سجن مطار أتاتورك: من كوابيس الذاكرة والحدود

هذه المادة هي الأولى ضمن ثيمة حدود وجدران، والتي ستُعنى، عبر مواد عيانية وشهادات وتحليلات، بالحدود بين الدول، وعودة سياساتها وحمايتها وترسيخها وتقويتها إلى مركز النقاش السياسي في العالم في العامين الأخيرين، وموقع السوريين والفلسطينيين السوريين -ضمن جنسيات أخرى عديدة- كعالقين داخل شبكة عنكبوتية كثيفة من الحدود ونقاط التفتيش وتدقيق الجوازات في المطارات والمعابر البرّية في دول الجوار، وحول العالم. 

«كل هالبلاوي اللي وقعت على روسنا وراها هالمجاهدين الأوباش»، باللهجة العراقية التي تحمل مرارة الألم، وسوداويةً لا تخلو من كوميديا، قال هذه الكلمات شابٌ عراقي يُدعى سِبتِي. وسِبتِي هذا في أواخر الثلاثينيات من عمره، نحيلٌ للغاية، متوسط الطول، ذقنه غير مكتملة النمو، مبعثرةُ الشعر كالفوضى الحاصلة في بلاده، متزوّجٌ ولديه ابنتان، يُقيم مع عائلته منذ سنوات قليلة في مدينة إسطنبول.

لا يتحدّث سِبتِي سوى بكلمات قليلة تكون مباشرة وحازمة، فهو الخبير في إجراءات المطارات الدولية منها والمحلية، وهو العارف بالقوانين التركية التي تُنظِّمُ التعامل مع المهاجرين واللاجئين ومَن يحاول السفر بوثائق مزوّرة في هذا العالم، الذي يضيق يوماً بعد يوم بمَن فيه.

قال لي بعد أن استمعَ لتفاصيل ما جرى معي في مطار أتاتورك في إسطنبول: «شغلتك بسيطة... يومين وتطلع». أراقبه كيف يتحدّث بثقة، بعد أن راقبني بنظراتٍ متقطّعة وأنا أسردُ بقلقٍ لحظات الخوف التي رافقت احتجازي من قبل رجال أمن المطار، ونقلي بعد ذلك إلى السجن الذي يبعد أمتاراً قليلة عن المطار، في بلاد العم أردوغان.

سِبتِي الذي التقيته في أواخر تموز/يوليو عام 2017، وكان قد مضى على احتجازه حينها ما يقارب شهرين، اعتادَ خلالها النوم والانتظار على السرير في الزاوية اليمنى للمهجع المُقابل لمهجع «الدواعش». شهران مليئان بالتفاصيل والمشاهدات والنزلاء الجُدد كلّ يوم، جعلت سِبتِي، الذي يُجيد تحدّث التركية، على علاقة جيدة مع بعض رجال الأمن الذين يتناوبون على حراسة السجن، حتى أنّ بعضاً منهم لا يُخفي التعاطف معه، وتقديم بعض الامتيازات له، كتمرير بعض السجائر، وغضّ البصر عن استخدام الهاتف النقال لبعض الوقت، مع تكرار التحذير له بضرورة أن يتمّ ذلك بعيداً عن مجال الرؤية لكاميرات المراقبة، التي تُسجِّلُ حياةً رتيبةً لمَن هم في داخل المهاجع الأربع. وعلى رغم هذه العلاقة التي تجمع بين الطرفين، لا يثق سِبتِي بما يراه، فهو دائم الشكّ والحذر، ويعرف كيف يلتقط التفاصيل من خلال النظرات. يحاول تفسير ذلك، فيقول لي: «الأتراك لعوبين مالهم أمان، شوف شنو عملوا بالثورة السورية: خربوها!».

جنسياتٌ متعددة وقصصٌ مختلفة اجتمعت في مكانٍ واحد، لا أحد فيه يكترث بمصير الآخر، فالجميع هنا موجودون في حالة مؤقّتة، وهذا السجن بطبيعة الحال ليس مُخصّصاً لتنفيذ الأحكام القضائية. هنا حالة جديدة من تجارب السجون، تختلف عن تلك التي نراها في الأفلام السينمائية، أو التي نسمع عنها بين الحين والآخر.

لغة الإشارة هي الوسيلة الأولى المستخدمة، والأكثر فائدة، للتواصل في ذلك السجن الذي تتراوح أعداد المتواجدين فيه يومياً بين 20 و30 شخصاً، ضمن مساحةٍ تبلغ حوالي 70 متراً مربعاً. أربعة مهاجع تقع في الطبقة الأولى تحت سطح الأرض، يتقاسمها الموقوفون، ويحتوي كلّ واحدٍ منها على سبعة أو ثمانية أسِرّة مع بعض الأغطية. مهجعان متجاوران عند الجهة اليمنى للباب الرئيسي، وآخران في الجهة المقابلة. واجهات هذه المهاجع عبارة عن قضبان حديدية، وفي منتصفها أبوابٌ تبقى مفتوحةً طوال اليوم، لذا، يستطيع الوافد الجديد اختيار المهجع الذي يُريد البقاء فيه.

مهجع «الدواعش» كما بات معروفاً في السجن، هو حالة خاصة عن باقي المهاجع، إذ يتواجد بداخله أربعة شبّان فقط (اثنان منهم كانا مقاتلَين في تنظيم «الدولة»، والآخران في «جبهة النصرة»)، لا نرى منهم سوى «ديناميت»، عند ساعات توزيع الطعام (مرّتان في اليوم)، أو عندما يرغب بالقيام بجولة سريعة وإلقاء نظرة خاطفة على باقي المهاجع.

معظم الموقوفين هنا ينتظرون ترحيلهم إلى بلدانهم، أو الحصول على تذكرة سفر تُتيح لهم المغادرة إلى بلادٍ أخرى لا ترفض استقبالهم. لا أحد هنا مشغول البال بجلسات تعذيبٍ لن تحصل، أو بحُكمٍ يقضي بقطع الرأس. ربّما وحدهم السوريون والعراقيون يخشون ذلك. كلّ ما هنالك أنّ الحظ السيء كان يُلاحق مَن زار هذا المكان، الذي يحقّ لمن يأتي اليه أن يتواصل مع سفارة بلاده، أو أن يُعيّن محامياً له في حال توافر المال. لكن، ما يستدعي الانتباه في «سجن مطار أتاتورك»، إن أمكن تسميته بذلك، هو لحظات اللقاء القليلة التي كانت تحدث أحياناً بين نزلاء المهاجع، وما يرافقها من نظرات متبادلة وبعض الكلمات غير المفهومة.

في مهجع سِبتِي، اجتمع في لحظةٍ واحدة وثّقتها الكاميرات، عناصر مهجع «الدواعش»، وثلاثة شبّانٍ إيرانيين فشلوا في محاولة الوصول إلى أوروبا، وآخرون من بعض دول إفريقيا ودول شرق ووسط آسيا. شعورٌ غريب رافق هذه اللحظة التي لم تدُم سوى دقائق معدودة.

شابٌّ من تركمانستان، رفض قول اسمه، أسماه سِبتِي «ديناميت»، يضع دائماً قبّعةً رمادية اللون على رأسه. و«ديناميت» هذا، قاتَلَ مع تنظيم «الدولة» في سوريا، وعاد بعد ذلك عبر طرق التهريب إلى تركيا، ومنها حاول الرجوع إلى بلاده، لكنّ الحظ السيء كان له بالمرصاد، فتمّ إيقافه، وهو الآن ينتظر سلطات بلاده كي تسمح له بالعودة، بعد ما أتمّ مهمّته بنجاح في إفشال الثورة وقتلِ الأحلام.

محمد، شابٌّ من المغرب، غادر بلاده بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وحاول الوصول إلى فرنسا عبر تركيا بـ «فيزا» مزورّة. ينتظر محمد من صديقته التي في الصين أن تحجز له تذكرة طائرة العودة إلى المغرب، «رغم أنني لا أعرفها جيداً»، هَمَسَ لي بسرٍّ غير خطير.

«ها هو هي»، و«هو هي ها»، شابّان من فيتنام، أطلق عليهما سِبتِي هذين الاسمين، «لأن الفيتناميين تحسّهم ما يسولفون إلا بهاي الأحرف»، قالَ لي سِبتِي في محاولة للشرح. يمضي هذان الشابّان اليوم بأكمله في النوم، وحين يستيقظان، تبدأ موجةٌ هستيريةٌ من الضحك تشمل جميع المهاجع، باستثناء مهجع «الدواعش»، بالطبع.

يعقوب، شابٌّ من الكونغو، يتّخذ مقرّاً له السريرَ في الزاوية اليسرى المقابلة لزاوية سِبتِي في المهجع، وهو يضع دائماً حول رقبته الطويلة وسادة السفر المُستخدَمَة في الطائرات. تعلّمَ يعقوب حديثاً مبادئ الإسلام وهو في السجن، وحاول سِبتِي مساعدته في ذلك، فطالَب أحد الحرّاس بإحضار بعض الكتب لتعليم الإسلام. تحقّقَ ما طلبه في الليلة ذاتها، لكنّ سِبتِي الذي تفحّصَ بعناية الكتبَ التي احتوت في صفحاتها على العربية والفرنسية، بدأ يتملّكه الغضب، وتحدّثَ بكلمات غير مفهومة، وقال لي بعدها: «ما قلتلك الأتراك مالهم أمان، الكتبُ هاي تسولف عن معتقدات الشيعة!».

بات الوقت يُشير إلى منتصف الليل. الجميع نيام. لا أحد هنا يُفكّر بالهروب، على غرار ما حدث في The Shawshank Redemption، أو البدء بإضراب مفتوح عن الطعام كما في Hunger. صمتُ هذا الليل تكسره أصواتٌ ضعيفة لتلاوة بعض آيات القرآن، قادمة من مهجع «الدواعش». يتلاشى ما بقي من الصمت فجأةً على إيقاع أصوات الشخير المرتفعة، الصادرة عن أربعة رجال ضخام البنية من منغوليا، يحتلّون المهجع المجاور لنا.

أُعيدُ مجدداً سردَ قصّتي على مسامع سِبتِي. أخبرُهُ أنه رغم القتل والدمار الذي حصل في سوريا، ما يزال السوري يكره السوري الآخر ويتسبّب بأذيّته. لم أكن لأتواجد هنا، لو أنّ «أبا عمار»، صاحب أحد مكاتب السمسرة وتسيير معاملات السوريين في مدينة عينتاب التركية، لم يقم بتزوير المعلومات في جواز السفر الذي أمتلكه. «أبو عمار»، من حمص، أكّد لي حين التقيته أنّ عملية تصحيح الخطأ الذي كان حاصلاً في معلوماتي الشخصية، وتجديد صلاحية جواز السفر، ستتمّ في القنصلية السورية في إسطنبول، مقابل تلقّيه 500 دولار أمريكي. قاطعني سِبتِي بالقول: «ماكو مُشكِل... بكرا تطلع». تابع حديثه على غير ما جرت العادة: «كنتُ على متن الطائرة المتوجّهة من إسطنبول إلى ماليزيا. في مطار كوالالمبور، أوقفني رجال الأمن بعد الاشتباه بأنني (إرهابي). أودعوني في السجن لثلاثة أسابيع، وسط معاملة سيئة، وأعادوني بعد ذلك إلى إسطنبول. وضعتني السلطات التركية أمام خيار الترحيل إلى بعض الدول الآسيوية، جميعها من اختيارهم. رفضتُ ذلك لأنّ معي إقامة سياحية تركية، وأوكلتُ مؤخراً محامياً لمتابعة الموضوع. لا أملك سوى الانتظار هنا».

عينا «ديناميت» اللتين ظهرتا فجأة عند باب المهجع، قاطعتا كلمات سِبتِي الذي قال له على الفور: «شتريد منّا بنص هالليل؟ تريد تفجّرنا؟!».

صباح اليوم التالي، استيقظتُ على صوتٍ يُنادي: «هوزيفا... سُوري... غِل غِل (أي تعال)!». بعد أخذ عينة من الدم، والتحقق من عدم إصابتي بأحد الأمراض السّارية، أُطلِقَ سراحي، بعد مصادرة جواز السفر.

انتظرتُ أياماً طويلة، للحصول على وثيقة سفر عليها فيزا جديدة صادرة عن السفارة الفرنسية، لكنّ محاولة السفر الثانية لم تنجح مرةً أخرى، بسبب تعنّت موظّفي مطار أتاتورك، والمعاملة السيئة التي يُجابَه بها السوريون.

كان لا بدَّ من تغيير المطار في المحاولة الثالثة، وكانت الوجهة مطار صبيحة غوكجن الواقع في الجزء الآسيوي من إسطنبول. تواصلتُ مع «أبي أحمد»، وطلب مني مبلغاً من المال لتسريع إجراءات المطار التي يجب المرور فيها. و«أبو أحمد» هذا، رجلٌ عراقي في بداية الخمسينيات من العمر، تربطه علاقات وثيقة بموظّفي المطار المذكور. لقائي الأول به داخل صالة المطار لم يكن مختلفاً عن لقائي بـ سِبتِي. جاء «أبو أحمد» ماشياً على عكّازتين خشبيّتين، وبعد إلقاء التحيّة، فاجأني بالقول: «كل هالبلاوي اللي قام تصير بينا من ورا هالمجاهدين الأوباش».

بعد انقضاء وقتٍ ليس بالطويل، أنهيتُ إجراءات المطار بلا عوائق. وقبل العبور إلى «المنطقة الحرّة»، كان لا بدَّ من إلقاء نظرة أخيرة على «أبي أحمد». كان يبدو في تلك اللحظة كالقبطان «جون سيلفر»، مُسنِداً جسده الثقيل إلى عكّازه الأيسر، ومُلوّحاً لي بالعكّاز الأيمن: وداعاً!

بعد الصعود إلى الطائرة وإقلاعها في أوائل أيلول/سبتمبر، باتت مغادرة تركيا جزءاً من الماضي، لكن ذكريات السجون الثلاثة التي مررتُ بها (النظام، داعش، تركيا)، ما تزال تتنافس فيما بينها لاحتلال الجزء الأكبر من كوابيس هذه الذاكرة.