة، وبالتالي هو من يفرز المهمّ من غير المهم، ويقرر كيفية تعريف ما يعرض وتحت أي مصطلحات. أي، باختصار، هو من يشرح لك «تاريخك»، وهو من يضيء أو يعتم على تفاصيله. كل ذلك على فرض أنك من المحظوظين الذين حصلوا على فيزا لهذه البلاد، لتستعرض في متاحفها تفاصيل وأجزاء من تعريفك لنفسك لن تكون قادراً خارج متاحف أوروبا أن تعرف عنها أي شيء. هذا كله، طبعاً، دون ذكر كل الأسئلة الأخلاقية المتعلقة بالآليات التي جلبت فيها التحف إلى أوروبا أولاً.

تتجاوز هذه الممارسات متاحف برلين أو ألمانيا، أو باريس وفرنسا؛ فهي ثقافة متكاملة مبنية على التعامل مع الآخر وصنع الآخر، وهي سائدة في أغلب المتاحف العالمية، من بريطانيا التي ما زالت تحف مستعمراتها «لا تغيب عنها الشمس»، أو مختلف المتاحف الأوروبية، إلى المتاحف الإسرائيلية والأميركية التي تعرض بقايا السكان الأصليين، والتحف الإفريقية التي هبطت بشكل ما في شمال أميركا دون ذكر سفن العبودية التي جلبتها.

يتمّ نزعُ المعروضات من سياقها وثقافتها ووضعها في سياق المتحف وثقافته بشكل ممنهج ومنظوماتي، مما يبني ديناميكية قوة غير متوازنة، يحاول المتحف الحفاظ عليها باستمرار، حيث يسود ضمن هذه الديناميكية أحدٌ على الآخر، هو المتحف وثقافته في هذه الحالة، لأنه هو الذي يحدد النسق المقبول والنسق المخالف الغريب الذي يجب امتلاكه والتقليل من إنسانيته والتحكم به، وبالتالي يصبح الآخر غرض رغبة إكزوتيكي فقط، وجاهز للاستهلاك.

أنتجت المطالب والمحاولات الكثيرة لتفكيك الاستعمار ضمن المتاحف العديد من التجارب الجديّة. لكن يتحتم علينا سؤال: هل من المجدي إعادة التفكير وإعادة تعريف المتحف كمنظومة بشكل كامل؟ ماذا عن حقوق التعويض وإعادة التحف لبلدانها الأصلية؟ وإن كان هدف المتاحف تعليمياً وتثقيفياً فعلاً فلماذا الاحتفاظ بالتحف الأصلية؟ لما لا يُستعاض بنسخ أو مواد وثائقية؟ أليس هذا كافياً للتعليم؟ والسؤال الأخير المتعلق بما يتم عرضه وكيف يعرض وكيف يتم وصفه: أليس من المنطقي أن يكون لأصحاب الثقافات الأصلية الحق في أن يقرروا التعريفات والمصطلحات، تلاقياً مع صعود خطاب التنوع إلى واجهة الثقافة الغربية اليوم.

ترتبط جميع محاولات نقاش فكرة المتحف الحديث بشكل أساسي بنقاش الذاكرة والتاريخ، والحديث عن الشعوب والمجتمعات بحساسيتها وضمن سياقها، لأنه لا أحد في هذا العالم يقبل أن يكون زائراً في متحف يحتفي به كمعروض. هذه ربما من أبسط حقوق الإنسان.

  • 1. Crânes de résistants algériens au Musée de l'Homme de Paris: Le processus de restitution enclenché.
  • 2. The Statutes of the International Council of Museums.
  • 3. Museum History - Cabinet of Curiosities and Modern Museums.
  • 4. To be or not to be colonial: Museums facing their exhibitions.
  • 5. Care of Collections from Colonial Contexts.