سميرة الخليل، حاضرة في إيطاليا

تصدر اليوم الترجمة الإيطالية لكتاب سميرة الخليل، يوميات الحصار في دوما 2013، والذي صدر باللغة العربية في العام 2016. وقد ترجمه إلى الإيطالية جيوفانا دي لوكا وسامي حداد، وفيما يلي مقدّمة الترجمة الإيطالية لسامي حداد، وهو ناشط سياسي سوري إيطالي وخبير لغوي ومترجم، يُدرِّسُ اللغة العربية في جامعة الدراسات الشرقية في نابولي.

*****

يقال إن في بعض الأماكن هناك أناس لم يصل إليهم أحد، ما زالوا في بيوتهم نياماً، رحلوا بلا ضجيج في غفوة أبدية، رحلوا وتركوا للعالم عاراً أبدياً أبدياً.

بهذه الكلمات وصفت سميرة موت الأشخاص المحاصرين في الغوطة وضحايا هجوم الأسلحة الكيماوية. كلمات كشظايا متناثرة، لقطات خاطفة للمأساة السورية التي تعجز الكلمات عن وصفها، كلمات تروي الموت والتغييب لتحولهما إلى حضور أشد حضوراً من الحضور نفسه، لأن هذه المذكرات بحد ذاتها حضور ينفي أي تغييب قسري أو موت. إنها اتهام وإدانة لخاطفيها وللنظام المجرم وللعالم بأسره، ولكل الذين أغمضوا عيونهم أمام الجرائم المروعة المرتكبة في سورية.  

نجحت كلمات يوميات سميرة في تحويل تغييبها القسري، وكذلك تغييب الآلاف من السوريين ومصرعهم على يد النظام وحلفائه والجماعات العدمية، إلى حضور طاغٍ يفضح كل الادعاءات التي تنكر موتنا، موت السوريين «وتجهيل الفاعل ونزع صفة الإجرام وتجهيل المجرم» كما تقول سميرة.

فهذه اليوميات حضور ينقُضُ مزاعم من يعتبر غياب المغيبين موتاً قد يكون أشد قسوة من الموت ذاته، وخلف سطورها وفي أعمق أعماقها يكمن أملنا، ومن خلال هذه اليوميات، أيضاً، تتحول كل الآليات التي انتهجها النظام لقتل الأشخاص وإلغاء وجودهم إلى برهان ملموس لحضور من نوع آخر، هو وجوده الإجرامي وإجرامية كل المجموعات العدمية والمتطرفة، ما يجعل سياسة التدمير والإبادة الممنهجة في سوريا من خلال قتل الأشخاص وكتم أصواتهم واغتيال طموحاتهم بالحرية وبحياة كريمة اعتداءً على الإنسانية بأسرها. 

لقد جاء اختطاف سميرة ورزان ووائل وناظم ليكمل محاولة إخماد أصواتهم والقضاء على طموحاتهم وعلى طريقتهم في الوجود، وليتمم بذلك محاولة القضاء على سورية حرة. إن غياب سميرة يرمز إلى تغييب الإنسانية جمعاء، فمع اختطافها اختطفت الإنسانية ومعنى الإنسانية. 

إن قصة كاتبة اليوميات لها رمزية بحد ذاتها، فقد اختارت سميرة أن تكون مع المحاصرين، لم يكن في نيتها ربما أن تكتب أي كتاب، لكنها أمام الموت والحصار وكل الأعمال الوحشية التي شهدتها شعرت بضرورة تسجيل ما يحصل أمام عيونها.   

فجاءت كلماتها لتكشف عن حقيقة المأساة ولتدحض دعايات النظام. لقد أرادت بيومياتها هذه أن تنقل ما يحدث. لم يكن في متناول يدها أي وسيلة للقيام بذلك إلا كلماتها، على العكس من عدسة التصوير الباردة والمنفصلة عن الحدث التي قد يستخدمها المخرج السينمائي أو الصحفي. لقد عاشت سميرة مأساة الناس ووثقت معاناتهم اليومية، وبحساسية بالغة نجحت في التقاط لمحات إنسانية وسط آلام الحصار الذي اعتبرته أقسى من السجون السورية الرهيبة. 

لذا لم تكن الصورة التي نقلتها ثابتة وجامدة مصنوعة من ظلال وأضواء، بل متحركة وحيّة بفضل الكلمات التي تعكس تجربتها الشخصية وقصتها الذاتية. قد لا تفسّر يومياتها الأحداث المفجعة، لكنها ببساطتها تصف ما شعرت به وعاشته، فنجحت في تفنيد المقولة المكررة والمشوهة التي تبناها النظام وحلفاؤه وكشفت رياء العالم. 

هكذا اكتسبت تفاصيل الحياة اليومية بكل بساطتها وحميميتها، وربما بفضل هذه الصراحة الصارخة العزلاء، قوة مدمرة. إن قيمة هذه اليوميات نابعة من عفويتها في رواية زخم هائل من المشاعر بحساسية أنثوية منقطعة النظير. 

وهذا ما يضفي على العمل خصوصية فريدة مقارنة بكتب أخرى منشورة في إيطاليا عن سورية ألّفها باحثون وصحفيون، لأنه يقدم وجهة نظر مختلفة ويعرّف القارئ بملامح من الحياة التي انتزعت من المحاصرين ومن السوريين ومن كل الإنسانية أيضاً، فهو يتحدث عن المعاناة التي نعيشها نحن السوريون منذ تسع سنوات، المعاناة من وحشية النظام وحلفائه في حرب الإبادة التي يشنونها، وحشية العالم الذي اختار الصمت أمام هذه المأساة، ووحشية من ينكر موتنا اليومي، وكذلك وحشية شعورنا بالعجز أمام كل هذا التكالب على القضية السورية. 

في الكتاب لقطات وتعابير في منتهى الرقة والعذوبة، تكشف عن خيالية وشاعرية كبيرة. قد لا تكون سميرة تريد أن تصبح كاتبة أصلاً، لكنها وكما يقول جبرا إبراهيم جبرا في روايته السفينة: «من يعرف شيئين اثنين هامين، جمال الطبيعة والمأساة، ومن يجمع بين هذين، لا بد أن يكون شاعراً»، وهي عاشت المأساة بكل أبعادها المدمرة وعرفت الجمال. قد لا يكون المقصود هنا جمال الطبيعة، بل جمال إنسانية الأشخاص البسطاء الذين يناضلون ضد الموت والحصار، ضد المحاولات الوحشية في تغييبهم الذي لن يتحقق أبداً طالما أن هناك من يؤمن بعودتهم، وهناك كثيرون ممن يؤمنون بعودة سميرة ورزان ووائل وناظم، وبعودة الأب باولو دالوليو، وكثيرين غيرهم من المغيبين في سورية، مرددين كلمات أغنية إيطالية لفيوريلا مانويا: 

تنهمر أوراق عباد الشمس

على وحشية الغياب

ليس للوحدة رائحة 

والشجاعة عبارة عن رقصة قديمة

فتتّبعي خطوات هذا الانتظار 

وتتّبعي مشاعر بحثك المضني

فهناك مكان وحيد لترجعي إليه

وهناك قلب وحيد لترسي على ضفافه.