سفر الخروج اللبناني: المهجر الذي يعيش فينا

هل أزفت ساعة الرحيل؟ هذا السؤال الحارق بعد انفجار مرفأ بيروت قديمٌ قِدَمَ البلاد ذاتها، بحسب الأستاذة في الجامعة الأميركية سارة مراد، التي عادت إلى لبنان بعد سبعة أعوام في الخارج، وذلك في مقال لها نشر بالانكليزية.

صباح الخامس عشر من آب، أي بعد 11 يوماً من انفجار بيروت، أخبرتني صديقتي أنها رأتني في منامها. كنت أعتزم قضاء إجازة في الولايات المتحدة، حيث كانت تعيش قبل بضعة أعوام من عودتها إلى لبنان. في المنام، كنت أسافر مع امرأة أميركية همست لصديقتي أنها تنتظر مني أن أطلب يدها. لم نكن متوائمتَين على الإطلاق، على ما يبدو من كلام صديقتي، وهو ما دفعها لتحذيري من مشروع الإجازة. قالت إننا كنّا «نمشي حافيَتين على زجاج مهشّم».

سألتُها إن كانت تفكّر بمغادرة لبنان، فقالت إن أحدهم سألها نفس السؤال قبل ليلة واحدة.

مضى شهران على انفجار مرفأ بيروت، الذي أودى بحياة 190 وأصاب أكثر من 6,000. بالكاد راودنا النوم طيلة هذه المدة، هذا إن نمنا أصلاً. منا من اجتاحته الكوابيس، ومنا من لم يحلم بأي شيء. كثيرون غادروا لبنان، وكثيرون يتحيّنون الفرصة ويُطيلون أمد السؤال والسهر. لقد حدّقوا في عيني الموت، ولم يعودوا يرون أفقاً لذاك العذاب المزمن الذي أخذ يلفّ حياتهم هنا. «كم مرة يستطيع الشخص النجاة من الموت؟»، يتساءل أحد أصدقائي الناجين.

ينوي كثيرون اليوم مغادرة لبنان قبل أن يأخذهم الموت على حين غرّة، وذلك بعد موجة هجرة جديدة بدأت مسبقاً منذ الانهيار الاقتصادي. ففي أعقاب الانفجار الذي اعتُبر أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ؛ ووسط أنباء عن اعتزام البنك المركزي رفع الدعم عن الخبز والوقود؛ وفي ظل خط فقر يطال حياة أكثر من نصف السكان؛ يبدو المشهد اليوم في لبنان قيامياً. أحياء كاملة قرب المرفأ تدمّرت، وأكثر من 300 ألف نزحوا من بيوتهم أو صاروا مشرّدين، فيما يحول حجز البنوك على رؤوس الأموال منذ تشرين الأول دون وصول الناس إلى مدخراتهم. الموجة الثانية من جائحة كورونا استدعت جولة حظر ثانية، تزامنت هي الأخرى مع حالة طوارئ في بيروت منحت الجيش صلاحيات استثنائية، في خطوة استنكرها خبراء قانونيون واعتبروها مخالفة للدستور.

كثيرون منا في حالة استنفار، يحاولون تأمين أية طريقة للخروج. لكننا عالقون في مأزق: فالبنوك ابتلعت أموالنا، والجائحة أغلقت في وجوهنا أبواب السفر. نحن في مأزق، إلا أننا نورّط سوانا معنا أيضاً. فالعمال المهاجرون في لبنان يحاولون المغادرة منذ بدء الانهيار قبل شهور: مشغّلوهم لا يدفعون لهم أجورهم، ومؤجّرو بيوتهم يطردونهم، وحكوماتهم وسفاراتهم تخلت عنهم ليواجهوا مصائرهم بأنفسهم. هؤلاء لا يرغبون سوى في العودة إلى بلادهم بعد تبخّر فرص الحياة هنا. لبنان بأكمله على أعتاب هجرة جماعية مهولة. 

اليوم دورنا بعد السوريين. فحالنا كحالهم، نغادر بلاداً محطّمة لم تعد صالحة للعيش بحثاً عن فرصة نجاة في بلاد أخرى. إلا أن نظامنا ليس كنظامهم، فهو لا يقتلنا بالبراميل المتفجّرة والأسلحة الكيماوية، ولا يرتكب مجازر بحق المعارضين، ولا يسعى للبقاء على حساب ملايين اللاجئين ومئات آلاف القتلى. ومع ذلك فإن القتلة الذين ضحوا بمئات آلاف الناس – خلال حرب أهلية مدمّرة امتدت 15 عاماً – هم الذين هندسوا ويشرفون الآن على كارثتنا الاقتصادية والمالية. نحن اليوم رهائن نظام سياسي ومالي عازم على استغلال القليل الذي نملكه ليحافظ على نفسه. سوريا هي ماضينا، وقد تكون مستقبلنا. لكننا اليوم، بعد 4 آب، نشعر أننا عالقون في قنبلة موقوتة.

هل حان وقت الرحيل؟ سؤالنا الأبديّ؛ السؤال الذي نرثه ونطرحه مجدداً ونتناقله عبر الأجيال وعبر مختلف الظروف، لنجد أنفسنا إزاء المعضلة الوجودية ذاتها على الدوام. وسواء تحقق أم لم يتحقق في نهاية المطاف، الرحيل جزء من هويّتنا الوطنية. المنافي جزء من كينونتنا، كالحياة والموت، معتادة ودائمة التكرار مثلهما، لا نسألها «إذا» بل «متى». تزورنا على موجات، ويتكثّف حضورها في أحداث معينة كالحرب والاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية. بالنسبة لأجيال ما بعد الحرب – المولودين خلال أو بعد حرب 1975-1991 – كان الرحيل هو «طقس العبور» الذي نكبر لنمارسه ما استطعنا إليه سبيلاً . ثم لا ينفكّ سؤال العودة يؤرّقنا، ولا تنفكّ الرغبة بالاقتراب من أهلنا وأحبائنا تجتاحنا ونحن نشاهد الأزمات تعصف بهم من بعيد.

انفجار 1

سبق أن غادرت لبنان عام 2009 بعد سنة من التخرج. سافرت إلى الولايات المتحدة لنيل شهادة الدكتوراه. لم يكن نيل الشهادة دافعي للسفر، بل الحياة التي كانت ستوفّرها لي: التعليم المجاني، والحياة الميسورة، وقدر من الحرية. كانت المنحة السخيّة تحقق لي ذلك، وسأحظى في السنوات الست التالية بدخل مستقر وتأمين صحي ونقود كافية لشراء تذاكر عودة إلى لبنان في الأعياد. والآن، بعد عودتي إلى لبنان بعد قرابة العقد، أتتبّع دوافعي للرحيل، وأبحث عن اللحظة التي أزهرت فيها هذه البذرة.

كنت في المدرسة عام 2005 حين قُتل الرئيس رفيق الحريري بتفجير هائل. كنت أكتب مع زملائي وزميلاتي مقالاً للإجابة على سؤال الامتحان: «هل هناك معنى للوجود؟». كانت تلك سنتي الأخيرة في الثانوية، وكنا نحضر لامتحانات البكالوريا الرسمية. في 14 شباط، كنا نقدم امتحان فلسفة حين سمعنا صوت التفجير. كان واضحاً ذهولنا نحن والمعلمة. لم يستطيعوا تحديد ما يجب فعله، فطلبوا منا الاستمرار بالكتابة. «لعلّه انفجار أنبوبة غاز»، قال أحدهم دون أي اقتناع.

لا أتذكر إن بقينا طويلاً. أتذكر حين وقفت في باحة المدرسة وسألت أصدقائي عمّا حدث. بدأت الأخبار بالوصول إلينا عبر الرسائل القصيرة قائلةً إن موكب أحدهم تم استهدافه. السياسيون في لبنان يجولون بالمواكب وبين الحرس، يوقفون حركة المرور، ويجبرون السيارات على التنحّي. المواكب علامات ثروتهم وقوّتهم التي يستعرضونها حتى يراها الجميع. قبل ذلك بشهور، استُهدف موكب أحد النواب عبر سيارة ملغومة قرب مدرستنا. كانت تلك محاولة اغتيال فاشلة، وقد تركتْ زملائي وزميلاتي في حالة صدمة، يبكون ويصرخون في الممرات.

غادرت المدرسة وكلي قلق مما جرى. رأيت المشاهد الأولى من موقع الانفجار على شاشة المخبز القريب. لم أتوقف، ولا أذكر أني سألت أحداً عما حدث. تابعت باتجاه منطقة الحمرا، وقبل وصولي إلى المنطقة المجاورة للجامعة الأميركية تبدى لي حجم ما حدث. تبدى في وجوه الناس وتعابيرهم وتحرّكاتهم الغريبة جيئة وذهاباً في الطريق الواصل بين عمارتنا ومدخل الطوارئ. كان هناك أناس يصرخون، وآخرون يجولون بعيون ذاهلة. لا أعرف كم مشيت من المدرسة إلى البيت في ذلك اليوم، لكني حين وصلت إلى مدخل العمارة رأيت والدي واقفاً في الخارج. قال لي، بملامح لم أرها عليه من قبل: «مات الحريري». انفجرت بالبكاء. من بين كل مواكب المسؤولين، كان موكب الحريري هو الأضخم. وكان بالنسبة لي ولكثير من الناس شخصاً لا يُقهر. لكنه لم يعد كذلك. لقد مات. ربما كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها دنوّ الموت مني.

بالنسبة للجيل الذي شهد الاغتيال الأكثر دموية في تاريخ لبنان، سيكون الانفجار وما تلاه حدثاً تاريخياً بالغ الأثر في حياتنا. كل شيء تلاه، وكل ما عشناه من بعده، يحمل أثر الظهيرة الدامية تلك في 14 شباط، والتي انقطع فيها بحثنا عن معنى الوجود بمواجهة خاطفة مع الموت. كان «انفجار الحريري» انفجارنا نحن أيضاً.

كنا جيل السلم، نحن الذين ولدنا مع نهاية الحرب الأهلية، ونشأنا على قصص أهالينا المكررة حول أشكال النجاة العادية والاستثنائية. كانت الحرب ماثلة في جميع ذكرياتهم، وصارت جزءاً من خيالنا عن الماضي. هذا ما يعنيه أن تكون من جيل ما بعد الحرب: أن يتشكّل وعيك في أعقاب حدث لم تشهده لكن دلائله حولك في كل مكان، وآثاره محسوسة في شجون وشؤون أهلك. لقد كان انفجار الحريري نهاية سلام ما بعد الحرب، ونذيراً لمرحلة طويلة من الاضطراب والشغب، شملت حرباً إسرائيلية وموجات اغتيالات وعدة مواجهات مسلحة على امتداد البلاد. بالنسبة لأهالينا الذين لم يغادروا وعاشوا ضمن دائرة العنف المتجددة، ووجدوا أنفسهم مراراً على حافة اليأس، كان رحيلنا قدراً يتحضرون له، يأملونه، وحتى يخططون له نيابة عنا.

اليوم، بعد 15 عاماً، معظم زملائي وزميلاتي يعيشون في الخارج، مشتّتين في بلدان الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. صعدوا سلالم التعليم النخبوي الذي يمنح السفر بين بلدان العالم لجميع أبناء الميسورين القادرين على دفع نفقاته الباهظة. التعليم النخبوي الذي أمّنته لي عائلتي كالكثيرين غيري عبر الاقتراض، هو مصنع منافي المستقبل. معظم زملائي وزميلاتي هاجروا بمجرد تخرّجهم من الجامعة. بعضهم تزوج وأسّس عائلات، وآخرون بدؤوا بالعمل. هناك من يعود للزيارة، وهناك من لا يأتي أبداً. أما أنا فكنت ممن غادروا، وكنت ممن قرروا العودة.

آب

عودتي في آب 2016 كانت حاضرة في بالي قبل ذلك بعام. كنت أعيش في فيلادلفيا وأكمل دراستي حين اندلعت احتجاجات بيروت في آب 2015.

في تموز من ذلك العام، تم إغلاق مطمر النفايات الأكبر في البلاد تحت ضغط شعبي، بعد أن أغلق السكان الطريق إليه عبر احتجاج ضد التلوث البيئي والمخاطر الصحية. توقفت خدمات جمع القمامة حينها، وبدأت النفايات بالتراكم في العاصمة وفي جميع أنحاء البلاد. احتلّ الناس الشوارع في وسط بيروت ومقر الحكومة والبرلمان مطالبين بإيجاد حلّ. وخلال أسابيع، تحول ما بدأ احتجاجاً على فشل الدولة في أزمة النفايات إلى حركة احتجاجية ضد نظام المحاصصة الطائفية القائم منذ نهاية الحرب. المقاطع التي تُظهر عنف القوى الأمنية انتشرت كالنار في الهشيم، دافعةً أعداداً أكبر من الناس إلى الانضمام للمظاهرات. مع ازدياد السخط، ازداد عنف الدولة، وبازدياد العنف، تعاظم معنى وأهمية هذه الثورة، إذ ظهرت آفاق جديدة للمعارضة والمواجهة السياسية. مثّلت هذه اللحظة، بالنسبة لنا نحن متابعي الأخبار من بعيد، أملاً بأن الأمور بدأت أخيراً بالتغيّر.

لم نستطع التوقف عن مشاهدة الأخبار أو العودة لحياتنا الطبيعية. كنا ملتصقين بالشاشات لمتابعة ما يجري، نتحدث مع أصدقائنا الناشطين «على الأرض»، وندور بين بيروت والمدن الأخرى التي عدنا لاعتبارها أوطاناً، عاجزين عن العمل وتجاهل كل ما يجري. كنا نعيش على الفيسبوك، وأصبحت هواتفنا امتداداً لأجسادنا بقدرتها سحرية على ربطنا مباشرة بشوارع نتوق أن نكون فيها؛ بعالم مليء بالاحتمالات تفتّح فجأة أمام عيوننا. دفعني هذا التوق إلى العودة إلى بيروت وإعادة الاعتبار إلى إمكانية الحياة هناك كشيء يتجاوز المستحيل والآفاق المسدودة. لم أكن أعرف ما الذي سأفعله هناك، ولم يكن لدي أوهام ثورية، لكنني كنت مدفوعة برغبة في الحضور بنفسي وبشعور بالذنب من عدم المحاولة. وحين حظيت بفرصة للعمل هناك، اعتبرت ذلك إشارة.

في شهر آب من العام التالي، كنت أحزم حقائبي وأُنهي حياة أحببتها لكنها أشعرتني دائماً بالغربة وبانعدام الأثر، وهو ما اتضح مع احتجاجات آب 2015. لكن قبل عودتي كان المزاج قد تغير بشكل جذري: من الأمل إلى الخيبة، ومن العزم على التغيير إلى جرّ أذيال الهزيمة. إلا أنني بعدما فاتتني احتجاجات الصيف وملأني توق لتلك التجربة التي لم أخضها، كنت أرغب بأن أكون هناك حين يندلع شيء مرة أخرى.

تشرين الأول

يوم انطلاق احتجاجات 17 تشرين الثاني 2019، كنت في مسرح سيتدمّر لاحقاً بفعل الانفجار. كنت أشاهد عرضاً من بطولة امرأة واحدة حين وصلت أنباء احتشاد الناس وسط العاصمة بيروت. بدأ الحضور ينسحبون واحداً تلو الآخر. الممثلة الأميركية التي كانت لوحدها تؤدي دور إميلي ديكنسون شعرت باستياء واضح ومفهوم. لم أعتب عليها فهي لم تكن تعرف شيئاً. لكننا كنا نعرف أن شيئاً ما كان يحدث، وحين انتهى العرض انطلقتُ على الفور إلى وسط المدينة.

ذهبت مع أصدقاء التقيتهم في منتصف الطريق. كنا نجلس متلاصقين في سيارة واحدة ونستفهم عما جرى. هل فعلاً احتشد الناس في الشوارع؟ كانت البلاد تعيش منذ انتخابات 2018 ركوداً سياسياً تاماً على الرغم من الظروف المعيشية المتردّية بسرعة. بدا أن الناس تبلّدوا، وأن المعارضة انحصرت بالمجال الافتراضي، وهو ما فسّر الارتفاع الملحوظ في عمليات اعتقال واستجواب المدوّنين والصحفيين. كان اندلاع مظاهرات حاشدة خبراً مفاجئاً ولكن متوقّعاً. قمنا بركن السيارة وتبعنا الحشود دون أن ندري وجهتنا.

كان الشبان على الدراجات في كل مكان، يتجمعون حول نيران يُضرمونها عبر حرق كل ما يقع تحت أيديهم: حاويات قمامة، إطارات، لافتات، أخشاب من مواقع البناء القريبة… وبمجرد وصولنا إلى ساحة رياض الصلح المقابلة للسراي الكبير – حيث يوجد مكتب رئيس الوزراء – كنا مأخوذين بالمشاهد والأصوات التي بدت وكأنها الثورة التي طال انتظارها. الحديد، النار، الدخان، أصوات الدراجات ورائحة الإطارات المحروقة، والهتافات… كل ما في تلك الليلة كان يشي برغبة جماعية بتحطيم كل شيء، ويا لها من نشوة! هذه المرة كنت أنا هي الناشطة التي على الأرض، أتصل بصديقتي في بريطانيا لترانا ونحن نتظاهر. في تلك الفترة الطويلة من الفرح الثوري، الذي انتهى بجائحة كورونا بعد شهور، وجدت معنى لعودتي. كانت الطرقات طافحة بالحياة، وتبدّت لنا آفاق جديدة كدنا نلامسها بأيدينا. آلاف مؤلّفة من الأجساد احتشدت في الميادين لأسابيع متتالية. سمّيناها ثورة.

صرنا نُصبح ونُمسي على وقع ذلك: احتجاجات يومية وأسبوعية، واحتفالات شهرية بذكرى الثورة. وقد تغيّر الواقع السياسي كليّاً بين تشرين الأول 2019 وكانون الثاني 2020، فغاب السياسيون عن التلفزيونات التي كانوا يتحكمون بها، وأصبح المتظاهرون محط الأنظار، تتالى عليهم أسئلة المذيعين خلال ساعات طويلة من البث المباشر من الشارع: لماذا تتجمعون؟ وما مطالبكم؟ امتلأت الشاشات بصور المحتجين وفيديوهاتهم، واحتلّ الناس المساحات العامة ورفضوا إخلاءها. حلّت اللعنة على القادة والسياسيين؛ نُبذوا من الحياة العامة وصاروا عرضة للطرد والإهانات من الثوار الذين يلاحقونهم بين المطاعم وقاعات الاحتفال، وانتشرت تلك المشاهد ليراها الجميع. نشأت تنظيمات شعبية من الشمال إلى الجنوب، وفي جميع مدن وقرى البلاد، وبدأت شبكة واسعة من التجمعات المحلية والمناطقية بالتشكّل وتوحيد معجمها المعارض: «كلّن يعني كلّن».

ظننّا أن الغليان العام في الشهور الأولى للثورة سيستمر طيلة الحياة. لكننا اليوم في عزلة كونيّة في ظل انهيار اقتصادي وجائحة عالمية، محجورين ومهجورين ومزجورين، يتملكنا شعور يومي بدنوّ الكارثة، وتغمرنا مشاعر بتخلي العالم عنا. نعرف أن مهمّتنا هائلة، ونعرف أننا نعيش في ظل «نظام» هو في الحقيقة عصبة من الحكام اللصوص الطائلي النفوذ، وهو لا يتوانى عن قتلنا باسم «الوحدة الوطنية» و«السلم الأهلي». ما الذي يمكننا فعله؟ المغادرة اليوم ترف تملكه قلة من المحظوظين، علماً أن أبواب الهجرة مغلقة أصلاً وجواز السفر اللبناني من الأسوأ عالمياً.

في الليلة السابقة للانفجار، اجتمعنا في بيت أحد الأصدقاء لوداع صديقة وزميلة تعتزم السفر مع ولديها إلى النرويج، هي التي عادت إلى بيروت قبل بضعة أعوام أملاً ببدء حياة جديدة. لم تكن ترغب بالرحيل، ولكنها لم تكن تستطيع البقاء. كان من بين ما تركته شقّة مطلة على البحر. ذكّرتنا صديقة أخرى بالإطلالة البهيّة لهذه الشقة: «كان بإمكاني الجلوس لساعات على الشرفة ومشاهدة الإبحار النهائي للسفن جيئة وذهاباً»، فأجابت الصديقة الراحلة: «نعم، سفن تحمل أغذيتنا». عما قليل سنعرف أنها تحمل أكثر من ذلك.

انفجار 2

كان عالمنا قد انهار أصلاً قبل الانفجار. لكن حين اهتزّت الأرض تحت أقدامنا فجأة يوم 14 آب، أدركنا أن القادم أشدّ وأدهى. جميع سكان بيروت شعروا أنه، بغض النظر عما حدث، المؤكد أنه حدث في حيّهم أو في عمارتهم أو في شقّتهم. وإلى حين توافد الأنباء، لم نكن نعرف أن مركز الهزة كان الميناء، وأن البحر الذي امتصّ معظم الانفجار أنقذنا.

هل كان زلزالاً؟ قصفاً إسرائيلياً؟ قنبلة؟ الثواني القليلة بين الانفجار الأول والثاني سمحت لكثيرين باستحضار سيناريوهات نجاة سابقة والاحتماء بشيء ما: في الممرات والخزائن وخلف الجدران. شعرت بزجاج النوافذ وهو يتشظى، وبالهواء يلوب حول جسدي. اهتزّ البناء برمّته وأنا أسقط على الأرض. كان الغبار في كل مكان حين فتحت عينيّ. ظننت أن البناء يتهاوى، فالتقطت مفاتيحي ونزلت راكضةً من الطابق الثامن. سمعت صراخ طفل في الطابق السفلي، فخرجت أمه تحمله. صرخت بها: «ما الذي حدث؟» قبل أن أجد نفسي على الرصيف أطالع الدخان خلف العمارة؛ دخاناً وردياً لم أره في حياتي من قبل.

قبل سبعة أعوام، وصل 2,750 طن من نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت على متن سفينة، وظلت هناك منذ ذلك الحين. وبعد دقائق من الساعة السادسة في 4 آب، أدى انفجار كمية غير معروفة من هذه النترات إلى تدمير الأحياء السكنية المجاورة ذات الكثافة السكانية العالية. تضررت البيوت الممتدة على مدى 10 كيلومترات في محيط الانفجار، وامتد ضغط الانفجار إلى كل أنحاء البلاد، بل وإلى تركيا وسوريا أيضاً، وحتى سكان قبرص على مسافة 250 كيلومتر سمعوا صوته. ما تزال الصدمة تسري في أجساد من كانوا في جوار الانفجار وضحاياه من المصابين والناجين، يحاولون استيعاب ما حدث وما شاهدوه في الشوارع والصيدليات والمشافي المكتظة بالجرحى المضرّجين بالدم.

مشاهد الانفجار والدمار الذي خلّفه لم تغادر الشاشات ومواقع الأخبار لفترة من الزمن، ناكئةً ذكريات الماضي ومكثّفة لنا في بضع ثوانٍ فجائع حربنا الأهلية وحروب إسرائيل وتفجير 2005. التبلّد، والإحساس بأنه لا شيء سيعود لسابق عهده، والهلع مما قد يحدث في أية لحظة… كل ذلك كان مألوفاً.

أدركتْ أجسادنا أننا لسنا بمأمن، وأننا لم نكن يوماً بمأمن في بلاد يحكمها أمراء حرب مكرّسون لخدمة أسيادهم في الخارج. هل هو وقت الرحيل إذن؟ وهل الحياة ممكنة هنا بعد اليوم أو قابلة للتصوّر؟ راودنا شعور عابر بالخلود في أعقاب الكارثة، ونسجنا ميثولوجيا كاملة حول نجاتنا كي نتمكن من فهمها. صرنا نقول إننا كالعنقاء نخرج من تحت الرماد. ولكن حين ننجو يعود السؤال لمطاردتنا: موت هنا؟ أم حياة في مكان آخر؟

«علينا أن نتخيّل سيزيف سعيداً»

بهذه الكلمات ختم ألبير كامو روايته لأسطورة سيزيف، الذي حكمت عليه الآلهة بالكدح الأبدي عبر دفع الصخرة إلى قمة الجبل كي تعود بالانزلاق مجدداً إلى السفح.

وعلى غرار سيزيف، محكوم علينا البدء من جديد مراراً وتكراراً، محكوم علينا إعادة بناء عالمنا بعد كل دمار، محكوم علينا الكدح كالحجارة بين الحجارة لدرجة ضياع الفرق بيننا وبينها. بعد كل فاجعة نحاول إيجاد معنى في انعدام المعنى، نبحث عن نظام ما وسط الفوضى. ولكننا نسمح لأنفسنا من وقت لآخر بمعاينة عبثية وجودنا: حينها فقط نقف وجهاً لوجه أمام لامعنى الحياة ويقين الموت. هذا الوعي اللحظي العابر لمصيرنا يجعل حياتنا العبثية مأساوية، فنزداد إدراكاً وإحساساً بلاجدوى كل ما يجري. وفقط عبر الاعتراف المؤلم بهذه الحقيقة، وليس عبر إنكارها، نقرر متابعة الحياة.

لا فائدة من إنكار الحقيقة، كما يعلمنا كامو الذي شهد فظائع الحرب العالمية الثانية. لكن يمكننا نحن المتورطين في حروب لانهائية أن نكسب الكثير عبر تعلم الدرس: فبينما تقف جميع الحظوظ ضدنا، يمكننا – ويتحتم علينا – الاستمرار وغض النظر. هذا ما فعله سيزيف وفقاً لكامو، فهو يعاود الانحدار على الجبل وهو على تمام المعرفة بأنه سيبدأ من جديد، وعلينا أن نتخيّله سعيداً. علينا أن نتخيّل أنفسنا سعداء بما نفعله. لا يبنغي أن نكون مدفوعين بالأمل بمستقبل أفضل، ولا نحتاج إلى الإيمان بغد أفضل. بالعكس، يمكننا كسر القواعد التي تحدد وتقيّد وجودنا الفاني في الوقت الحاضر. بإمكاننا أن نثور على مصير ينتظرنا ولا نستطيع التحكّم به.

المنفى هو الثورة النهائية بالنسبة للبعض، فهم يرفضون أن يخدموا نظاماً يعرفون أنه يمصّ دماءهم. لكنه الملاذ الأخير بالنسبة للبعض الآخر، الذين يحتاجون ربما إلى إعالة أسرهم وذويهم، ولا بد لهم من السفر لمكان جديد. وهم لأنهم يريدون التشبث بالعالم ولا يريدون التخلي عنه يغادرون. إن كثيرون ممن قضوا في تفجير 4 آب عمال مهاجرون جاؤوا بحثاً عن الحياة وسط حطامنا، فوجدوا أنفسهم في محيط عدائي يكابدون فيه ليل نهار لإرسال الحوالات إلى أهاليهم: إلى سوريا وبنغلادش وباكستان والهند وكينيا والفلبين. لقد ماتوا في المنفى وهم يمارسون صعودهم اليومي إلى قمة الجبل.

بعد شهر من التفجير، حين التقطتْ كلبة تابعة لفريق الإنقاذ التشيلي إشارة حياة في بناء منهار، حبسنا أنفاسنا: هل يمكن أن يكون أحدهم قد نجا بنفسه تحت الأنقاض؟ تابعنا ليومين متتاليين بثّاً مباشراً لعملية التنقيب. التقطت الآلات نبضاً، فاستبشرنا بجسد حي سيخرج، لكن لم يعثر أحد على شيء. ورغم أننا ذكرنا أنفسنا بضعف احتمال خروج شخص على قيد الحياة وقتذاك، إلا أننا انتظرنا أن تخيب توقعاتنا. قد يضللنا التفاؤل الأصمّ في بعض الأحيان، وقد نحارب شكّنا بالتشبّث بأي إشارة لاحتمال تحسن الأمور. وهكذا نحاول تخيل غرفة مظلمة تحت الأنقاض. وفي حفرة معتمة تحت الحجارة، نرى جثة بالكاد على قيد الحياة، تتنفس جثة أخرى قضت منذ زمن بعيد. ولأننا نستطيع، ولأنه يتحتم علينا، نتخيل كيف يمكن لأحدهم النجاة تحت حطام المدينة، فيما نتخيّل المغادرين الناجين في مكان آخر؛ نعيبهم على هذه النجاة، نحسدهم عليها، ونتوق إليها. نتخيلهم سعداء، يمارسون حياتهم اليومية، يبنون خططاً يمكنهم تنفيذها، وننتظر عودتهم إلينا في مواسم الأعياد.